بالمقارنة مع نتائج تحقيقات لجان وطنية في غير بلد عربي، شُكّلت لتقصي الحقائق حول جرائم كبرى، بقرارات من سلطات تلك البلدان، يخشى المتابع لأحوال سوريا ألا تفضي نتائج تقرير لجنة التحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري في آذار الماضي إلى نتائج ملموسة، وأن تبقى المسألة حبراً على ورق!
بالتأكيد، هناك عملٌ أُنجز، والجهود التي بذلها أعضاء اللجنة، وبحسب مؤتمرهم الصحفي قبل أيام، واضحة، وتُسجّل لهم في ظل انعدام الاستقرار في المنطقة التي توجهوا إليها، وفي البلد عامة.
كما أن المقارنة مع تاريخ سوريا في مثل هذه الإجراءات، تقودنا إلى اعتبار وصول اللجنة إلى نهاية عملها، وعرض النتائج أمام الجمهور، إنجازاً حقيقياً يقطع مع الماضي، حيث نتذكر أن كل لجان التحقيق التي شكّلها الأسديون، طوال حكمهم القمعي، لم تقدّم نتائج عملها للجمهور، كما فعلت هذه اللجنة.
ومن المفهوم أن الظرف الذي سلّمت فيه اللجنة تقريرها لرئاسة الجمهورية، لم يكن جيداً، حيث طغت أحداث السويداء على المشهد، فجرى أن تخندق الجمهور في معادلة: إما مع أو ضد السلطة الحالية، على أرضية طريقة تعاملها مع الحدث، الأمر الذي جعل جزءاً كبيراً من السوريين يصادرون النتائج ويصفونها سلفاً بأنها منحازة لصالح عناصر الإدارة الجديدة، أو يتهكّمون عليها بالقول: إن عليها تأجيل النتائج، بسبب اضطرارها إلى العمل على التحقيق في الجرائم المرتكبة في السويداء أيضاً!
بعد أن تؤدي النيابة العامة المطلوب منها، يتوجّب على السلطة أن تعلن للجمهور، ولأهالي الضحايا، وبشكل لا يتعارض مع القانون، أسماء المجرمين المُدانين.
وزاد في الأمر أن غياب الإعلان عن أسماء المشتبه في تورطهم بارتكاب الجرائم، أعطى إحساساً لدى البعض يفيد بأن وراء الأكمة ما وراءها، بينما تقول الإجراءات القانونية الصحيحة بضرورة عدم التصريح بالأسماء، طالما أن اللجنة قد أحالت الملفات إلى النيابة العامة لتقوم بدورها وفق الأنظمة والقوانين، فهي الجهة الوحيدة المنوط بها استدعاء المشتبه بهم، والتحقيق معهم، وتوقيفهم.
وبعد أن تؤدي النيابة العامة المطلوب منها، يتوجّب على السلطة أن تعلن للجمهور، ولأهالي الضحايا، وبشكل لا يتعارض مع القانون، أسماء المجرمين المُدانين.
جزء كبير من فقدان الثقة بين الجمهور والسلطة يتأتّى من هذا التجويف في سلسلة الإجراءات؛ إذ تنشر وزارة الداخلية، وبشكل يومي تقريباً، أخباراً عن إلقاء عناصرها القبض على مجرمي النظام البائد، لكن دويّ الأخبار المُطمئنة يصطدم بجدار صلب من المجهول، فلا يُعرف مصير المتهم، ولا يخرج من التحقيقات معه شيءٌ، وفي النهاية، تختتم الشائعات المشهد المريب، لتخلق اضطراباً يعزّز التشكيك بسلوكيات السلطة، وكمثال ضروري على ذلك، تلك الشائعة التي انتشرت عن ترك السلطة للمتهم العميد عاطف نجيب، وفراره إلى إسبانيا.
ويُضاف إلى هذا أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي شُكّلت بمرسوم مرّ على إصداره ما يقارب شهرين، لم يظهر من خطتها أيّ ملمح، ويبدو أن الوقت الذي يمرّ دون إعلان ذلك، يأكل من سمعتها، طالما أن هذه القضية ذات أهمية قصوى بالنسبة لضحايا النظام الأسدي.
كل ما سبق لا يخدم صورة السلطة في سياق احترام القانون. هذه مسائل حساسة، والتهاون فيها يقوّض العلاقة بينها وبين الجمهور. في نهاية المطاف، يتحدد سلوك الناس بناءً على مدى إحساسهم بجدية مؤسسات الدولة في أداء مهامها.
بناء الثقة مع الجمهور لا يتحقق بإصدار التقارير فحسب، بل بتكامل الخطوات، من التحقيق إلى المحاسبة العلنية، وبتحويل العدالة من وعد مؤجّل إلى ممارسة يومية تُلمَس آثارها في الشارع.
وللتوضيح، يمكن، ومن خلال مراقبة سلوك الناس مع رجال الأمن العام في الشارع، التوقف عند عدم احترام البعض لهم، واعتبارهم غير موجودين في المكان، حيث يختفي دورهم في اللحظات التي يتوجب عليهم فيها أن يتدخلوا، كما حدث في هجوم بعض الغوغاء على اعتصام الناشطين أمام مبنى مجلس الشعب، تحت شعار “دم السوري على السوري حرام”، إذ أظهرت التسجيلات المصوّرة أن رجل الأمن لا يقوم بدوره في منع المعتدين، ولا يحاول توقيفهم بعد ما ارتكبوه بحق الناشطين السلميين! بالإضافة إلى تكرار الاعتداءات على شرطة المرور في عدّة مدن.
لا تشعر، كمتابع للشؤون السورية، وأنت ترى نور الدين البابا، المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، وهو يتحدث، بأن ثمّة مشكلة في أداء الوزارة؛ فهو جاد، ويتحدث بحزم، ويؤدي دوره بشكل جيد، لكنّ جزءاً من الجمهور لا يثق بأن الوزارة تستطيع أن تفرض حضورها في يومياته، لأن تجليات قوتها على الأرض تتعرض للاهتزاز، حيث قُتل عدد كبير من عناصرها في الوقائع الدامية التي جرت في الساحل وفي السويداء، فضلًا عن الضعف في ترسيخ وجودهم على صعيد الإعلام الرسمي ذاته.
وبالنظر إلى ما تقدّم، فإن المسار الذي سلكته لجنة التحقيق في أحداث الساحل، رغم ما يحمله من مؤشرات جديدة مقارنة بممارسات النظام السابق، يظلّ محاطاً بشكوك واسعة تتعلق بفعالية الإجراءات، وشفافية النتائج، واستقلالية القرار القضائي.
بناء الثقة مع الجمهور لا يتحقق بإصدار التقارير فحسب، بل بتكامل الخطوات، من التحقيق إلى المحاسبة العلنية، وبتحويل العدالة من وعد مؤجّل إلى ممارسة يومية تُلمَس آثارها في الشارع، والمؤسسة، والمخيال العام. وأيّ تقاعس في ذلك، يهدد، ليس فقط سمعة السلطة الجديدة، بل قدرتها على قيادة مرحلة انتقالية حقيقية، تليق بتضحيات السوريين.
- تلفزيون سوريا



























