لم تعد حادثة مثل توزيع البنزين المغشوش فرديةً وبلا سياق في الأوضاع السورية، فالحادثة التي تشير إلى فساد ليست الأولى في قطاع النفط والمحروقات، إذ سبقتها أقاويل لم تُنفَ رسمياً عن فساد مالي. أيضاً، عاد الحديث عن “حراقات” في محافظ الحسكة، وهذه كانت تٌستخدم هنا وهناك لدى سلطات الأمر الواقع قبل سقوط الأسد، بغرض تكرير النفط على نحو بدائي، وعودتها الآن تنبئ بوجود رعاية لها، وإمداد بالنفط الخام.
الأمر لا يقتصر على قطاع النفط، فقبل أيام شاعت الأخبار عن ضبط كمية ضخمة من الذهب في حوزة مسؤول أمني متوسط، وهو من المسؤولين الجدد. أما مواكب المسؤولين المتوسطين فقد صارت حديث الشارع، بسبب ما فيها من بذخ لا يُرى مثله في بلدان أخرى، ومن المخجل ظهوره في بلد محطم وفقير. الأمر هنا لا يتعلق فقط بالبعد المالي للبذخ، وربما كان الأهم والأبعد تأثيراً ما ينطوي عليه من انعدام الإحساس بالمواطنين الفقراء المنهكين من أشد وأطول نكبات القرن الحالي، وفي هذا المغزى يحضر وصف أحد المسؤولين منتقديه على السوشيال ميديا بأنهم قطيع.
لا تبتعد عن المظاهر تلك الأخبارُ عن إنشاء دوّار طرقي أنشئ حديثاً، ثم إعادة هدمه في حمص، بما قد يضمر ذلك من شبهات تتراوح بين الفساد وقلة الكفاءة. وكان إنشاء وحفلات تدشين الدوارات الطرقية “التجميلية” قد صار نكتة في مدينة حلب، حيث تشهد المدينة أزمة غير مسبوقة في ترحيل القمامة، ثم ما تُنذر به من أوبئة. وبينما احتفت وسائل إعلام حكومية باستعادة قطع أثرية مسروقة أيام الأسد، فقد عادت هذه القضية إلى التداول مع أخبار عن تعديات على الآثار في تدمر والسلَمية، وهذه المرة مسنودة بنظرة أيديولوجية لا تحترم فكرة الآثار من حيث المبدأ.
الحديث يطول إذا تتبعنا التفاصيل الإدارية، والتفاصيل يجب الا تؤخذ باستهانة، فهي التي تصنع المؤسسات والدول. واليوم لا يمكن معالجة هذه المظاهر ما لم يُعترف بها أولاً، وما لم يُعترف بأنها ليست تصرفات فردية فقط، طالما أنها تجد البيئة التي تبرر لها صراحةً أو مواربةً. والسيء في الأمر إدخال ذلك في النكايات المتبادلة بين السوريين، كأن يدافع موالٍ عنها لأن معارضين للسلطة ينتقدونها، فهذا النوع من “التحزّب” هو دون الدولة ودون السياسة، وشيوعه يعزز منطق الولاء الذي لا يندر أن يقترن بالفساد في العالم كله، لا في سوريا وحدها.
لقد درج في البداية قولان استُخدما في تبرير السلبيات الخاصة بالعهد الجديد، أولهما ردّ تلك السلبيات إلى زمن الأسد، وأحياناً ردّها إلى موظفين (لا على التعيين) من تلك الحقبة، رغم أن السلطة الجديدة أحلّت رجالاتها مكان القدامى في كافة الوظائف المتوسطة والعليا، باستثناءات قليلة ومتعمّدة من السلطة نفسها. أما القول الثاني فكان ينصّ على وجوب “الرأفة” برجالات العهد الجديد، فهم لم يملكوا الوقت لاكتساب الكفاءات بينما كانوا يقاتلون الأسد، ولا يجب مطالبة مَن كانوا تحت خطر الإبادة بمؤهلات توازي تلك المتاحة في ظروف اعتيادية.
ومن المؤكد، وما يتفق عليه عموم السوريين، أن عهد الأسد كان عهداً من الفساد، أو هذا ما آل إليه تدريجياً منذ عهد الأسد الأب. أما ما لا يجب إغفاله فهو أن العهد المذكور لم يبدأ على هذا النحو الذي يُرى اليوم، ربما لأن الأسد كان أمكر من أن يستهل حكمه بفساد فاقع. لكن، بصرف النظر عن ذلك، لا يمكن اختصار تلك المرحلة بأكملها بوصف الفساد، ولا التسليم بأنها مستمرة بطبيعة الحال، من دون استراتيجية للمعالجة.
ما لا يقل أهمية عن قراءة موضوعية لعهد الأسد أن تُقرأ بموضوعية مماثلة الفترة التي شهدت تجربة “المناطق المحررة”، حيث انقسم البلد بين العديد من سلطات الأمر الواقع، سواء كانت تعلن انتماءها إلى الثورة أو لا. الرواية التي يُراد تكريسها عن تلك السلطات تختزلها بمقاتلين تمكنوا في النهاية من تحقيق النصر على الأسد، رغم كل ما تعرّضوا له من مؤامرات خارجية أو تخلٍّ عنهم. الصورة تكاد تُختصر بأولئك “الأشداء” الذي أسقطوا حكم الأسد خلال أيام استغرقتها معركة “ردع العدوان”.
لكن أهلنا في “المناطق المحررة” يعلمون جيداً أن سلطات الأمر الواقع لم تكن مؤلفة من أنبياء، ومن يسترجع ما كُتب في الإعلام المعارض نفسه آنذاك سيعثر على الكثير من الممارسات القائمة على استغلال القوة العسكرية بالاستقواء على المدنيين، وعلى الكثير من شبهات الفساد التي بقيت بلا تحقيق. من ذلك مثلاً ما كان يُسمّى تجارة المعابر، والرسوم التي تتقاضاها سلطات الأمر الواقع لقاء عبور الأشخاص والبضائع، والاقتتال الذي حدث بين الفصائل نفسها طمعاً بالسيطرة على قطاع المعابر وفساده. النفط وتكريره البدائي لم يكونا بعيدين عن شبهات الفساد أيضاً، من خلال استخراجه وتكريره واحتكاره.
أيضاً، كان التهوين من شأن تلك التجاوزات والانتهاكات يتلطى وراء الخطر الماثل خارج تلك المناطق، خطر الأسد وأدواته ونواياه الإبادية. أي أن التسامح كان حاضراً مع الأسدية كلغة استقواء وفساد، وكأن الثورة لم تندلع أصلاً ضد المنظومة الفاسدة. وما حدث هو أن أولئك المسيطرين في “المنطق المحررة” نقلوا خبراتهم إلى البلد ككل، وباستعلاء على تلك المناطق التي بقيت خاضعة لسيطرة الأسد، والنتيجة أخيراً هي كما يمكن استقراؤها من تلك التفاصيل.
أيضاً، ساهم على نحو كبير الترويجُ للعهد الجديد كأنه عهد لسوريا يقطع نهائياً مع ما سبق، فهذا أدى واقعياً إلى استبعاد أو تهميش الخبرات السورية الموروثة، والتي تكوّنت في مؤسسات تعليمية سورية، ثم اكتسبت الخبرة من خلال العمل في مختلف المؤسسات الأخرى. وبطبيعة الحال كانت المؤسسات الواقعة تحت سيطرة الأسد أكثر استقراراً ورسوخاً، لا لأنه أراد ذلك، وإنما لأنها كانت من مقتضيات الدولة التي ورث حكمها. تهميش تلك الخبرات لصالح القادمين من بيئة شاقة على كافة المستويات لا ينصف الطرفين، ولا يساعد في إعادة إعمار مؤسسات الدولة بالحد الأدنى الضروري. المعادلة بسيطة وممكنة؛ أن يحصل أصحاب الخبرة عما يستحقونه، وأن يحصل الذين ظُلموا تعليمياً على التأهيل الذي يستحقونه، لا أن يُكافؤوا بوظائف أعلى من قدراتهم.
ومع الاحتفاظ بالأولوية المطلقة للذين بقوا في البلد، فمن الضروري تالياً تأمين البيئة المرحّبة لمن يشاء العودة من الخارج، خصوصاً من الأجيال الشابة التي تعلّمت واكتسبت خبرات في بلدان الشتات الغربي. من دون الحد الأدنى من دولة المؤسسات سيكون من المستحيل تقديم نموذج قابل للثقة في الداخل والخارج، واستخدام الأسد للتبرير قد ينقلب إلى الضد لدى ناقمين كانوا ولا يزالون يتوقون إلى طي صفحته، وطي الصفحات السوداء لسلطات الأمر الواقع جميعاً.
- المدن























