بينما يحتفل السوريون بالذكرى الأولى للتحرير، وتقترب استحقاقات سورية مصيرية، تأخذ بنبذ السقوف العالية ليكون متغيّراً إستراتيجياً، يفكّ الاستعصاء ويعيدنا للأرضية الوطنية، إذ بات ضرورة وجودية لا مُناورة سياسية، حيث انهار الاستبداد الأسدي ليورث البلاد صراعاً حول تقاسم الجغرافيا وإعادة تعريف المعادلة الوطنية. فالمطلوب ليس إدارة الاختلاف والخلاف، بل إعادة بناء السيادة عبر تنازلات متبادلة تثبّت أركان سورية الدولة.
إن حسابات اللحظة السياسية لا تستقيم ومقتضيات الرؤية الوطنية، فبسقوط النظام تصاعدت التناقضات الكامنة التي رسّخها بين المشاريع الذاتية؛ حيث تتشبّث القوى الطائفية والإثنية بكانتوناتها، من ميليشيا “قسد” بإدارتها الذاتية وأوهام “روجافا”، إلى “باشان” الهجري وحرسه ومطالب التميّز بالانفصال، وصولاً لـ”ساحل” غزال والفلول يلوّحون بحقّ تقرير المصير، وقد انتظموا بعد تنسيق بمؤتمر للخارجين على وحدة البلد، ولكلّ أسباب ومسوّغات، وهو المكرّس لفخّ التفتيت برعاية إسرائيلية. لذا فإن التنازل الإستراتيجي يقتضي من الحكومة الانتقالية العمل على لامركزية إدارية تحت سقف الدولة الموحّدة. وهذا ليس تفريطاً في المكتسبات، بل ضمان البقاء؛ لأن الحقيقة الجيوسياسية تفرض أن أي كيان معزول يظلّ عُرضة لمتغيّرات موازين القوى الخارجية، ممّا يستلزم فكّ الارتباط بالفاعل الخارجي، وهذا يعني التوافق لتنفيذ اتّفاق 10آذار، واتفاق عمّان، والالتزام باتفاقية فضّ الاشتباك1974.
وبالمقابل، فإن أي سلطة أمر واقع تشكّلت في الشمال والشرق والجنوب والساحل، مطالبة بالتخلّي عن “عقلية الغنيمة” والإقصاء؛ لأن الفشل يكمن في استبدال المحاصصة الطائفية السابقة، بفصائلية وإثنية وإقليمية. فلا بدّ للدولة الجديدة أن تشرع بدمج الفصائل والميليشيات، فعلياً، تحت عباءة جيش وطني مهنيّ، وضمان مسار يهدف لإعادة بناء الثقة الاجتماعية والعدالة الانتقالية لا التصفية الانتقامية؛ لأن إخفاقها في احتكار القوة، يمنح الذريعة لكلّ طرف للتحصّن بمنطق الشجرة خوفاً من الإقصاء، ويمنع تحول القوة العسكرية إلى أداة لفرض أي نوع للنفوذ.
إن التنازلات الداخلية مرهونة بـتوازنات دولية لا ترى سورية منصّة صراع بالوكالة، بل حيادية إستراتيجياً، وإلغاء عقوبات “قيصر”، يمثّل “الأداة الاقتصادية”، التي تربطها بـآلية رقابة ومقايضات حوكمة تضمن شفافية الدولة الجديدة. أمّا إقليمياً، فإن الرهان يتجسّد في تأطير مصالح كلّ المكوّنات في سياق سوري موحّد. فالعالم المقدّر لسورية جيوسياسياً، يهمّه ألّا تكون قاعدة معادية لهذه أو تلك الإستراتيجية، لكن التناقض العملي يكمن في أن قبول هذه القوى بالتنازل مرهون بـصعود سلطة سورية سيّدة وقوية وموثوقة، قادرة على الوفاء بالمصالح والالتزامات الأمنية، وهو ما لا يتحقّق إلّا بنزول الجميع من الشجرة داخلياً أولاً.
يبقى التناقض بين العدالة والوحدة الأشد مرارة؛ لأن التنازل الأعمق يكمن في التخلّي عن العدالة الانتقامية لصالح العدالة الانتقالية، وهذا يتطلّب نبذ فكرة “التحصّن بقوة المكوّن” أمام قوة القانون. إن العمل بمساءلة الأفراد المتورّطين بالجرائم، خيط ذهبي يعيد النسيج الممزّق لمتانته، فيرفع المسؤولية الفردية فوق الحصانة الجماعية.
النزول من الشجرة، طوعاً أو دفعاً، هو المدخل للحوار الوطني الجامع لكافة المكوّنات السورية لبناء دولة المواطنة. وبذلك تقع المسؤولية التاريخية على عاتق الدولة الجديدة وهياكلها الدستورية والمجتمعية في وضع الرؤى لمستقبل سورية، التي لا تقتصر على السياسة، بل تمتدّ إلى بناء الاقتصاد المنتج، وإنهاء اقتصاد الحرب” تهريب، إتاوات، مخدرات..” المناهض لإطلاق عجلة إعادة الإعمار المتوازنة، وهذا يتطلّب عقداً اجتماعياً جديداً، يكون ضمانة لعودة اللاجئين والنازحين، وإعمار البشر قبل الحجر، ويضمن استثمار الكفاءات لا تكريس المحاصصات.
إن هدف السوريين الأسمى لا بدّ أن يتمحور حول بناء دولة المواطنة العابرة للانتماءات الضيقة، تلك التي أرادتها الثورة، وتستحقّها التضحيات التي بُذلت لأجلها، فالخسارة المتبادلة للمشاريع وداعميها، الإدراك العميق أن الربح الوحيد بقاء سورية وطناً موحّداً، يحقّق الكرامة والعدالة والحرّية والازدهار لكل أبنائه.
تحدّي “النزول من الشجرة” ليس في “إقناع” السوريين، بل في توفير “سلّم” آمن، وهو وحده داخلياً ما يسحب البساط من تحت “المشغّل الخارجي”، ويحوّل سورية من “منصة صراع” إلى “جسر اجتماع”، وهو ليس استسلاماً لطرف، إنما انحياز للمستقبل. فالدولة الناهضة من ركام الاستبداد والصراع، تُبنى بشركاء يدركون أن سقف الوطن إذا سقط، فإنه لن يستثني منتصراً أو مهزوماً، وأن الربح الوحيد المستدام هو بقاء سورية وطناً حرّاً، يحقّق الكرامة والعدالة والحرية لكل أبنائه.
- رئيس التحرير


























