ليس لتوماس باراك تاريخ سياسي مثل صديقه دونالد ترامب. وهذه ميزة بالنسبة لمسؤول أميركي ينخرط اليوم بدور محوري في رسم معالم المنطقة، في مرحلة انتقالية هي الأخطر منذ مئة عام. أبرز ملامح هذه الميزة هي إمكانية أن تستخلص منه حقائق أكثر من الأكاذيب، وأن تبلغ حداً مقبولاً من فهم ما تخطط له واشنطن وتل أبيب.
وجود باراك كمبعوث رئاسي إلى سوريا اليوم، ليس ترفاً. هو في واقع الأمر يقوم على ما يبدو رسماً لملامح مستقبل سوريا ولبنان، أو على الأقل المشاركة في ذلك. ومن هنا لا يمكن العبور بخفة على تصريحه للأسوشيتد برس عن رغبة إسرائيل بتقسيم سوريا. فهو ليس تحليلاً بل معلومة جاء بها من تل أبيب، وتعرفها قيادته في البيت الأبيض، ولا نتخيلها نحن فقط كما يتوهم البعض.
رأى باراك أن الاعتداءات الإسرائيلية التي تسببت بقتل مئات السوريين وبلوغ خطر الحرب الأهلية، مجرد “سوء فهم” لنوايا دمشق. ولذلك فقد دعا الإسرائيليين إلى الاستماع مباشرة من القيادة السورية وعرض نفسه “وسيطاً صادقاً” بين الطرفين.
ذلك عرض طيب من الوسيط الأميركي، وهو يكثر من الإشادة بدمشق وحكومتها. لكن لا مدائح باراك ولا إعجاب رئيسه ترامب بالرئيس الشرع، تمكنا من منع العدوان الإسرائيلي، أو وقف تدخلها في الشأن السوري من بوابة طائفية. بطبيعة الحال، لا يمكن عدم لوم أنفسنا لعدم الاستعداد لمثل هذا الوضع الذي كان مؤكداً، إلا أن الشراكة أو العلاقة التي تتضمن تنسيقاً واسعاً مع دولة مثل أميركا، تفترض فيما تفترضه أن تقدم لك قدراً من الاستقرار، كي تنفذ برنامجاً سياسياً واقتصادياً مقبولاً، إقليمياً ودولياً. وهو ما لم يحصل، حينما قامت إسرائيل بقصف قوات الأمن في السويداء، أو حينما قامت بقصف المواقع السيادية في دمشق.
يرى باراك أنه لا بديل عن الحكومة الحالية بدمشق. بمعنى أنه يجب قبولها مع ترشيد سلوكها، كما يوحي. لكن هذا الحرص الضمني على بقاء حكومة الشرع، لا يستقيم مع التهديد الجسيم الذي مثلته الضربات الإسرائيلية، وما زالت تمثله تدخلاتها السافرة في جنوب البلاد. وهذا التهديد يتوجه فوراً للنظام السياسي. ولو استمر، فقد يغري أطرافاً في داخل سوريا وفي المنطقة باستثمار ما تقوم به إسرائيل في نشر الفوضى وتقسيم البلاد. فذلك في الحقيقة ليس هدف إسرائيل وحدها، بل أطراف أخرى تحلم بكيانات مدعومة من الخارج منفصلة عن دمشق.
والحقيقة أن باراك لم يكن مجاملاً في حديث آخر لوكالة رويترز، عندما قال إن الأمر يمكن أن يصبح في سوريا أسوأ من أفغانستان وليبيا. وهذا أيضاً تقييم يستحق الاهتمام، لا سيما وأنه جعل تجنب هذا المصير مرهوناً إلى حد كبير بتنفيذ إجراءات وانتهاج سياسات “شمولية”. وهذا أيضاً يحيل إلى وجهين، إما تقاسم السلطة، أو الذهاب بوضوح نحو نوع من التقسيم عبر آليات الحكم الذاتي، أو حتى اعتماد النظام الفيدرالي، ليكون لكل من الدروز والأكراد والعلويين إقليم خاص بعلم مواز وشرطة خاصة وحكومة وبرلمان.
على الأغلب، سترفض الحكومة السورية مثل هذا النموذج، وقد تقبل بنظام دستوري يعتمد اللامركزية الإدارية. فذلك يبقي المحافظات مرتبطة بالسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في دمشق. وحينها سيكون من الأفضل بكثير أن يجري تعميم الاقتراح على كافة المحافظات، كي لا يكون للأمر طابع طائفي أو عرقي. وحينها يحصل من يوصفون بالأقليات على حق إدارة شؤونهم، ولكن ضمن سياق يمارسه الجميع بوصفه نظاماً إدارياً وليس وصفة للانفصال.
مثل هذه الرؤية أو التفكير بها أو بسواها، بات ملحاً قبل أن يصبح اضطرارياً في وقت قريب. فمن ناحية، لن تُبقي حجة أو ذريعة لأحد فيما يتصل بالمكونات وحقوقها. ومن ناحية ثانية، فإن النظام الإداري اللامركزي ضروري في حالة سوريا، التي تخرج من نظام قمعي تركها ضعيفة وهشة. ومن معالم هذه الهشاشة، قوة الأطراف والجماعات المختلفة، ومنها المدنية، خارج الدولة (ويشمل ذلك جميع أنحاء سوريا). هذا الواقع يجعل من مركزية السلطة مجرد ادعاء لا غير، ومن الأفضل ذهاب السلطة بإرادتها نحو اللامركزية، التي تعترف بتحويل هذا الواقع إلى نظام إداري يعزز التنافس الإداري والتنموي بين المحافظات، ويقطع الطريق أمام فكرة التقسيم على أساس طائفي وعرقي.
ما حدث في “صدمة” السويداء ينبغي ألا يتكرر مجدداً، وذلك لن يحصل إن لم تقم السلطة في دمشق بخطوات جريئة ومبدعة وديناميكية، تمتص عبرها عصف العدوان الإسرائيلي. فقد ظهر جلياً للجميع أن تدخل قوة العشائر هو من غيّر قواعد اللعبة، وأوقف اندفاع الجماعات الانفصالية. لكن الوضع الحالي على هشاشته وانعدام اليقين فيه، بحاجة إلى تفكير سريع ومختلف للخروج من مأزق سقوط سوريا من على الحافات الحادة التي تسير عليها.



























