لطالما كان الاعتذار دليل النبل والقوة من قبل من يقوم به، رغم كل تعقيدات الحياة وتناقضاتها التي ورثنا معظمها وأجبرنا على معظمها الآخر وكان القسط القليل المتبقي منها خيارنا الذي قد ننحاز إليه. والاعتذار هو دليل التجاوز والتخطي منذ دخل حيز الشأن العام وصار آلية أساسية من آليات لجان الحقيقة والمصالحة وقانون تعزيز الوحدة الوطنية، التي تشكلت في الدول التي شهدت صراعات وحروبا أهلية وإبادة وفترات حكم شمولية.
شملت فلسفة هذا القانون كشف الحقيقة واعتراف الجناة بجرائم الحرب أمام الرأي العام ومعرفة مصير المفقودين، الأمر الذي يعجز القضاء التقليدي عن تحقيقه، والاعتذار من الضحايا، مقابل سياق قضائي يوصل إلى العفو، في محاولة لبناء جسور التسامح والتعايش ورفع الدعامات الأخلاقية، دعامات السلم الأهلي التي تعين على التعافي من الماضي وعلى تحقيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر. هل يجبر الاعتذار حقا الضرر؟
لقد فعلها الحب فيما يخص المجال الشخصي، فكلما لاح شبح الفراق، يجبر الحب الضرر.
أما في الشأن العام، فقد فعلتها جنوب أفريقيا، في حقبة الفصل العنصري، ورواندا في حقبة الإبادة، وأميركا اللاتينية في مجازر اللجان العسكرية، وغيرهم في بقاع الأرض.
فتح الجار نوافذه فرأى جاره الذي كان عدوه، قتيله أو قاتله، وقال له صباح الخير يا جار. هذا ما قالته لي صديقتي الشاعرة الرواندية، قالت إنها لم تصدق عينها حين صار الجيران يسلمون على الجيران، وأن ذلك كان انتصارا على العنصرية والصراع الإثني وعلى الاستعمار معا. الاستعمار الذي حرض وكانت له يد في التكاره وفي هذه الإبادة.
مرت ذكرى “طوفان الأقصى” على عالمنا في هذا السياق. الذكرى التي سبقتها سنوات مديدة من الاحتلال، وتلتها سنوات الإبادة، والتمدد والتوحش الذي يستمر إلى اليوم في الضفة وكل أرض فلسطين وجنوب لبنان وخاصرة سوريا في جهة القنيطرة ودرعا والسويداء. ولا أثر لأي اعتذار عن كل هذا. لم نتذوق طعم الاعتذار لا في فلسطين ولا في لبنان ولا في سوريا. تشرد السوريون وقضوا في السجون ومات منهم ما يقارب المليون ولم يعتذر أحد من الشعب السوري.
لم يحاسب الجناة عن جرائم الحرب والاستيطان والإبادة وقتل المدنيين. لا وجود للاعتذار من الجغرافيا وتاريخها الجريح الذي يعصف كالريح على هذه الجغرافيا. ولا أثر للعدالة مع الأسف بكل صنوفها الانتقالية والاجتماعية.
لم يحاسب الجناة عن جرائم الحرب والاستيطان والإبادة وقتل المدنيين. لا وجود للاعتذار من الجغرافيا وتاريخها الجريح الذي يعصف كالريح على هذه الجغرافيا
من المفترض أن تدفع دول العالم جنرالات الحرب في إسرائيل إلى وقف التوسع الاستيطاني وتقديم مجرمي الحرب والإبادة إلى المحاسبة ومن ثم جبر الضرر الطويل وإنصاف ضحايا هذا الضرر وآثاره المادية والبشرية والنفسية. لكن إذا كانت الدول ذاتها التي وقعت على المواثيق والمعاهدات واتفاقات حقوق الإنسان تساند سياسات الحرب، فمن سيعتذر وممن وعن ماذا؟ أتعتذر الضحية من القاتل أم من نفسها، في شرط شديد الحرج والضيق يصر القاتل فيه أن يبقى قاتلا ويصر أن تبقى الضحية ضحية.
لذا لم يعتذر حتى اللحظة أحد من أحد. ولم يوجد حتى من بذل اعتذارا كاذبا.
حرك محمود درويش في ديوانه “لا تعتذر عما فعلت” الفكرة المعقدة الصعبة للاعتذار في شرطها التاريخي. أخذ الاعتذار إلى أبعاد فلسفية هي بنت الشعر والحياة والجمال والمرجعيات الأخلاقية، وعدم المتاجرة في رمزية الضحية، وعدم التنازل للقاتل، وعدم التنازل عن الجرح، وعدم التنازل للجرح. كي لا تصير الضحية أسيرة ذاتها. وأيقظ الشعر روح الندية في فكرة الاعتذار، وروح العدالة.
تفضح الندية الاقتراح الوحيد الذي يقدمه القاتل. اعتذار الضحية من قاتلها، يخلصه من جريمته ويبقى قاتلا. نحن نعيش الآن اختلاف الشهود على موتنا وعلى حقنا في الحياة، اختلافهم على شجر زيتوننا، على حقنا في شرب الماء ولقمة العيش والشعر، وحقنا في التخلي عن أنفسنا. يسلب القاتل الضحية أخلاقية الحكاية، وعدالة الذكرى، ويترك لها التوغل في الغياب. نحن بسبب كل هذا، نختلف معه على كل شيء، على الأبجدية وعلى المعنى.
قد يحمل نبي خطايا العالم. قد يتقاسم قائد مع شعبه السجن وطريق الحقيقة والصبر. “أنا أكون لأننا نكون”، آمن مانديلا بأن اضطهاد الآخرين يجرد الظالم والمظلوم معا من إنسانيتهما فسعى إلى تحرير الطرفين، وربط إنسانية الفرد بإنسانية الآخرين.
تتحول الإبادة في كل لحظة إلى ذكرى. تتحول الأيام الآن وكل الدم والظلم إلى ذكرى. سرقة البيوت وألعاب الأطفال واغتيال أشجار الزيتون.
يتغافل الإعلام الذي يموله جبابرة رأس المال العالمي عن الحقيقة، عن التاريخ، كي لا تكون لحظة الحقيقة، كي لا يكون الاعتذار الندي الذي بوسعه تحرير القاتل والقتيل معا. هذا الموقف من الحقيقة يقطع الطريق على العدالة وعلى الأمل.
لا يتمثل المعنى العميق لهذا الاعتذار باعتمار الطلبة للكوفية، بل في معارضة هذا الجيل من الشباب لكل خلل وشرخ في تحقيق المساواة والعدالة
لكن العالم اليوم يجد طريقا آخر وصوتا آخر. أليست انتفاضة الطلاب في باريس واعتمار الكوفية وغناء “نحن غزة” اعتذارا. يمتد الاعتصام وتشمل المظاهرات طلبة الثانويات والجامعات في المدن الأخرى، وتنهض في الدول المجاورة، تتخذ أبعادا مطلبية واجتماعية وسياسية. لا يتمثل المعنى العميق لهذا الاعتذار باعتمار الطلبة للكوفية، بل في معارضة هذا الجيل من الشباب لكل خلل وشرخ في تحقيق المساواة والعدالة. يتمثل في مطالبتهم بحقوقهم غير المنقوصة التي تتعلق بشروط التعليم والتي تتعلق بانشغالهم في السياسة والشأن العام والانفتاح على أوجاع هذا الكوكب وانحياز صوتهم إلى الحقيقة. وهذا بحد ذاته إنصاف وأمل.
- المجلة




















