تمضي سوريا الجديدة اليوم نحو مستقبلها وخلاصها؛ غير أن ذلك لا يعني أن المحطات التي تمر بها تخلو من العثرات والأشواك والعقبات؛ مما يستدعي مشاركة جميع أبنائها في لحظة التغيير، كلٍّ وفق دوره وقدراته ومكانته وفاعليته. وعلى الرغم مما كل ما يقال عن تراجع دور المثقف في المجتمع؛ وأن آخرين قد تغوَّلوا على دوره، إلا أن الوقائع كشفت أن المثقف يمكن أن يضطلع بدور ما في بناء المجتمع، والمساهمة في عبور الدولة من مرحلة إلى مرحلة أخرى، بخاصة في مراحل ما بعد النزاع.
ولعله من المهم أن يكون المثقف السوري، اليوم، جزءاً فاعلاً في الفضاء العام، ليمارس دوره المأمول بصفته مؤثراً ومعبراً عن الرؤى والسياسات والأفكار، التي يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية الدولة وبوصلتها. وليس مقبولاً منه الانكفاء أو التلاشي أو اليأس أو الانسحاب.
ومن جهة أخرى، فإن المثقف معنيٌّ كذلك بالتواصل مع الشرائح الاجتماعية المختلفة للتعرف إلى تطلعاتها وعوامل قلقها، وهواجسها، والدور الذي يمكن أن يقوم به. يمكن أن يكون المثقف عامل صناعة ثقة بين الدولة والمجتمع، بل المساهمة في النأي عن الطاقة السلبية التي يمكن أن تحوم في سماء البلاد نتيجة ارتفاع سقف التوقعات عند أبناء الثورة أو المتحمسين لها، كونهم قادمين من انتصار عسكري ذي أسس مختلفة عن بناء الدولة ومؤسساتها.
ويظهر دوره كذلك في تخفيف انقسامات المجتمع ولفت الأنظار إلى أهمية البحث عن لغة مشتركة بين أبناء البلد الواحد، والتشبيك بين المختلفِين في ظل حاجة الأطراف السورية إلى وجود جهات أو أشخاص من أبناء البلد، ممن يثقون بهم أو يعولون عليهم، أو ينتظرون منهم أن يكونوا صوت العقل والحكمة.
السلطة والمواطن ينتظران من المثقف أدواراً محددة، على سبيل المثال تريد السلطة من المثقف أن يكون معالجاً وليس مشتكياً من الألم أو مفجراً له، أو نافخاً في الكِير، أو محرضاً أو مركزاً على الطاقة السلبية، وأن يكون نقده هادئاً موضوعياً، مع تقديم مقترحات حلول وأفكار. والمواطنون ينتظرون من المثقفين أن يقفوا بجانبهم، وأن يتفهموا حاجاتهم وأن لا يتردّدوا في نقد السلطات حين تخطئ وأن يكونوا صوت الحق. الأمر في المشهد السوري أبعد من تطبيل أو تييئيس! وأبعد من: مع أو ضد!
فالمثقف صاحب رسالة وموقف ومبدأ، تلك مرجعياته التي تحدد علاقته مع السلطة والمجتمع بصفته طبيباً ومعالجاً ومجسّراً. صحيحٌ أن المخاطر والصعوبات التي تمر بها الدول في مراحل ما بعد النزاع وآليات بناء الدولة، تكشف أن الحلول لا تأتي بين يوم وليلة، وأن البناء صعب ويأخذ وقتاً، ليس كما الهدم والتخريب الذي اتسم به النظام البائد.
يتحدث السوريون اليوم عن العقد الاجتماعي الجديد الذي يأملونه، وهوية الدولة الوليدة، وأهمية تمثيل شرائح المواطنين، والوضوح في الطرح، واحترام هواجس المواطن وما يمر به، مع ضرورة وجود برنامج زمني لمشاريع الدولة، ووعود التنمية.
إن ما تحقق خلال سنة وخمسة أشهر وأسبوعين في سورية فيه جوانب عدة من التميز والإخفاق، لكن جوانب عدة منه لم تصل إلى المواطن كما يجب، أو لا تهم المواطن كثيراً بالمفهوم اليومي، لأن عَشمه بالسلطة الجديدة كبير وكبير، ويريد تحسناً سريعاً في الأجور والخدمات. لذلك، فإن اللقاء به والشرح وجهاً لوجه مهم جداً وضروري وله فعل كبير.
أكثر ما يحتاجه السوريون اليوم هو ترشيد الطموحات، وعقلنة الآمال وتفهم مراحل ما بعد النزاع وسلم الأولويات من جهة، وكذلك توضيح حيثيات قرارات الدولة والاقتراب من المواطن بلغة النقاش والعقل والمعلومة والمحاججة من جهة أخرى.
من الضروري أن يغدو المواطن السوري شريكاً في حل المشكلة عبر إشراكه في تقديم المقترحات، والانتقال من مفهوم الدولة العالمة، القادرة على كل شيء بزمن قياسي، إلى مرحلة الدولة الشريكة التي تحتاج إلى جهد الجميع وأفكارهم ومقترحاتهم.
سوريا الجديدة مسؤولية الجميع: المواطن والسلطة والمثقف، وهم ليسوا أطرافاً متنافرة أو ثنائيات متصارعة أو متضادة، بل هم سيتقاطعون في الحلول ومعالجة الخلل والتشارك في تقديم مقترحات إبداعية، من هنا فإن الجميع في المركب، ولا حل أمامهم إلا بأن يمشي هذا المركب إلى الأمام بالحوار والنقاش والتكاتف وتقاطع المصالح والرؤى المتقاربة والأمل المتجدد الذي ينبع من الإيمان بأن الشخصية السورية في إطار الثقافة الإنسانية شخصية مبدعة، مجترحة للحلول، وتتسم بأنها عملية تربط القول بالفعل، وتعطي أمثلة إيجابية على القدرة للسير إلى الأمام كما أثبتت من قبل في مرحلة اللجوء خلال سنوات الثورة، أو قبل قرن ونيف في الهجرات إلى أميركا اللاتينية، وهذا ليس بجديد، فهم الذين كانوا عماد الفتح الأندلسي والدولة الأموية.
أن يكون المثقف عامل إطفاء وبناء واستشراف شيء مهم، لكنه في الأحوال كلها عليه ألا يتخلى عن دوره في التوعية ورسم الاستراتيجيات والنقد لأن البلدان لا يمكن أن تتجاوز عثراتها إلا بالنقد وتصحيح المسار.
يريد كثيرون (بنية حسنة أو سواها) اليوم أن يحصروا دور المثقف في محطتين: إما التطبيل أو التيئييس، من ضمن ثنائيات متصارعة، يسعى مهتمون لتعميمها لدراسة المشهد السوري، لكن الحياة واسعة ومناظير قراءة الأدوار أو القيام بها أبعد من ذلك بكثير، والحاجة إلى الطاقة الإيجابية في بناء البلدان ضرورة، غير أن ذلك لا يعني الابتعاد عن التعبير عن حاجات الناس أو غض النظر عن أخطاء السلطة. من هنا، فإنه من المهم أن يتجاوز المثقف تلك الثنائيات، وأن يبتعد عن قبوله بالتنميط بأن يكون من هذا الفريق أو ذاك، لأن الحاجة إليه تكمن في الجانبين معاً: تعزيز الإيجابي ونقد السلبي، فهو صديق للطرفين وناصح وحامل للآمال.
الكثير من صفحات الفيسبوك السورية تشعل حرباً مفتوحة، تعتاش على التناقضات؛ حيث تُظهِر أن المجتمع السوري مشتت، مشرذم، ولا يوجد أية روابط بين أبنائه، غير أن الواقع لا يقول ذلك دائماً، والسوريون على الرغم مما بينهم من اختلافات عاشوا في دولة واحدة ولهم أوجاعهم وأفراحهم المشتركة ومؤمنون بقدرهم الذي يحميه القانون والعقد الاجتماعي الذي يسعون إليه.
المشهد السوري اليوم يستدعي أدوراً جديدة للمثقف، عليه أن يجترحها ويقترحها هو ذاته، غير أنه من المهم أن يدرك خطورة المرحلة على مستوى التجييش أو التيئييس أو إثارة النعرات أو تعزيز المشتركات، والقيام بدوره النقدي، بما يخدم تكوين دولة سورية ديمقراطية عادلة، تحقق مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
- الثورة السورية






















