تسيطر الحكومة السورية، منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون أول/ ديسمبر 2024، على ما يقارب 69,3٪ من مساحة البلاد، فيما تهيمن «قوات سوريا الديمقراطية» على 27,8٪، و«قوات الحرس الوطني» في السويداء على 2,8٪، فيما تحتل إسرائيل قرابة 0,1٪ من مساحة البلاد.
تعتبر «سوريا الديمقراطية» إحدى التشكيلات الإقليمية العديدة لحزب العمال الكردستاني الذي تأسس في تركيا في نوفمبر/ تشرين أول 1978 والذي بدأ مواجهات متفرقة مع السلطات في جنوب شرق تركيا تطورت، في العام اللاحق، بمشاركة فصائل أخرى، إلى تمرد مفتوح خلال الأعوام 1984 ـ 1999.
حظي الحزب المذكور بدعم سريع من نظام حافظ الأسد في دمشق الذي حاول توظيفه في أجندته السياسية الإقليمية فوصلت مجموعة من مقاتليه عام 1979 إلى سهل البقاع اللبناني، وجرى المؤتمر الأول للحزب على الأراضي السورية عام 1981، وافتتح ما سماه «أكاديمية معصوم قورقماز» العسكرية في البقاع عام 1986، ثم بدأ بعدها بتنفيذ هجمات من الأراضي السورية على تركيا ما أدى إلى تصعيد كبير وصل للتهديد باجتياح تركي لسوريا. انطوت هذه الصفحة الأولى للعلاقات السورية مع الحزب بطرد زعيمه، عبد الله أوجلان، عام 1998، من دمشق، ما أدى إلى اعتقاله في السنة نفسها في عملية استخباراتية في العاصمة الكينية نيروبي.
فتحت الثورة على نظام بشار الأسد، عام 2011، ووقوف تركيا مع المعارضة السورية، الأبواب لعودة الحلف القديم فانسحبت قوات النظام من شمال شرق سوريا، ليدخل مئات من مقاتلي الحزب (بالتنسيق مع الحكومة العراقية) وليسيطروا، مع حزب «الاتحاد الديمقراطي» (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) على مناطق الحدود مع تركيا.
بعد تأسيس «التحالف الدولي» لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» عام 2014، واشتداد الحاجة إلى مقاتلين محليين على الأرض، انفتحت الفرصة مجددا أمام «الكردستاني» (المصنّف إرهابيا في أمريكا والاتحاد الأوروبي) ليحظى بشرعية دولية عبر تأسيس «قوات سوريا الديمقراطية» عام 2015، التي جنّدت بأموال الدعم الأمريكي (150 مليون دولار في ميزانية البنتاغون الأخيرة) والمناطق الغنية بالنفط والثروات التي وضعت اليد عليها، لتوظيف ميليشيات من إثنيات وأديان مختلفة، وللسيطرة على مناطق واسعة من البلاد.
وضع سقوط نظام الأسد الابن، والاحتضان العربي والدولي السريع الذي حظي به النظام السوري الجديد، «قوات سوريا الديمقراطية» في مأزق وجوديّ يتمثّل في تقوّض الوظائف التي فتحت الطريق أمام «الكردستاني» للتأثير الهائل على المعادلة السورية، فقد أعلن مركز الحزب التركيّ حل الحزب وإلقاء السلاح، وانتهى نظام الأسد، ولم يعد تنظيم «الدولة» يشكّل خطرا جسيما على الإقليم والعالم.
دخلت منظومة «قسد» العسكرية والسياسية في تناقضات كبيرة تمثّل المعارك الدائرة في حلب حاليا نموذجا واضحا عليها، فـ»قسد» تقول إنها انسحبت عسكريا من حيي الأشرفية والشيخ مقصود بعد اتفاق مع الحكومة السورية (10 آذار/ مارس) لكن المعارك الدائرة حاليا تشير إلى أنها تحتفظ بقوات كبيرة. في تبرير وجود هذه القوات تقول «قسد» إن آلاف العناصر الباقية هم من «الأسايش»، أي الأمن الداخلي، وإن مهمتهم حماية المدنيين، لكن ما حصل منذ سقوط النظام حتى الآن، أن قناصي «قسد» تسببوا على مدار السنة الأخيرة في مقتل ما لا يقل عن 100 مدنيّ، وجعلوا من المرور في مناطق بعينها، مثل دوار شيحان ودوار الليرمون، خطرا مميتا على السكان، وهي تقول إن ميليشياتها تحتوي سوريين من كافة القوميات والأديان، لكنّ الدعاية السياسية السائدة حاليا، بما في ذلك ضمن مسؤولين كرد عراقيين، هي أن الأكراد يتعرّضون لتطهير عرقي!
إضافة إلى هذا كله، تعمل «قسد»، ومن ورائها قيادة «الكردستاني» في جبال قنديل في العراق، على لعب دور خطير في دعم فلول نظام الأسد، عبر استقبال الآلاف من ضباطه وعناصره، وكذلك في تمويل وتدريب ودعم الطروحات الانفصال، والالتحاق بإسرائيل، في الجنوب السوري.
تأتي المعارك في حلب بعد سنة من التعنّت المقصود لـ«قسد» في المفاوضات مع الحكومة السورية، وبعد معاناة سكان حلب مع أشكال من القتل والترهيب، والأكيد أن السوريين عموما يأملون أن تتوقّف هذه المعارك المؤسفة، ويتوقّف عداد القتلى والجرحى، والنزوحات المستمرة، وأن يعاود السوريون، بكافة أعراقهم ودياناتهم واتجاهاتهم السياسية، السير في طريق التنمية الاقتصادية، والعدالة للجميع، والاستقرار والأمن لكل المواطنين.
- القدس العربي


























