-
-
1
قد يبدو عطف المثقف العربي على المثقف السوري في عنوان هذه المناقشة غريباً بعض الشيء، بالنظر إلى أن أكثر السوريين عرب، وأن أكثر مثقفيهم بالتالي من العرب. إلا أن الحياة الاصطلاحية للتعبيرين لا تُشتَقُّ من العلاقة المنطقية بين مجموعتين، تتضمن إحداهما الأخرى. للمثقف العربي حساسية وقضايا اهتمام وحقبة ظهور مغايرة بقدر كبير للمثقف السوري، دون أن يمنع ذلك في جميع الحالات أن يكون المثقف سورياً وعربياً في آن. احتمال الطبيعة المزدوجة هذا يُحيل إلى كون المثقف يُفكِر بلغة ويغلبُ أن يكتب بها، ويعتني بشؤون جماعة لغوية ثقافية هي العرب؛ وإلى كونه من وجه آخر من بلد بعينه، يهتم بتناول مشكلاته وقضاياه ويَعرِفها أكثر من غيرها. شرطُ إمكانِ الطبيعة المزدوجة هو، بالتالي، وحدةُ اللغة وتَعدّدُ البلدان.
لكن شرطَ الإمكان ليس شرطَ وجوب. العربية لغةُ كتابة منذ قرون، بينما المثقف ظاهرة حديثة في مجالنا وغيره، وقد تعود أقدمُ صور ظهوره إلى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر مع بدء «النهضة العربية». بل إنه إذا اعتبرنا وعيَ الذات والممارسة النقدية من عناصر تعريف المثقف، فقد ظهرت فئة المثقف العربي بعد نحو قرن من ذلك التاريخ، وهذا في تَرابُط أكيد مع استقلال بلداننا ونكبة فلسطين، وبعد قليل مع صعود العقيدة القومية العربية أو «المد القومي العربي» بين خمسينيات القرن العشرين وسبعينياته، ثم مع احتداد الوعي المتعثر والتخلُّف، ما سيُسمّيه عبدالله العروي بعد حين التأخُّر التاريخي.
وبينما انصبَّ نقدُ الجيل الأول من المثقفين على نقد الفعل العربي (عقدي الستينيات والسبعينيات)، أخذَ دور المثقف يتحوَّر تدريجياً مع انحسار الموجة القومية باتجاه نقد العقل العربي (الثمانينيات والتسعينيات). ويبدو أنه دخلَ في طور تَحوُّرٍ ثانٍ مع الربيع العربي، باتجاه الفعل والسياسة من جديد، ولكن على نطاقات دولنا القائمة. المثقف السوري أخذ بالظهور متأخراً في بداية هذا القرن، والحدثُ المفصلي في هذا الشأن هو ربيع دمشق، ثم بصورة حاسمة الثورة السورية.
المثقف العربي ليس من يكتب بالعربية دون غيرها، إذ يحدث أن يكتب بها غير عرب، ثم إن المثقف العربي ليس العربي المثقف، لأنه يمكن أن يكون المرء مثقفاً وعربياً ولا يعتني بالقضايا التي عَرَّفت المثقفَ العربي؛ التحديث والنهضة والعقلانية والتجدد الثقافي العربي.
2
قد يكون كتاب عبدالله العروي الإيديولوجية العربية المعاصرة الكتابَ المُؤسِّسَ لنموذج المثقف العربي رغم أنه كُتب بالفرنسية، ولم يكن مُؤلِّفه راضياً عن ترجمته إلى العربية (قام العروي بترجمة كتابه بعد ذلك بأكثر من عشرين عاماً). ظهرَ الكتابُ في مطلع النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، وفيه يُعبِّر العروي عن سخطه على تأخُّر الوعي وقلة العقلانية في المجال العربي، مُمثِّلاً عليه بمصر الناصرية، البلد الذي بدا مثالاً لمستقبل العرب وقتها. إشكاليةُ المثقف العربي مثلما أخذت ترتسم في عمل العروي ومُجايليه تُحيل على الحداثة والعقلانية وتحديث الوعي والتفكير النقدي، نقد المثقفين العرب بخاصة، والوعي العربي بعامة. ليست هذه الإشكالية بديلاً عن العمل السياسي، لكنها تعمل على ترشيده، على أن يكون المنهج مطابقاً للأهداف التي يجري التطلّع إليها، والوعيُ مطابقاً لحاجات الأمة العربية، بعبارات ياسين الحافظ الذي تأثر بالعروي. الحافظ أسَّسَ حزباً يسارياً قومياً عربياً في أواسط الستينيات، وكان يقوده حتى رحيله المبكر عام 1978.
ربما يُعترَضُ بأن قسطنطين زريق في كتابه معنى النكبة هو أبكرُ نموذج للمثقف العربي. هذا لا يفتقر إلى وجاهة، والأرجح أن عزيز العظمة، مؤلف كتاب: قسطنطين زريق، عربي للقرن العشرين يُفضِّلُ ذلك. أَنطلِقُ من العروي مع ذلك لأن عمله حظي باهتمام أوسع، مستمر بصور مختلفة إلى اليوم، ولأنه كان صانعَ مثقفين، وبصورة من صُنّاع العرب أنفسهم. عَمَلُ زريق لا يكاد يكون حاضراً في تفكيرنا اليوم.
3
كان المثقفون العرب في ذلك الوقت، هزيمة حزيران (يونيو) ولسنوات بعدها، على قرب من العمل السياسي، بخاصة النضال الفلسطيني. هذا جيل إلياس مرقص وأدونيس وصادق جلال العظم وجورج طرابيشي وطيب تيزيني وبرهان غليون وعزيز العظمة من بين السوريين. في المغرب هو جيل محمد عابد الجابري، فضلاً عن العروي نفسه، وفي تونس هشام جعيط وآخرين، كي نقتصر على الأوسع شهرة.
كان نموذجُ المثقف العربي أقلَّ حضوراً في مصر التي لطالما ظهرت ثقافياً ككوكب مستقل؛ أقلَّ حضوراً في لبنان كذلك، أقله بعد بداية الحرب الأهلية، وبخاصة بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت. الصحافةُ اللبنانية كانت صحافة العالم العربي، ودورُ النشر اللبنانية كانت دورَ نشر العالم العربي كله، لكن المثقفين اللبنانيين طَوَّروا انشغالاً أقوى بتاريخ بلدهم والبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية اللبنانية، وهو ما لم يكن حالَ مجايليهم من السوريين بخاصة. أمّا في المغرب فقد جمعَ المثقفون المغاربة، ومنهم العروي والجابري نفسيهما، وبصورة مغايرة علي أومليل، ومن جيل أصغر كمال عبد اللطيف، بين إشكالية المثقف العربي التحديثية العقلانية، وبين ضرب من الانخراط السياسي والفكري في شؤون البلد. كانوا مثقفين عرباً ومغاربة في آن.
فلسطينياً، ولأسباب يتضافر فيها الانفصال عن الأرض مع وقوع الملتصقين بها تحت السيادة الإسرائيلية، كان المثقف الفلسطيني في الوقت نفسه مثقفاً عربياً. اللغة والثقافة العربيتان كانتا الوطن الثقافي للفلسطينيين. محمود درويش كان شاعر فلسطين وأحد أبرز شعراء العرب. ومجلته الكرمل كانت مجلة فلسطينية وعربية عامة.
تَراجُعُ المثقف العربي مرتبطٌ بأزمات العالم العربي السياسية، وبخاصة قضية فلسطين بعد اتفاق أوسلو، ثم تفاقُم مشكلات الطغيان الدولتي والإسلام السياسي والحربي وانتهاء الحرب الباردة بانتصار غربي، وتضعضع المجتمعات العربية بفعل هذه العوامل والزيادة السكانية الكبيرة. لم تَعُد ثمة حركة سياسية عربية، و«الوطن العربي» زالَ لمصلحة «العالم العربي»، هذا حين لا يجري إغفال صفة العربي تماماً لمصلحة الشرق الأوسط، أو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. شخصياً، انتهيتُ إلى استخدام عبارة المجال العربي للكلام على النطاق الجغرافي السياسي لانتشار اللغة والثقافة العربية.
4
في سورية، كان المثقفون السوريون مثقفين عرباً فقط حتى عام 2000. ليس هناك أعمال نقدية، لا كتب ولا مقالات، كتبها مثقفون سوريون قبل عام 2000 عن سورية في الحقبة الأسدية. بالطبع كان هناك موالون للحكم الأسدي، لكنك لن تجد عملاً مهماً عن سورية بتوقيعِ أي منهم.
المثقف السوري كان مثقفاً عربياً في سورية، وليس مُنتِجَ أفكار تتمفصل مع مشكلات سورية وتخاطب حقلاً فكرياً سياسياً سورياً.
وهذا لأن القومية العربية عاشت في سورية أطول من غيرها، حياة ميتة أو زومبي منذ بيروت 1982 على الأقل، لكن هذا الشرط لم ينعكس في الفكر والثقافة والحساسية. عام 1982 نفسه هو عام مذبحة حماة الكبرى، التي قطعت ألسنة السوريين خارجَ البلد وليس داخله فقط. كانت المثابرة على خطاب عربيِ المدى عند من ذكرنا فوق، صادق جلال العظم وبرهان غليون وعزيز العظمة وجورج طرابيشي وطيب تيزيني وغيرهم، تُضمِرُ أن المجال العربي لا يزال مجالاً للفعل، إن لم يكن الفعل السياسي المباشر، فالفعل الثقافي المُعقلِن والتنويري. لم يَعُد الحال كذلك باطراد، لكن اعتبارات الرقابة الذاتية ذات الدوافع السياسية أدامت ممارسة فكرية لم تَعُد صالحة لنحو عشرين عاماً. في سبعينيات القرن العشرين كان لا يزال ممكناً تأليف كتاب عنوانه بيان من أجل الديمقراطية مثلاً، وإطارُ الإحالةِ الصريحِ فيه عربيٌ وليس سورياً. بعد حين مع الانحسار أو الجزر السياسي العربي، انهارَ التوافق بين إطار الإحالة العربي وبين المضمون السياسي للكلام الذي يشير إلى الديمقراطية، أو إلى الطائفية، موضوعا كتابي غليون الأولين، لأن العرب لم يعودوا جماعة سياسية أو حاضنة للفعل السياسي. فإما يُعدَّلُ إطار الإحالة، أو يتغيّر مضمون الكلام. غليون في كتاباته بعد ربيع دمشق حَوَّلَ الإطار إلى سورية، لكنه في كتابه الأخير سؤال المصير عاد إلى الإطار العربي، ومقابلَ ذلك فقد كَلامُهُ الدلالةَ السياسية.
عند صادق جلال العظم تَحوَّلَ إطار الإحالة باتجاه سوري أكثر وأكثر بعد ربيع دمشق كذلك، وهو ما يصحُّ على أكثر المثقفين السوريين من ذلك الجيل. الجيل الأصغر وقتها، عملَ على أن يكون سوريّاً منذ البداية، وهذا بأثر تجارب هذا الجيل الكاوية مع «الدولة».
وبعد أن لم نَكُن إلا مثقفين عرباً لا نبدو اليوم، نحن السوريين، إلا مثقفين سوريين. هذا صحيحٌ كلياً بخصوص الجيل الأصغر الحالي، أربعينيين فما دون، وصحيحٌ بقدر معقول على من كانوا جيلاً أصغر أيام ربيع دمشق، ومنهم الداعي. وهذا بأثر حدث هائل، الثورة السورية وما أعقبها من حروب ومجازر طوال 15 عاماً. اندارَ عنق التفكير والسياسة، واندارت أعناقُ كلماتنا نحو الداخل السوري، المجتمع والثقافة والدين والقوانين والطوائف والطبقات وغير ذلك. قضايا المثقف السوري هي السلطة وأنماط ممارستها والمجتمع السوري ومشكلاته، والاقتصاد والتعليم والجغرافيا… مجاله هو العيني والمختلف عن غير سورية من البلدان العربية. وهذا بقدر ما إن قضايا المثقف العربي تُحيل إلى ما هو جامع وعام.
ولأن تجربة الجيل الأصغر تتصل بالمجتمع، الأديان والطوائف والإثنيات والعشائر، وهي الشكلُ الأبرز لظهور المجتمع السوري في سنوات ما بعد الثورة، فلم يكد يُصبح سورياً حتى صارت قطاعات من ذلك الجيل دونَ سورية. لكن هذا الوضع قد يكون عارضاً.
5
المثقف العربي كنموذج في تَحوُّر كما سبق القول، تَغيُّر في الشكل والدور وقضايا الاهتمام، تَحوُّر تراجعي إن جاز التعبير، ربما يَجدُ معادله الجغرافي في حلول الدوحة محل بيروت كمركز لشغل ثقافي عربي، دون تعددية بيروت، ودون حركة سياسية يجري التفاعل مع قضاياها. كان يمكن للربيع العربي وقضية الديمقراطية أن يكونا وجهين لحركة سياسية ينشغل بهما المركز القَطَري الناشئ، المُلتئم حول «المفكر العربي» عزمي بشارة. لكن يبدو أنه يَحولُ دونَ ذلك تكوينٌ «مركزي ديمقراطي» وأحاديُ الصوت لهذا المركز وفيرِ الإمكانيات، لكن الذي لا يُقارَن بما عرفته بيروت من تَعدُّد ونقاش وكثرة أصوات.
على أن من المرغوب جداً في تصوُّري استمرارُ الطبيعة المزدوجة للمثقف، فهناك قضايا لا تحوز كثيراً من المعنى من موقع سوري أو مصري أو مغربي، وبخاصة مسائل مثل إسرائيل والغرب والعالم، والإسلام، والعرب كذلك. وهناك بالمقابل قضايا عينية، يَتعيَّنُ الانكبابُ عليها في عينيتها السورية أو المصرية أو المغربية أو غير ذلك. هذا ليس تناقضاً ولا هو عبء، بل يَسعُهُ أن يكون امتيازاً بالأحرى. وإن كان يجب تنظيمُ إدراكنا لتمايُز هذين الدورين وتكامُلهما المُحتمَل.
ثمة اعتبارات شخصية تدفع كاتب هذه السطور إلى الاهتمام بقضايا المثقفين وإشكالياتهم. فأنا من جهة مُتتلمِذٌ على يد مثقفين عرب، أعني مفكرين يتمركز تفكيرهم حول قضايا العقلانية والحداثة، والديمقراطية والعلمانية، في إطار عربي، هم من ذكرت أسماءهم فوق. ومن جهة ثانية تشدني تجربتي المُكوِّنة ككاتب، وهي السجن، إلى الإطار السوري أكثر. ويشاركني في ذلك كل زملاء السجن من الكتاب السوريين. أكثر عملي الكتابي يُحيل على سورية التي أعرف عنها أكثر من غيرها، لكني مشدود كذلك إلى القضايا الثقافية العربية، ما يتصل باللغة والدين والتاريخ والتفاعلات العالمية، فضلاً عن قضية فلسطين.
6
هناك سؤال يُثار بخصوص مثقفين من مجالنا يعيشون ويعملون في «المنفى»، في الغرب بخاصة. يمكن تعريفهم بثنائية مجال المنشأ ومجال العيش، ويبدو أن الأخير يَشدُّهم باتجاه عربي بالنظر إلى فاعلية ماكينات الإحالة إلى آخر (othering machines) النَشِطة هنا، والأول يَشدُّهم في اتجاه محلي، وأحياناً دونَ محلي، بالنظر إلى أن ما دون المحلي هو مجالُ الأصل والأهل والطفولة. هناك كذلك ما يَشدُّنا، من يعيشون في الغرب، إلى المشاركة في النقاش حول شؤون الغرب ومشكلات عالم اليوم، على نحو يمكن أن يكون كاسراً للقواقع المحلية والإثنية، هذا إن صدرت صور التفكير والانخراط من مواقع محددة وعملت على تقديم معرفة مُترَّخة، وطورت مقاربات حوارية. ليس هذا واقعُ الحال دوماً، يحدث أن يغيب الموقع والحوار والتاريخية، بالتعامل مع المعطى الغربي كمعيار نهائي لا كمرجع يُحاوَر ويُناقَش ويُنتقَد.
لكن هذا موضوعٌ يفيضُ على نطاق ثنائية مثقف عربي ومثقف سوري، ويقتضي تَناوُلُه مقدمات مختلفة.
-





















