شهدت سورية خلال الأشهر الأخيرة تصاعداً لافتاً في حجم ونوعية العمليات الأمنية التي تستهدف قوات الجيش والأمن الداخلي بكافة مسمياتها الوظيفية، بدءاً من أمن الطرقات والدوريات الخارجية والجمارك، وصولاً إلى النقاط العسكرية الثابتة والمراكز الأمنية. ورغم انحسار المواجهات العسكرية المباشرة في أغلب الجغرافية السورية مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن النزف الأمني تحوّل إلى نمط استنزاف متواصل يعتمد عمليات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، تراوح بين إطلاق النار الخاطف، وتفجير العبوات الناسفة في المركبات وحافلات المبيت، والكمائن والاغتيالات الفردية.
وفي آخر هذه العمليات، قُتل أربعة من عناصر أمن الطرق في ريف حماة الشرقي، مساء الثلاثاء الماضي، إثر هجوم استهدف دوريتين على طريق سلمية ـ أثريا. وأكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أن هذه الجريمة لن تثني قوى الأمن الداخلي عن أداء واجبها في حماية المواطنين وملاحقة المتورطين وتقديمهم للعدالة. وفي الوقت الذي أكدت فيه السلطات استنفارها الكامل، رجح مصدر عسكري بوزارة الدفاع، في حديث لـ”العربي الجديد”، وقوف خلايا تنظيم داعش خلف الهجوم، لافتاً إلى أن التنظيم يسعى للانتقام بعد المداهمات الأخيرة التي طاولت عدداً من قيادييه وخلاياه في ريف حمص.
“داعش” في مقدمة المتهمين
وتضع السلطات السورية تنظيم داعش في مقدمة المتهمين بالوقوف خلف الاعتداءات المتواصلة، غير أن القراءة التحليلية والمصادر الأمنية والعسكرية تؤكد أن خريطة المستفيدين من تقويض حالة الاستقرار تشمل طيفاً أوسع من القوى والأطراف المحلية والإقليمية التي تسعى لإبقاء البلاد في حالة عدم استقرار سياسي ومجتمعي ومعيشي.
وحول الخلفيات والأسباب المباشرة لتزايد هذه الاعتداءات، أوضح الخبير العسكري العقيد فايز الأسمر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الهجمات التي أعقبت مرحلة التحرير وبناء هياكل الدولة استهدفت مواقع وعناصر تابعة للجيش أو الأمن بمختلف مسمياتهم، كالأمن العام وأمن الطرقات ودوريات الجمارك، وأرجع هذا التصاعد إلى تزاحم الأجندات الخارجية وتعدد الأطراف التي ليس لها مصلحة في تعافي سورية.
فايز الأسمر: الهدف الأبرز لهذه الهجمات يتلخص في إبقاء الدولة في حالة إرباك دائم وتحديات أمنية متواصلة لعرقلة إعادة البناء
ورأى الأسمر أن الهدف الأبرز لهذه الهجمات يتلخص في إبقاء الدولة في حالة إرباك دائم وتحديات أمنية متواصلة لعرقلة إعادة البناء وإظهار المؤسسات العسكرية والأمنية بمظهر العاجز عن فرض الأمن. ولرأب هذه الفجوة، شدد الأسمر على ضرورة اتخاذ إجراءات احترازية صارمة من قبل الجهات الأمنية والنقاط العسكرية المنتشرة على الطرق، من بينها رفع جاهزية الحراسة وتفادي الاستهانة بالتهديدات، وتزويد عناصر الدوريات الخارجية بالواقيات من الرصاص، وتحصين المواقع بالسواتر والحواجز الإسمنتية، لا سيما في الأماكن الطرقية المنعزلة.
من جهته، رأى الباحث رشيد حوراني، في حديث مع “العربي الجديد”، أن تكرار استهداف المركبات التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع وزرع العبوات الناسفة فيها يعكس قصوراً واضحاً في إجراءات التأمين والسلامة. وحدد أبرز نقاط الضعف في إبقاء حافلات المبيت خارج أماكن المراقبة أو المرائب المخصصة للوحدات العسكرية، وعدم توفير حراسة كافية لها أثناء توقفها في المناطق السكنية أو العامة، بالإضافة إلى سهولة التعرف إلى التبعية الأمنية لهذه الحافلات، ما يجعلها هدفاً سهلاً ومفضلاً للجماعات المسلحة.
علاوة على ذلك، لفت حوراني إلى الأبعاد والجغرافية السياسية والاجتماعية لبعض التفجيرات، مستشهداً بمحاولة تفجير حافلة في حي عش الورود ذي الغالبية العلوية، والتفجير الذي شهدته منطقة صيدنايا، معتبراً أن اختيار هذه المناطق تحديداً يحمل رسائل تخويف مبطنة للمكونات الاجتماعية السورية، بهدف إثارة الفزع والريبة ودفع هذه المكونات لاتخاذ مواقف سلبية ومناهضة للإدارة الجديدة.
تحولات الاستهدافات في سورية
وتؤكد دراسات صادرة عن مراكز الأبحاث، كمركز “عمران” للدراسات، أن سلوك “داعش” خلال العام الحالي شهد تحولاً هيكلياً وتكتيكياً واضحاً ناجماً عن فقدانه السيطرة المكانية واستنزاف قدراته البشرية. فقد أظهرت البيانات أن أسلوب إطلاق النار الخاطف والاغتيالات الفردية استحوذ على نحو 83% من مجمل هجمات التنظيم (بواقع 59 عملية)، فيما جاء التفخيخ بالعبوات ثانياً بخمس حالات، ثم رمي القنابل وإطلاق القذائف، مقابل تسجيل عملية انتحارية واحدة داخل مقر للأمن الداخلي بالرقة. وتفسر هذه الأرقام تبني التنظيم نموذج حرب العصابات منخفض الكلفة وعالي الحركة عبر مفارز صغيرة تنفذ ضربات خاطفة بالأسلحة الخفيفة والدراجات النارية. كما كشفت البيانات أن 75% من عمليات التنظيم استهدفت أفراد وقوات الجيش والأمن والحواجز والمقرات العسكرية، في تحول جوهري نحو شن “حملة مضادة للدولة” بهدف إظهار تآكل سلطتها وإحراج الحكومة الانتقالية، لا سيما بعد انتقال السيطرة في المحافظات الشرقية من “قسد” إلى القوات الحكومية.
أظهرت البيانات أن أسلوب إطلاق النار الخاطف والاغتيالات الفردية استحوذ على نحو 83% من مجمل هجمات “داعش”
جغرافياً، حلت محافظة دير الزور في الصدارة بوصفها أبرز معقل لنشاط “داعش” بنسبة تجاوزت 54% من إجمالي الهجمات، تلتها الرقة وحلب، وهو ما يرجعه الخبراء إلى الطبيعة الصحراوية الممتدة للبادية، والنسيج العشائري المعقد، وقربها من الحدود العراقية، فضلاً عن استغلال الخلايا للفراغات الأمنية في المناطق المستحدثة. وتكشف القراءة الزمنية للهجمات عن تسجيل الذروة في شهري فبراير/ شباط ومارس/ آذار، ثم حصل تراجع عددي حاد في مايو/ أيار ويونيو/ حزيران، نتيجة الضغط الاستخباري المكثف الذي مارسته الأجهزة الأمنية، غير أن هذا التراجع العددي يقابله تركيز نوعي على أهداف عالية القيمة للحفاظ على أثر إعلامي.
وفي مواجهة هذا التصعيد، سعت الأجهزة العسكرية والأمنية لاعتماد تكتيك “الاستباق الاستخباري”، وأسفرت العمليات المشتركة بين قوى الأمن الداخلي وجهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين بعد انضمام سورية رسمياً للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، عن إلقاء القبض على قيادات بارزة وتفكيك سبع خلايا عنقودية في محافظات دمشق، وحلب، ودير الزور، وحمص، وحماة. وكان من أبرز هذه الضربات توقيف القيادي في “داعش” أكرم صالح الحمد (المعروف بـ”عبدو تصنيع”) المشرف على التصنيع العسكري بالمنطقة الشرقية، وتوقيف القيادي بالتنظيم حمزة عبد الله محمد (أبو جهاد المهاجر) بريف منبج، إضافة إلى تفكيك خلية للعبوات والاغتيالات تنقلت بين الرقة وحلب وإدلب وحمص، وتوقيف المئات من المتورطين بأعمال إرهابية.
كذلك اعتمدت القوات العسكرية استراتيجية إعادة الانتشار التكتيكي؛ وجرى إخلاء وتجميع نحو 11 نقطة وحاجزاً معزولاً في محيط تدمر والسخنة بالبادية، وإعادة تمركزها في أربع قواعد مجمعة وحصينة لتجريد الخلايا من فرصة استهداف “الأهداف الرخوة”.
- العربي الجديد
























