في أروقة السياسة الدولية، لا توجد صداقات دائمة أو عداوات أبدية، بل توجد “مصالح” ترسم حدود الخرائط وتحدد مصائر الدول.
اليوم، يجد العالم نفسه أمام مشهد لم يكن يتخيله أكثر المحللين تفاؤلاً قبل سنوات:
تقارب براغماتي تقوده إدارة الرئيس دونالد ترامب مع حكومة الرئيس أحمد الشرع في دمشق. هذا التقارب ليس مبنياً على العواطف، بل هو نتاج “واقعية سياسية بامتياز, حيث يبحث الرئيس ترامب عن مخرج ينهي الاستنزاف العسكري المكلف، بينما تبحث دمشق عن غطاء دولي يكسر العزلة ويبدأ رحلة إعادة الإعمار.
العقيدة الجديدة: خيار “الدولة الواحدة“
في تصريح يعكس التحول الجذري في تفكير واشنطن، وضع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو النقاط على الحروف خلال مؤتمر ميونخ للأمن. كشف روبيو أن الإدارة الأمريكية كانت أمام مفاضلة وجودية:
الخيار الأول: ترك سوريا ممزقة إلى 18 إقطاعية متناحرة، مما يعني غرق المنطقة في فوضى عارمة، وحروب أهلية لا تنتهي، وتحول البلاد إلى معمل ضخم للمخدرات، ومنصة لإعادة انتشار تنظيم “داعش” وتغلغل النفوذ الإيراني.
الخيار الثاني: دعم حكومة مركزية قوية بقيادة الشرع، تضمن وحدة الأراضي السورية واستقرارها.
لقد اختارت واشنطن الخيار الثاني؛ لأن أمريكا، ببساطة، بحاجة إلى “دولة” تتعامل معها، لا “ثقوب سوداء” تستنزف أمنها القومي.
سوريا كحائط صدّ ومركز إستراتيجي
إن عودة سوريا لموقعها الطبيعي ليست مجرد استحقاق جغرافي، بل هي ضرورة أمنية واقتصادية دولية.
تبرز أهمية هذا التحول في عدة نقاط جوهرية:
حائط صدّ ضد التمدد الإيراني والصيني: تدرك واشنطن أن الفراغ في سوريا لا يملؤه إلا الخصوم. بناء دولة سورية قوية ومستقلة القرار هو الكفيل بتقليص النفوذ الإيراني العسكري، ومنع الصين من تحويل سوريا إلى محطة إستراتيجية حصرية في مشروع “الحزام والطريق” بعيداً عن الرقابة الغربية.
عقدة الطرق التجارية وموارد الطاقة: بفضل موقعها، تعود سوريا كحلقة وصل لا غنى عنها بين الشرق والغرب. مع اكتشافات الطاقة الجديدة المحتملة في المتوسط والبر السوري، يصبح استقرار دمشق مفتاحاً لأمن الطاقة الإقليمي.
تفكيك القنابل الموقوتة: الاتفاق مع دمشق يعني وضع نهاية لملف “سجون معتقلي داعش” الذي أرق العالم، وإنهاء حالة القلق في الجنوب السوري عبر “تبريد ملف السويداء” من خلال إدماج كافة المكونات في مشروع الدولة الوطنية.
فك الارتباط بـ “قسد” والاتفاق الأمني مع إسرائيل.
الواقعية السياسية تقتضي التضحية بالحلفاء التكتيكيين من أجل المصالح الاستراتيجية. انحسار الدعم الأمريكي الكامل لـ “قسد” لم يعد مجرد احتمال، بل هو نتيجة طبيعية للاعتراف بسيادة الدولة السورية على كامل ترابها. هذا التحول سيمهد الطريق لدمشق لفرض سيطرتها الأمنية، وهو ما يصب في مصلحة دول الجوار أيضاً.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن واشنطن تمارس اليوم ضغوطاً غير مسبوقة على تل أبيب لتوقيع اتفاق أمني مع سوريا. الهدف هو “تصفير المشاكل” الحدودية وضمان أمن متبادل يحجم الميليشيات العابرة للحدود، ويخلق بيئة مستقرة تسمح بالاستثمارات الدولية.
الضمانة الأقوى: تلاقي المصالح
ما يجعل هذه المرحلة مختلفة عن سابقاتها هو أن “الضمانة” ليست وعوداً شفهية، بل هي تلاقي مصالح صلب
ترامب يريد تحقيق “نصر سياسي” بإنهاء الحروب الخارجية وإعادة الجنود، مع ضمان عدم عودة الإرهاب.
الشرع يحتاج للشرعية الدولية وتدفق الأموال لإعادة الإعمار وتثبيت أركان الدولة الحديثة.
هذا التوازن الدقيق هو المحرك الفعلي للقطار الذي انطلق من محطة دمشق باتجاه المجتمع الدولي. إن أمريكا لم تعد تبحث عن “تغيير الأنظمة” بقدر ما تبحث عن “كفاءة الأنظمة” في ضبط حدودها ومكافحة الإرهاب ومنع الفوضى.
إننا نشهد إعادة صياغة للمشرق العربي، حيث تعود سوريا دولة موحدة، قوية، ومستقرة. إن نجاح حكومة الشرع في انتزاع هذا الاعتراف الأمريكي يثبت أن السياسة في النهاية هي فن الممكن، وأن استقرار دمشق هو حجر الزاوية الذي بدونه ينهار بناء الأمن في الشرق الأوسط برمته.
- كاتب سوري























