في حلقة نقاش بعنوان “بداية نهاية الترامبية”، طرح ثمانية من كتاب الرأي في الصحيفة هم : كارلوس لوزادا، ليديا بولغرين، نيكولاس كريستوف، تريسي ماكميلان كوتوم، ديفيد فرينش، جامل بوي، ميشيل غولدبرغ، وإم. غيسن، أسئلة تتجاوز نتائج الاقتراع، وهي: هل يستطيع الديمقراطيون تحويل مكاسبهم إلى قوة سياسية تحدّ من سلطة ترامب، وتضع حداً للحرب مع إيران، وتعالج الضغوط الاقتصادية؟ وهل تمثل الانتخابات بداية تراجع حركة “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” (MAGA)، أم أنها تنذر بمرحلة أكثر اضطراباً خلال العامين الأخيرين من رئاسة ترامب؟
رأت مجموعة من كتّاب الرأي في صحيفة “نيويورك تايمز” أن الانتصار الكبير الذي حققه الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي يعكس رفضاً شعبياً متزايداً لسياسات الرئيس دونالد ترامب
هزيمة الجمهوريين أم انتصار الديمقراطيين؟
رأى المشاركون أن التضخم المرتفع، والحروب غير الشعبية، والاتهامات الواسعة بالفساد، كانت عوامل أساسية في الهزيمة الانتخابية للجمهوريين. واعتبروا أن الناخبين عبّروا في صناديق الاقتراع عن استيائهم من الطريقة التي يدير بها ترامب البلاد.
لكن النقاش كشف اختلافاً في تفسير مكاسب الديمقراطيين. فقد طُرح تساؤل عما إذا كان الحزب الديمقراطي قد فاز بفضل برنامجه السياسي، أم أن رفض ترامب كان العامل الحاسم. وبرز رأي اعتبر أن هزيمة الجمهوريين واضحة، بينما يصعب الجزم بأن الديمقراطيين نجحوا في إقناع الناخبين بمشروع سياسي بديل، خصوصاً أن التغلب على خصم شديد النفور لا يثبت بالضرورة امتلاك الفائز برنامجاً يحظى بتأييد واسع.
في المقابل، اعتبر رأي آخر أن الانتخابات دشنت “بداية نهاية الترامبية”، بعدما أظهرت أن ترامب أصبح عبئاً انتخابياً على حزبه. واستند في تقديره إلى أن الديمقراطيين حققوا مكاسب لم تكن متوقعة في بداية الدورة الانتخابية، وخصوصاً الفوز بغالبية في مجلس الشيوخ.
لم يعتبر المشاركون ان الانتخابات تمثل نهاية حتمية لحركة ترامب، بل تحولاً يفتح أمام الديمقراطيين فرصة سياسية، ويضع قدرتهم على استثمارها موضع الاختبار.
محاسبة ترامب أم الاستجابة لأولويات الناخبين؟
برز الخلاف الأوضح بين المشاركين حول كيفية استخدام الديمقراطيين سلطاتهم الجديدة في الكونغرس. فقد دعا بعضهم إلى إعطاء الأولوية لمحاسبة إدارة ترامب على ما وصفوه بالتجاوزات القانونية والفساد الذي طبع ولايته الثانية. ورأوا أن القاعدة الديمقراطية تنتظر تحقيقات جدية في ملفات تجاهلها الكونغرس خلال سيطرة الجمهوريين عليه.
وأشار أحد الآراء إلى أن حجم الفساد المنسوب إلى إدارة ترامب أصبح واسعاً إلى درجة يصعب معها استيعاب جميع الوقائع أو تذكرها. ولذلك دعا إلى تقديم هذه الملفات للرأي العام ضمن رواية سياسية واضحة، تحدد المسؤوليات والشخصيات المرتبطة بها، بدلاً من الاكتفاء بعرض سلسلة طويلة من الاتهامات المتفرقة.
في المقابل، حذر مشاركون آخرون من أن الانشغال بمحاسبة ترامب قد يبعد الديمقراطيين عن القضايا التي دفعت الناخبين إلى التصويت ضد الجمهوريين. وشددوا على ضرورة التركيز المستمر على تكاليف المعيشة والرعاية الصحية والهجرة، وعدم الاكتفاء بردود فعل على الأزمات التي تثيرها الإدارة.
في ملف الهجرة دعا كتاب الرأي إلى جعل تقييد ممارسات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية جزءاً ثابتاً من البرنامج الديمقراطي. وأكدوا ضرورة مواجهة تجاوزات الإدارة وتناقشوا حول ترتيب الأولويات: هل يبدأ الديمقراطيون بمحاسبة ترامب، أم سيجعلون من تحسين حياة الناخبين محور عملهم السياسي؟
حرب إيران: اختبار سلطة الكونغرس
احتلت الحرب مع إيران موقعاً بارزاً في النقاش بشأن الصلاحيات التي بات الديمقراطيون قادرين على ممارستها داخل الكونغرس.
اعتبر أحد المشاركين أن الحرب مع إيران اختباراً رئيسياً لقدرة الديمقراطيين على تحويل انتصارهم الانتخابي إلى قرارات سياسية. ورأى أنه، من الناحية النظرية، ينبغي أن يتمكن مجلسا النواب والشيوخ، إذا توحد موقفهما، من العمل على إنهاء الحرب. ودعا إلى أن يوضح الديمقراطيون أن أمن إسرائيل لا يتحقق عبر الحرب مع إيران، بصرف النظر عن المواقف المختلفة من ضمان أمنها.
لكن النقاش أظهر أيضاً اختلافاً في ترتيب أهمية السياسة الخارجية ضمن أولويات الكونغرس الجديد. ففي حين ركز بعض المشاركين على ضرورة إنهاء الحرب ومواجهة قرارات الإدارة، شدد آخرون على أن غالبية الناخبين أكثر انشغالاً بالقضايا القريبة من حياتهم اليومية، وفي مقدمها الأسعار والرعاية الصحية ومستوى المعيشة.
رأى المشاركون أن التضخم المرتفع، والحروب غير الشعبية، والاتهامات الواسعة بالفساد، كانت عوامل أساسية في الهزيمة الانتخابية للجمهوريين
الاقتصاد: أولوية مشتركة
تقاربت آراء المشاركين بشأن أهمية الاقتصاد في تفسير النتائج الانتخابية، ولا سيما التضخم وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف التأمين الصحي. كما طرح أحد المشاركين إمكان أن يستعيد الكونغرس سلطته في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، بما يسمح له بالتأثير في السياسات التي تسهم في ارتفاع الأسعار.
لكن المهمة الأساسية بحسب النقاش، لا تقتصر على معالجة جميع المشكلات الاقتصادية بصورة فورية، بل تتمثل في تقديم رؤية تجعل الأميركيين يعتقدون أن مستقبلهم الاقتصادي يمكن أن يتحسن.
رأى بعض المشاركين أن الديمقراطيين يستطيعون استعادة جزء من الناخبين الذين دعموا ترامب، إذا تمكنوا من إقناعهم بأن لديهم برنامجاً أكثر فاعلية.
ومع ذلك، حذر المشاركون من اختزال قاعدة ترامب في الناخبين المتضررين اقتصادياً. فهناك أيضاً من دعموه بدافع الغضب من التحولات الديموغرافية والثقافية، وخصوصاً تراجع الغالبية البيضاء في المجتمع الأميركي. ولذلك فإن استعادة هؤلاء الناخبين تتطلب أكثر من مجرد برنامج اقتصادي.
هل انتهت “ماغا”؟
اختلفت تقديرات المشاركين بشأن مستقبل حركة “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” (MAGA) وما إذا كانت الهزيمة هي بداية تفكك الحركة نفسها، أم مجرد انتكاسة لزعيمها لا تحول دون استمرارها بعد خروجه من البيت الأبيض.
رأى أحد المشاركين أن الحركة تقوم أساساً على السعي إلى السلطة والتمسك بها، ولذلك فإن تراجع ترامب انتخابياً لا يعني بالضرورة تراجع القوى السياسية والاجتماعية التي تدعمه.
رجح بعض المشاركين أن يبدأ الجمهوريون الأكثر حذراً الابتعاد عن الرئيس، بعدما أصبحت شعبيته المتدنية تهدد مستقبلهم الانتخابي. واستشهدوا بفوز الديمقراطيين بغالبية مجلس الشيوخ، وهو احتمال لم يكن متوقعاً في بداية الدورة الانتخابية. لكنه أشار إلى أن ترامب سيحتفظ بنفوذ كبير داخل الحزب الجمهوري، حتى مع اقتراب نهاية ولايته، وسيكون قادراً على التأثير في اختيار مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية عام 2028 وفي تحديد مستقبل قيادة “ماغا”.
خلصت الآراء إلى أن فوز الديمقراطيين قد يشكل بداية تراجع الترامبية، لكنه لا يضمن نهايتها
عامان أخيران أكثر اضطراباً؟
أبدى عدد من المشاركين قلقاً من أن تؤدي الهزيمة الانتخابية إلى زيادة اندفاع ترامب بدلاً من دفعه إلى الاعتدال. واستعاد أحدهم سلوك الرئيس بعد خسارته انتخابات 2020، عندما حاول قلب النتائج في مسار انتهى باقتحام أنصاره مبنى الكابيتول في السادس من كانون الثاني 2021. وانطلاقاً من تلك السابقة، فقد تم ترجيح أن يصبح سلوك ترامب أكثر اضطراباً خلال العامين الأخيرين من ولايته، خصوصاً أنه بات في موقع دفاعي سياسياً.
ذهب رأي آخر إلى التحذير من احتمال اتساع الممارسات التي وصفها باستغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية، وذلك مع اقتراب نهاية الولاية الرئاسية. كما عبّر أحد المشاركين عن خوفه من رئيس فقد جزءاً من نفوذه السياسي، لكنه لا يزال يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة.
استحضر النقاش أيضاً تكرار حديث ترامب عن ولاية ثالثة، رغم القيود الدستورية التي تمنع ذلك، بوصفه سبباً إضافياً للقلق من المرحلة المقبلة. وركز بعض المشاركين على الفرصة التي يتيحها الكونغرس الجديد لتقييد سلطة الرئيس وإعادة التوازن بين المؤسسات. واعتبروا أن تحول ترامب إلى رئيس في نهاية ولايته، مع كونغرس معارض، لا يضمن بالضرورة تراجع المواجهات السياسية. بل قد يجعل العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية أكثر توتراً.
الديمقراطية الأميركية أمام اختبار جديد
على الرغم من اختلافهم بشأن تفسير النتائج وأولويات المرحلة المقبلة، التقت آراء المشاركين عند اعتبار الانتخابات فرصة لإعادة رسم المشهد السياسي الأميركي، من دون الجزم بأنها ستنهي الاستقطاب الذي تعيشه البلاد.
خلصت الآراء إلى أن فوز الديمقراطيين قد يشكل بداية تراجع الترامبية، لكنه لا يضمن نهايتها. فالعامان المتبقيان من رئاسة ترامب سيحددان ما إذا كان الكونغرس الجديد يستطيع كبح السلطة التنفيذية، وما إذا كان الديمقراطيون قادرين على تقديم مشروع يتجاوز رفض الرئيس إلى معالجة أسباب الغضب والانقسام في المجتمع الأميركي.
- أساس ميديا





















