يغيب عن التداول تدريجياً مفهوم «إعادة الإعمار» في سوريا، ويملأ الفراغ الذي يخلّفه مفهومٌ مختلف هو الاستثمار. ولا بأس بالمفهوم الثاني نفسه، فهو يصلح شريكاً للأول ودعماً، في ظروف دولية وإقليمية معقّدة كما هو واقع الحال.
هناك أسبا خارجية وموضوعية لغياب الموضوع عن الأجواء، خصوصاً من حيث المانحين الأساسيين في حالة صعبة، حيث عانت وما تزال دول الخليج- المانحون الأكثر قرباً- من آثار الحرب الدائرة حول مضيق هرمز.
لن توازي المكاسب الجيوستراتيجية وطرق الترانزيت تلك الآثار. أوروبا مستنزفة بسبب الحرب الأوكرانية، ولا يزال العالم كلّه مشغولاً بمفاجآت ترامب وآثارها الاقتصادية، في حين تبقى حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وحرب إيران عليهما وعلى دول الخليج، غائمة الأفق.
كلّ ذلك لا يخفّف من أهمية الانكباب على إعادة الإعمار، ومتطلباتها وخططها.
وُلد المصطلح في الولايات المتحدة، التي كانت «حقبة إعادة الإعمار» فيها (1865–1875) فترةً حاسمة تلت الحرب الأهلية الأمريكية، وهدفت إلى تسهيل إعادة دمج الولايات الجنوبية في الاتحاد، وتحديد الحقوق القانونية لأربعة ملايين أمريكي من أصل افريقي، نالوا حريتهم لتَوّهم..
شملت الركائز الداعمة لإعادة الإعمار تعديلاتٍ ثورية على الدستور وإجراءات كبرى في الحقلين التنفيذي والتشريعي، وتغييرات كبيرة في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ كان أهمها تعديل الدستور. فقد ألغى التعديل الثالث عشر (1865) العبودية والعمل الإجباري، ومنح التعديل الرابع عشر (1868) -الأكثر شهرة- الجنسيةَ لجميع المولودين والمتجنّسين في الولايات المتحدة، كما ضمن «الجنسية المتساوية قانوناً» ومبدأ الإجراءات القانونية الواجبة». أمّا التعديل الخامس عشر (1870) فقد حظر حرمان أيّ مواطن من حق التصويت بناءً على العرق أو اللون أو حالة العبودية السابقة. من جهة أخرى، ليس الاستثمار بديلاً جامداً ووحيداً لآليات إعادة الإعمار المعيارية، وهنالك أمثلة كثيرة: في أوروبا -وألمانيا خصوصاً- بعد الحرب العالمية الثانية، وحديثاً في أماكن أخرى ودولية، توضح كيف يمكن دمج الاستثمارات الخاصة مع خطط الإعمار الحكومية لتحقيق تعافٍ اقتصادي، ولكن ضمن «دفتر الشروط العامة»! كانت رواندا مثالاً في ذلك، بسبب خطة سيادية صارمة لإصلاح القوانين ومحاربة الفساد، ما خلق «بيئة تشريعية آمنة»، تحقيقا لمبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء، الأمر الذي خلق أجواء جاذبة للشركات العالمية. في حين واجهت كولومبيا تجربة دمج المقاتلين السابقين في المجتمع – وليس في الجيش النظامي- بعد صلح الحكومة وحركة «فارك»، وحين أطلقت مشاريع بنية تحتية وطرق ضخمة بالتعاون مع شركات المقاولات الخاصة والبنك الدولي. قدمت الحكومة حوافز ضريبية وتسهيلات للشركات الخاصة التي تفتح فروعاً لها في مناطق النزاع السابقة، وتلتزم بتوظيف المقاتلين السابقين والسكان المحليين. وكانت النتيجة إسهام القطاع الخاص بشكل مباشر في عملية «الأمن والمصالحة»- وهي من ركائز إعادة الإعمار الصحيحة، عبر خلق وظائف حقيقية خفضت من فرص عودة الشباب إلى السلاح، وأسهمت في محاربة البطالة أيضاً.
تحتاج سوريا إلى الأمن والأمان، إلى الاستقرار الذي لن يتحقق إلّا بوجود جيش منضبط ومحايد، وقوات أمن، وإعطاء الأولوية لحاجات المجتمع الرئيسة من ماء وكهرباء وصحة وتعليم، وإلى حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات
إعادة الإعمار على نموذج «سوليدير» في لبنان بعد الحرب الأهلية، شكل متقدّم للتوجّه الاستثماري الذي يعتني بالرفاه الاستهلاكي والسياحة، وخلق أضواء جميلة باهرة مكان الدمار وعلى الأنقاض… وهو نموذج يوازي نموذج عهد الأسد، وتتخلّق نماذج أخرى منه حالياً بمشاريع – بعضها قديم- لاستثمارات صارخة من الفنادق والمولات والبناء الفاخر، حتى قبل ترحيل الأنقاض… اللهم لا اعتراض إن كان على هامش عملية إعادة الإعمار المنشودة وليس في قلبها وعلى حسابها. تحتاج المرحلة السورية الراهنة إلى حذر شديد وروح وطنية عالية مع انفتاح، لأن هنالك فائضاً من الليبرالية الجديدة والشعبوية الفائقة يجتاح العالم، وهو يتمتّع بفرص وافرة لفرض سياساته على العديد من المؤسسات الدولية والحكومات، فكيف بنا في الدول التي تعاني من هشاشة واضحة وبنية قابلة للانفجار، أو للانحطاط والتفتت. ينفع هنا مفهوم «الملكية الوطنية» للمشروع كلّه بدلاً من ملكية أصحاب المصالح الخارجيين، هذه الملكية التي ستكون وبالاً في حالة كانت منخورة البنية بالفساد والجهل أو نقص الكفاءة.
للبنك الدولي دور مهم يقوم به في مساعدة الدول الهشة والخارجة من مغطس عميق، لتنتقل إلى التعافي المستدام إنسانياً ثم معيشياً واقتصادياَ، من خلال سياسات تشغيلية وآليات مالية وقواعد تقييم مشتركة، لبناء مؤسسات متماسكة وبنية تحتية تصمد مع الزمن… لكن خططه كانت دعماً للتطوّر من خلال البيع/الخصخصة والليبرالية الجديدة التي تنسجم مع الفساد، وقد تغيّرت إلى حدّ ما، لكنها ما زالت بحاجة للانتباه. ينبغي وضع هذه السياسات بالمشاركة مع الأمم المتحدة- والاتحاد الأوروبي- لتضع معايير وحسابات واحتياجات، وكذلك إدارة الأخطار والتداعيات التالية وبأيّ اتجاه. فلا يمكن تأمين المسار هذا من دون تلك المساعدة، والحصول على قدرات وخبرات تلك المؤسسات، منذ تأسيس ركائز العملية ثمّ عند متابعتها، سواء من حيث الاستقرار المالي الكلى والحوكمة تحت شرط الشفافية اللازم ولجم الفساد بفاعلية وجذرية في وقت التدفقات المالية- والكبيرة منها. ففي إقليمنا العربي، سوف تحتاج غزة وليبيا واليمن وسوريا إلى ذلك المسار، وهو مطروح أمام سوريا حالياً، بل إنه قد تأخر عن وقته على برنامج العمل أيضاً، ولا تكفي صعوبات المنطقة والعالم، ولا ثقل تركة الأسد البغيضة وعقابيلها، لإعذار هذا التأخّر.
في مثل الحالة السورية الراهنة، ربما من الضروري كذلك إعطاء أولوية خاصة لمسألة الشمول الاجتماعي، بعدم إهمال إحالة التشظي المتفاقمة أو استسهال تنشيطها أحياناً، والاشتغال على إعادة الدمج وجمع القدرات معاً، لا بحماية الأقليات وحدها، بل بدمج كلّ الشرائح الأكثر هشاشةً وتهميشاً والعائدين والنازحين وتحييد حالة الإفقار وإدخالها من ثمّ في عجلة البلاد وحياتها، إضافة إلى ذلك، من الضروري الانتباه إلى الأسباب الأعمق لبطء عودة اللاجئين، الذين يمكن أن يوفّروا قدرات نوعية ومتميّزة لبلدهم الأول.
تحتاج سوريا أولاً إلى الأمن والأمان، إلى الاستقرار الذي لن يتحقق إلّا بوجود جيش منضبط ومحايد، وقوات أمن كذلك، وإلى إعطاء الأولوية لحاجات المجتمع الرئيسة من ماء وكهرباء وصحة وتعليم، وإلى حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات. كما تحتاج إلى حالة إحياءٍ وتنشيطٍ لقدراتها، باحترام الرأي الآخر وحرية الرأي والتعبير أكثر، وقبل أيّ شي آخر تحتاج إلى الحوارات وتنشيط العمل الحزبي وتحريره وتنظيمه، ثمّ إلى البدء بكتابة مسودة الدستور بالطرق المعيارية الحديثة، وعقد مؤتمر وطني يعيد صياغة الطريق إلى النجاة أولاً، ثم إلى المستقبل… إلى إعادة تسييس المجتمع، الكفيل وحده بإعادة تأسيس الدولة ونجاح إعادة البناء.
في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1876، شكّك سياسيّو الجنوب بصحة نجاح الرئيس هايز وانفجر خلاف كبير، يشبه خلاف انتخابات عام 2020. ولم يجر حلّ المسألة إلّا بما سمّي بالصفقة الفاسدة، التي فرضت انسحاب القوات الفدرالية من الجنوب ثمناً لسكوته، ومن ثم ترك المنطقة للبيض المتعصبّين هناك يتراجعون فيها عن قرارات تحرير العبيد ما استطاعوا، ويعيقون تحقيق جانب مهم من أهداف الثورة الأمريكية قرناً كاملاً.
كاتب سوري
- القدس العربي























