بعد عام على سقوط بشار الأسد، ما تزال سوريا في مرحلتها الانتقالية، فمعظم بناها التحتية مدمرة، وتكاليف إعادة بناء هذا البلد الذي مزقته الحرب تتجاوز الملياري دولار، وثمة حاجة ماسة للقوانين والمؤسسات التي بإمكانها تسهيل عملية إعادة الإعمار، ومحاسبة مجرمي الحرب، وضمان تلبية الحكومة الجديدة لما يريده المواطنون والمواطنات. أي بالأحرى، يتعين على هذا البلد أن يعيد صناعة نفسه بنفسه في وقت يسعى جاهداً لتسيير أمور دولته.
حتى نتخيل كيف يمكن إعادة بناء سوريا على أفضل وجه، يجب على قادتها وداعميها الدوليين أن يستوعبوا احتياجات الشعب السوري ورغباته، ولهذا أجرت شبكة الباروميتر العربي، وهي منظمة بحثية غير ربحية تدعمها مجلة فورين أفيرز بشكل مباشر، أول استطلاع آراء لها مع الشعب السوري، فمن خلال منظمة RMTeam International، جمعنا 29 شخصاً قاموا بإجراء مقابلات مع 1229 شخصاً بالغاً تم اختيارهم بشكل عشوائي كل في مكان إقامته، وهؤلاء الأشخاص التسعة والعشرون يتحدثون اللغتين العربية والكردية.
والنتائج التي توصلنا إليها تقدم لنا أسباباً وجيهة لنتفاءل بمستقبل سوريا، إذ تبين بأن الشعب السوري كله أمل وتفاؤل، ومؤيد للديمقراطية، ومنفتح على المساعدات الأجنبية والتي تشمل المساعدات الأميركية والأوروبية، كما أن لدى الشعب السوري إجماعا على حكومته الحالية ويثق بها. بيد أن النتائج التي توصلنا إليها قدمت لنا في الوقت ذاته أسباباً تدعو للقلق، أولها أن الشعب السوري أعرب عن شديد استيائه من وضع الاقتصاد والخدمات العامة، كما يقلقه أمر الوضع الأمني في الداخل، ويرغب هذا الشعب بتصحيح أخطاء الماضي ومظالمه، أي تلك التي حدثت قبل وبعد سقوط نظام الأسد، بيد أن الشعب السوري يختلف على أشد فئة عرقية أو دينية معاناة وما يترتب على ذلك من أحقية بالاهتمام. وأخيراً، فإن شعبية الحكومة تختلف من منطقة لأخرى بشكل كبير، وعموماً يحظى رئيس البلد الجديد أحمد الشرع بمحبة كبيرة، إلا أن شعبيته هو وبطانته ضعيفة في بعض المحافظات التي تمثل فيها أقلية معينة أغلبية السكان.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى صعوبة المهمة التي تنتظر دمشق، إذ بفضل شعبيتها الكبيرة، حظيت الحكومة الجديدة بوقت كاف لتنقل البلد نقلة نحو الأفضل، إلا أن شهر العسل انتهى في آخر المطاف، وهكذا صار أداء الحكومة هو الفيصل. لذا، إن لم يتمكن الشرع وبطانته من تحسين وضع الشعب السوري نحو الرخاء والازدهار في المستقبل القريب، وإن لم يتمكنوا من مشاركة جميع مواطني ومواطنات هذا البلد، فإن شعبيتهم ستهبط إلى أدنى المستويات، ما قد يدفع بالفتنة التي ظهرت في الداخل السوري للعودة من جديد بلبوس انتقامي ثأري.
أخبار سارة.. وغير سارة
قد تتغير التصورات في السياسة بسرعة كبيرة، غير أن الحكومة السورية الجديدة تحظى في الوقت الحالي بتأييد كبير قد يثير غيرة بقية قادة العالم وحسدهم، إذ بحسب استطلاع الرأي الذي أجريناه، فإن 81% من السوريين والسوريات يثقون بالشرع، و71% منهم يثقون بالحكومة الوطنية كلها، و62% منهم يثقون بالمحاكم والنظام القانوني في البلد، و71% منهم يؤيدون الجيش ويدعمونه.
وهذه الردود الإيجابية لا تبدو ناتجة عن أي قمع سياسي، وذلك لأن أغلب معارضي الحكومة ومنتقديها لم يجدوا أي غضاضة في التعبير عن انتقادهم لها في معرض حديثهم إلى الأشخاص الذين أجروا معهم مقابلات ضمن هذا الاستطلاع. فهناك غالبية صحية من الشعب السوري ترى بأنها تتمتع بحرية التعبير (73%)، وبأن هنالك حرية صحافة في البلد (73%)، وحرية في المشاركة في المظاهرات السلمية (65%). وهنالك نسبة أصغر تعادل 53% أعلنت بأنها على يقين من أن مجلس الشعب الذي انتخب حديثاً سيمثل مصالحهم وسيعبر عنها. فيما ذكرت نسبة 40% فقط من السوريين بأن الحكومة شرحت العملية الانتخابية لأعضاء البرلمان بوضوح وبأنها منحت الجميع فرصاً متساوية للتنافس على مقاعد البرلمان. غير أن 67% من الشعب السوري يرى بأن الحكومة تستجيب وبشكل كبير لما يريده الشعب.
إذن، ليس من الصعب اكتشاف مدى حماسة الشعب السوري، فالقيادة الحالية للبلد وصلت إلى السلطة قبل عام فحسب، والشعب يقارن تاريخها القصير بحكم الأسد الدموي الذي امتد لفترة طويلة. وهنا ذكر 78% من السوريين بأنهم عاشوا تحدياً أو أكثر من التحديات التي تقلب حياة المرء رأساً على عقب خلال الفترة ما بين عامي 2011-2024، وهذه التحديات شملت النزوح، أو مصادرة الممتلكات أو تدميرها، أو انقطاع أسباب الرزق أو التعليم، أو وفاة أحد أفراد الأسرة، أو التعرض لترهيب ومضايقات بسبب السياسة. ومقارنة بذلك، أعلن 14% من الشعب السوري بأنهم تعرضوا لواحدة أو أكثر من تلك التحديات نفسها منذ بداية عام 2025، ويرى 50% من المواطنين والمواطنات السوريين بأن الفساد موجود حالياً في مؤسسات الدولة الوطنية ودوائرها، إلا أن 70% يعتقدون بأنه أقل انتشاراً مما كان عليه أيام الأسد، و76% يعتقدون بأن حياة أطفالهم ستكون أفضل من حياتهم، ولهذا فإن 76% من السوريين يرون بأن سياسة الشرع ستكون أفضل لسوريا مقارنة بسياسة سلفه.
ولكن، وفي نهاية المطاف، لا بد لذكريات أيام الأسد أن تتبدد، وأن يبدأ السوريون بتقييم الشرع من خلال ما يشعرون به تجاهه في زمنه وعهده، وعندما سيقومون بذلك، قد تجد الحكومة السورية الجديدة نفسها في مأزق، فلقد ذكرت الأغلبية الساحقة من السوريين والسوريات بأن الاقتصاد يمثل أحد الأمور التي تقلقهم على المستوى السياسي، و17% منهم فقط أعربوا عن رضاهم عن أداء الحكومة في هذا المضمار، فيما ذكر 31% التضخم، و24% عدم وجود فرص عمل، و23% الفقر بوصف ذلك أحد أخطر التحديات التي يواجهها البلد، وذلك عندما قدمنا للمواطنين والمواطنات قائمة تتضمن تلك الخيارات. أما على المستوى الفردي، فقد ذكر 56% من السوريين بأن تأمين احتياجاتهم الأساسية مهمة شاقة، وتحدثت نسبة كبيرة وصلت إلى 86% من الشعب السوري بأن الدخل الصافي للأسرة لا يكفي لسد نفقاتها، و77% منهم أعربوا عن سخطهم تجاه المساعي التي تبذلها السلطات الحاكمة لخلق فرص عمل، على الرغم من أن السلطات الحاكمة لا تمثل الحكومة الوطنية دوماً. كما أن انعدام الأمن الغذائي يضر بشريحة مرعبة من أبناء وبنات هذا الشعب، فقد ذكر 65% من السوريين و73% ممن وصفوا أنفسهم بالنازحين داخلياً بأن الطعام نفد لديهم قبل أن يتوفر بين أيديهم مال لشراء مزيد من الغذاء وذلك خلال الشهر الماضي. وبالشكل ذاته، أعرب معظم السوريين عن عدم رضاهم على وضع البنية التحتية العامة، وهنالك نسبة تقل عن النصف من أبناء وبنات الشعب السوري أبدت رضاها تجاه توفر الكهرباء (وتعادل هذه النسبة 41%)، وتوفر الماء (32%)، وتوفر السكن بسعر مناسب (35%)، وتوفر منظومة الرعاية الصحية (36%).
وأخيراً، مايزال القلق يساور السوريين والسوريات تجاه موضوع الأمان في البلد، إذ على الرغم من أن معظم أبناء وبنات الشعب السوري (أي ما يعادل 94%) تحدثوا عن إحساسهم بالأمان في الأحياء التي يقطنونها، إلا أنهم تحدثوا عن ضرورة تأمين حالة احتكار لاستخدام القوة بما أن ذلك أصبح ثاني أكبر تحد يواجهه البلد اليوم. ويعتقد معظم السوريين بأن مصادرة السلاح من جميع الفصائل المسلحة التي لا تمثل الدولة ومن العناصر المنفلتة تعتبر من الأمور التي تهدد الشعب السوري ولهذا فإنهم يطالبون الحكومة بمعالجة هذه المشكلة، إذ يرى 74% منهم بأن الجماعات المسلحة تعتبر تهديداً للأمن في البلد، فيما يرى 78% من الشعب السوري بأن العناصر المنفلتة تهدد البلد في أمنه ولهذا لا بد من مصادرة السلاح من تلك العناصر. ويعتبر الخطف من التهديدات الخطيرة بنظر 63% من أبناء وبنات الشعب السوري.
انقسام داخلي
لعل أكثر نتيجة تقلق الحكومة السورية التي ما تزال تسعى لتوحيد البلد تتمثل باختلاف نسبة تأييدها تبعاً للمنطقة الجغرافية، فقيادة الدولة تحظى بشعبية في معظم المحافظات، ولكن في محافظات اللاذقية والسويداء وطرطوس لا توجد ثقة كبيرة بهذه الحكومة الوطنية، بما أن 35% فحسب من الناس هناك أبدوا ثقتهم بتلك الحكومة، وتبين بأنه في تلك المناطق لا يثق بمحاكم تلك الحكومة سوى 33% من الشعب السوري في تلك المحافظات، و22% فقط منهم أبدوا ثقتهم بالجيش الجديد، كما أعرب 36% فقط منهم عن ثقتهم بشخص الرئيس. ولا يرى السوريون والسوريات الذين يعيشون في تلك المحافظات الثلاث بأنهم صاروا يتمتعون بحريات شخصية أوسع، إذ ترى نسبة تقل عن النصف بكثير وتعادل 31% بأن حرية التعبير والكلام مصونة، وهنالك 34% منهم يرون بأن حرية الصحافة مصانة، و16% فقط يرون بأن حرية التجمهر والتجمع أصبحت مكفولة. وفي الوقت ذاته، لم يذكر سوى 35% من أبناء وبنات تلك المناطق بأن الحكومة تلبي احتياجاتهم، ولم يعرب سوى 41% منهم فقط عن رضاه تجاه أداء الحكومة الوطنية.
وهذه النسب تعبر على الأرجح عن انقسامات طائفية سبق لنظام الأسد أن غذاها ورعاها إلا أنها استمرت تبث سمومها بعد سقوطه، وذلك لأن محافظتي اللاذقية وطرطوس تضمان أكبر نسبة من العلويين في سوريا، أما السويداء فتضم أكبر نسبة من دروز الشعب السوري.
ولقد هيمن العلويون على حكومة الأسد وحظوا بامتيازات بأسلوب ممنهج شملت طائفتهم وطوائف أخرى في البلد، كان من بينها خلال مرحلة من المراحل الطائفة الدرزية (على الرغم من عدم وجود طائفة موحدة في ولاءاتها داخل سوريا). فيما قمع الأسد وبشكل كبير الأغلبية السنية العربية في سوريا وعمل على إقصائها بصورة ممنهجة عن تلك المعاملة القائمة على التمييز والمفاضلة. غير أن هذه الأغلبية العرقية-الدينية وصلت إلى السلطة اليوم، ولم توفر الحماية الكافية أو المشاركة الوافية لغيرها من الطوائف في سوريا. إذ طوال عام 2025، حدثت أعمال قتل انتقامية، ناهيك عن أعمال السلب والنهب والمجازر التي ارتكبت بحق العلويين في اللاذقية وطرطوس وبحق الدروز في السويداء، وهذا ما أثبت أسوأ مخاوف هاتين الطائفتين تجاه شكل الحياة في سوريا بعد سقوط الأسد.
والسوريون يدركون تماماً هذا التحدي الطائفي، إذ يرى 78% منهم بأن عدم التسامح مع الآخرين يمثل مشكلة تضر البلد كله، ولهذا يرغبون ببناء سوريا قائمة على مشاركة أكبر، وعندما طُلب منهم تسمية أهم درس تعلموه من الأحداث التي وقعت ما بين عامي 2011-2024، (أي خلال سنوات الثورة في سوريا)، تحدثت أغلبية تعادل 41% عن ضرورة تقبل الناس لبعضها ولاختلافاتها، وعندما سئل السوريون عن الفئة الأشد حاجة للطمأنة فيما يخص أمنها، وآراءها السياسية مع الاعتراف بالظلم الذي تعرضت له قبل عام 2024 وبعده، ذكرت نسبة تجاوزت النصف بقليل وتعادل 53% بأن الأغلبية والأقليات على حد سواء بحاجة للشعور بالأمان، واتفق 52% على أن أبناء وبنات الأغلبية والأقليات بحاجة لأن يحترم بقية السوريين آراءهم وتوجهاتهم السياسية، وذكر 55% بأنه لا مفر من تمثيل الأغلبية والأقليات في الحكومة.
غير أن هذه النسب لا تمثل أغلبية طاغية، لأن الإجماع يضعف على الطائفة أو المجتمع الذي يستحق أن يقام العدل فيه ولأجله، وأغلب السوريين يعتقدون بأن معاناة الأغلبية والأقليات قبل عام 2024 وبعده بحاجة لمن يعترف بها (وهذا ما عبر عنه 40% بالنسبة للمعاناة قبل عام 2024، و31% بالنسبة للمعاناة بعد عام 2024). ولكن هنالك نسبة معتبرة وصلت إلى 38% ترى بأن المظالم التي عانت منها الأغلبية في سوريا قبل عام 2024 تحتاج إلى اعتراف أكبر.
وهذا يعني بأن سوريا ماتزال بحاجة لمنظومة عدالة انتقالية مصممة بعناية على مقاسها، وقد يتطلب ذلك إدخال إصلاحات على هيئة العدالة الوطنية التي أنشئت في هذا البلد، فقد كلفت هذه الهيئة حالياً بالتحقيق في الجرائم ومحاسبة المجرمين، وتعويض الضحايا وجبر ضررهم، والتشجيع على المصالحة وخاصة فيما يتصل بالمظالم التي ارتكبها نظام الأسد، أي أنها تستثني الآلاف من عمليات القتل والجرائم التي ارتكبتها الفصائل المسلحة الأخرى. ولحسن حظ الدولة السورية وما ينتظرها مستقبلاً، فإن 70% من السوريين يعتقدون بأنه يجب على تلك اللجنة أن تعالج تلك الجرائم أيضاً، فيما تعارض الأغلبية الساحقة من الشعب السوري العنف خارج المنظومة القضائية، إذ إن 9% منهم فقط يرون بأن الإجراءات التي تتخذ خارج إطار القضاء تصل إلى حلول أعدل، فيما يرى 19% فقط بأن تلك الإجراءات تصل إلى حلول أسرع.
وعليه، فإن إنشاء آلية قضائية أفضل من شأنه أن يخفف من التوترات الطائفية إلى أبعد الحدود، ولكن لبناء دولة مستقرة وعادلة بحق، ينبغي على سوريا أن تصبح دولة ديمقراطية، ومعظم السوريين لا يرون بأن الحكومة الحالية ديمقراطية فعلاً، إلا أن 71% منهم يؤمنون بالديمقراطية، على الرغم من مشكلاتها، وذلك لأنها أفضل الحلول، كما أن نسبة تقل عن النصف وتعادل 43% وافقت على العبارة القائلة: “هذا البلد بحاجة لقائد بوسعه تجاوز القانون عند الضرورة حتى يؤدي عمله”.
الحاجة للمساعدة
لاشك أن بناء سوريا مزدهرة وديمقراطية وقائمة على المشاركة مهمة شاقة تحتاج إلى باع طويل في كل شيء، ولكن هذا البلد لن يسير على هذا الدرب منفرداً، بل إنه لا يرغب بذلك أساساً، إذ بحسب ما ورد في الاستبيان الذي أجريناه، فإن معظم السوريين منفتحون على المساعدات التي تأتيهم من دول أخرى، وعندما قدمنا لهم قائمة تضم خيارات، حدد نحو 80% منهم الحاجة لمساعدات اقتصادية خارجية بشكل أو بآخر، وقد أبدى 45% رغبتهم بالحصول على مساعدات تنموية اقتصادية، و36% أعرب عن رغبته بحصول بلده على مساعدة من أجل إعادة بناء البنية التحتية، في حين أن 4% فحسب ذكرت بأنها لا تريد أي مساعدة على الإطلاق.
لدى دمشق كثير من الشركاء المحتملين الذين يتمتعون بشرعية على المستوى الشعبي، وتحتل السعودية وقطر رأس هذه القائمة، فقد بلغت نسبة من أبدوا محبتهم تجاه السعودية 87% وتجاه قطر 83%، بعد أن قدمت كل منهما ملايين الدولارات لسوريا أو تعهدت بتقديمها لها. وتحتل تركيا المرتبة الثالثة ضمن تلك القائمة، إذ بلغت نسبة شعبيتها 73%، وحصد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسياساته الخارجية شعبية مقاربة بلغت 69%، ما يوحي بأن أغلب أبناء وبنات الشعب السوري يؤيدون دعمه للشرع ولهيئة تحرير الشام التي أسسها والتي أسهمت في إسقاط نظام الأسد. إلا أن تلك المشاعر غير قابلة للتعميم على الجميع، لأن 38% فقط ممن عرفوا عن أنفسهم بأنهم ينتمون لإحدى الأقليات عبروا عن محبتهم لأردوغان، مقارنة بنسبة 81% ممن لم يعرفوا عن أنفسهم بالصيغة نفسها. وكما هي حال الآراء بالسياسة الداخلية، فهنالك انقسامات كبيرة داخل سوريا بالآراء تجاه العلاقات الخارجية.
غير أن السوريين والسوريات على اختلاف هوياتهم وتعددها أعربوا عن تأييدهم لأوروبا وواشنطن، فقد أبدى 70% من المواطنين، بينهم 66% ممن عرفوا عن أنفسهم بأنهم ينتمون للأقليات، رأياً محابياً للاتحاد الأوروبي، فيما أبدت نسبة مماثلة تعادل 66% رأياً محابياً تجاه الولايات المتحدة، كان ضمنها 60% ممن عرفوا عن أنفسهم بأنهم من الأقليات. وقد عبر 61% من الشعب السوري عن رأي إيجابي تجاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتعتبر هذه النسبة عالية وبشكل غريب بالنسبة لهذه المنطقة التي تكره شعوبها ترامب بالعموم، إلا أن ذلك يعبر عن شيء معين، بما أن ترمب بعد فترة قصيرة من توليه لمنصبه رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة التي فرضتها واشنطن على سوريا.
إلا أن شعبية ترمب لا تعني بأن الشعب السوري يؤيد سعيه لإقامة علاقات بين بلدهم وإسرائيل، إذ إن نسبة 14% فقط من الشعب السوري تؤيد فكرة تطبيع العلاقات، فيما يعتبر الجميع تقريباً (أي نسبة 92%) الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وغاراته على إيران ولبنان وسوريا بمثابة تهديدات جسيمة تعترض سبيل نشر الأمان في المنطقة. ولم يظهر رأي مؤيد لإسرائيل إلى بين نسبة لم تتجاوز 4% من الشعب السوري، وهذه النسبة مقاربة لنسبة 5% منهم والتي تؤيد إيران و16% التي تؤيد روسيا، بما أن هاتين الدولتين كانتا من أهم الدول الداعمة لنظام الأسد. وتشير هذه النتائج إلى أنه ينبغي على ترمب أن يتخلى عن أحلامه في الضغط على الحكومة السورية الجديدة بما أن ذلك سيجعلها تعارض وبشكل مباشر ما تريده الأغلبية الساحقة من شعبها. لأن الولايات المتحدة وحلفائها سيحققون مزيداً من النجاحات في حال مواصلتهم لدعم سوريا بالمال والتقانة بما أنها تحتاج لكل ذلك حتى تعيد بناء نفسها ولتعالج التحديات الداخلية التي يعيشها المجتمع السوري اليوم. إذ عبر القيام بذلك، يمكن لتلك الدول أن تساعد الدولة السورية على أن تصبح دولة مستقرة وشريكة للولايات المتحدة في هذه المنطقة الحيوية والحساسة بالنسبة للمصالح الأميركية (ويبدو بأن الولايات المتحدة وحلفاءها قد تقدموا على الصين وسبقوها في سوريا، بما أن 37% فقط من الشعب السوري يؤيد الصين).
ولكن على واشنطن أن تتحرك بسرعة حتى يحالفها النجاح في ذلك، وينطبق الأمر نفسه الحكومة السورية، لأن الشعب السوري سعيد الآن برحيل نظام الأسد، وكله أمل بما هو آت مستقبلاً، ولكن القلق ما برح يساوره حيال مستقبله، والسخط ما انفك ينتابه تجاه حاضره، وما تزال هنالك فرصة لبناء سوريا بصورة أجمل وأفضل، إلا أن تلك الفرصة لن تبقى متاحة أبد الدهر.
المصدر: The Foreign Affairs
- تلفزيون سوريا



























