منذ عقود، كانت ساحة الصراع في الشرق الأوسط تُدار في مناطق بعيدة عن مركز التوتر الحقيقي. ومع بروز المشروع الإيراني في المنطقة عقب الثورة الإسلامية عام 1979، تحولت الجبهات من صراع مباشر بين الدول إلى حروب بالوكالة، خاضتها إيران عبر أذرعها العسكرية والأيديولوجية، فدفعت الشعوب العربية وحدها كلفة المواجهة.
لكن، ما يحدث اليوم من نقل المعركة إلى قلب إيران وإسرائيل معاً – سواء عبر تصعيد أمني مباشر أو هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة – يُعدّ تطوراً إستراتيجياً غير مسبوق. إنها لحظة تحوّل جوهري، فالصراع يعود إلى الجغرافيا التي انطلق منها، ليطال لأول مرة منذ نصف قرن العاصمتين اللتين أدارتا الحروب بالوكالة: طهران وتل أبيب. أطلقت إيران بعد عام 1979 مشروع “تصدير الثورة الإسلامية”، مستندة إلى نظرية “الولي الفقيه” التي أرسى قواعدها الخميني، والتي جمعت بين السلطة الدينية والسياسية في يد واحدة. ومنذ الثمانينات، بدأت إيران بناء شبكة إقليمية من الحلفاء والوكلاء في الدول العربية:
ففي لبنان: أنشأت حزب الله عام 1982، وقد أصبح بحلول 2006 قوة عسكرية تفوق الجيش اللبناني.
وفي العراق: دعمت ميليشيات شيعية مثل بدر والعصائب والنجباء، ثم دمجت معظمها في “الحشد الشعبي” بعد 2014.
وفي اليمن: دعمت الحوثيين الذين سيطروا على صنعاء عام 2014، وأطلقوا آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه السعودية والإمارات.
وأمّا في سورية، فتدخلت عسكريًا لدعم النظام عام 2012، عبر الحرس الثوري وميليشيات أفغانية وباكستانية وعراقية.
ووفق دراسة لمعهد واشنطن (2020)، فقد بلغ عدد المقاتلين التابعين لإيران في سورية وحدها نحو 80 ألفًا، منهم 15 ألفًا من الحرس الثوري و65 ألفًا من الميليشيات الحليفة. وكانت الحروب تُدار خلال العقدين الأخيرين في بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء، وليس في طهران أو تل أبيب. والنتيجة كانت تفكيك البنى الوطنية للدول العربية، وتعميق الانقسامات الطائفية، وتدمير الاقتصاد، وبروز النزوح واللجوء كسمات دائمة. ففي سورية: أكثر من 600 ألف قتيل، وتهجير 13 مليون شخص (المفوضية السامية لشؤون اللاجئين)، والعراق: بعد 2003، قُتل أكثر من 500 ألف مدني (وفق تقديرات Iraq Body Count)، وتعرضت مدنه الكبرى للتفكك والاحتلال الميليشيوي، واليمن: منذ 2014، قُتل أكثر من 377 ألف شخص (تقدير الأمم المتحدة 2021)، فيما يعيش 21 مليون شخص تحت خط الحاجة.
كان ذلك جزءًا من إستراتيجية الردع غير المباشر، إذ تدفع الشعوب العربية ثمن التوسع الإيراني وردود الفعل عليه، بينما تبقى إيران وإسرائيل بمنأى عن الاستنزاف الحقيقي.
لم يكن الصراع المذهبي في المنطقة قدرًا محتومًا، بل أُعيد بعثه وتوظيفه سياسيًا لخدمة المشاريع الإقليمية. فرفعت إيران شعار “حماية الشيعة” في المنطقة، بينما وظفته ضمن مشروع استيطاني استعماري يهدف إلى: السيطرة على القرار السياسي العربي، وبناء ممر بري من طهران إلى المتوسط (عبر العراق وسوريا ولبنان)، وخلق كيانات موازية للدولة الوطنية (كالحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان)
وكانت النتيجة إجهاض أي مسار سياسي حقيقي قادر على إعادة بناء الدولة الوطنية، وتحويل الصراعات إلى حروب أهلية متقطعة تؤبّد الضعف العربي. واليوم، مع اشتداد الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل – سواء عبر استهداف منشآت في طهران، أو إطلاق صواريخ من إيران باتجاه إسرائيل – فإن المعركة باتت تتّجه نحو مرحلة الاشتباك المباشر، ما يمثّل نهاية مرحلة الحروب بالوكالة، واستنزافًا حقيقيًا لمراكز القرار الإيرانية والإسرائيلية، وإعادة تموضع القوى الإقليمية والدولية.
فبعد أن كانت صعدة وغزة وبغداد ودمشق هي ساحات المعارك، باتت أصفهان وتبريز وطهران وتل أبيب أهدافًا مشروعة أو محتملة، في تطور يعيد هندسة أمن المنطقة برمتها. هذا التحول يفتح الباب أمام سيناريوهات كبرى:
- هل يؤدّي الاشتباك المباشر إلى إضعاف إيران داخليًا؟ خاصة في ظل أزمة اقتصادية حادة واحتجاجات شعبية متكررة.
- هل تبدأ عملية تفكيك لمحور “الممانعة”؟ بعد أن أصبح هو نفسه ساحة المعركة.
- هل يعاد طرح مشروع الدولة الوطنية العربية كبديل عن ميليشيات الوكالة؟
كاتب سوري


























