لعلّ أبرز ما يحتاجه السوريون اليوم التحرّر من الإرث الثقيل الذي خلّفه النظام الأسدي، باستعادة دورهم ذواتاً فاعلةً، وبناء الثقة المتبادلة فيما بينهم، من خلال تعريف أنفسهم شعباً واحداً، لا مكوّناتٍ أو أقلياتٍ متفرّقة، وتعزيز هُويَّتهم مواطنين لا رعايا. فالجماعات الإثنية والطائفية لا يمكنها أن تصبح شعباً في دولة موحّدة بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلّا عندما تتحوّل إلى مجتمعٍ من المواطنين، أي حين تُصان حقوق المواطنة، ويُعترف بالمواطن فاعلاً سياسياً وصاحب حقوق كاملة. هذا يعني أن الارتهان إلى خطاب المكوّنات أو الأقليات أو الخطاب الطائفي، سواء أكان مقصوداً أم غير مقصود، يفضي إلى تكريس الجماعات الهُويَّاتية على حساب مفهوم المواطنة، ما يعوق تشكّل السوريين شعباً، وربّما يفضي إلى تصدّعات أو شروخ عميقة في المجتمع، وهو ما يحدث فعلياً في مناطق متفرّقة في سورية، وهو ما يعوق بناء الدولة الواحدة والسير بها نحو المستقبل بخطى مدروسة للازدهار.
عمل نظام الأسد لتكريس غياب مفهوم سلطة الشعب وأحلّ مكانها سلطته المطلقة
في الحالة السورية، لم يكتفِ نظام الأسد البائد بالعمل لتكريس هيمنته على البلاد، بما في ذلك السيطرة على الدولة والاستيلاء على مواردها، بل عمل بمختلف الطرائق (والوسائل) لتكريس غياب مفهوم سلطة الشعب، وأحلَّ مكانها سلطته المطلقة، وذلك بالوسائل الخشنة والناعمة، المباشرة وغير المباشرة؛ أي عمل على تعطيل تشكّل السوريين بوصفهم شعباً من مواطنين أحرار مهما تعدّدت خلفياتهم القومية والدينية. ضمناً، يتجلّى ذلك في عدم اعترافه بمكانة المواطن، وحرمان السوريين من حقوق المواطنة، إضافة إلى التعامل معهم بتنميطهم وفق هُويَّات إثنية وطائفية، وتالياً وضع كل جماعة في مواجهة أخرى، مع تقديم نفسه حامياً للأقليات، الأمر الذي استثمره في تأجيج مشاعر الخوف والكراهية والنبذ، كل جماعة إزاء أخرى، ويحاول اليوم استثماره في إبقاء الفوضى عنواناً لمرحلة ما بعد التحرير.
لذلك؛ التحدّي المحوري أمام القيادة السورية في المرحلة الانتقالية، ليس التصريح حول حقوق المواطنة أو أنّ سورية دولة مواطنة فحسب، (وبالمناسبة دولة المواطنة هي التعريف الخلفي للدولة الديمقراطية)، وإنما أيضاً كيفية تعزيز المواطنة، وبناء مجتمع المواطنين السوريين الأحرار والمتساوين، والمستقلّين عن الانتماءات القبلية والطائفية والإثنية والمناطقية والعشائرية، وهو بالذات تحدّي بناء الدولة وبناء المجتمع؛ إذ على عملية البناء هذه سيتوقّف مصير سورية، وتتعزّز إمكانية الاستثمار في عودة سورية دولةً طبيعيةً، بعد النجاح الدبلوماسي الكبير لهذه القيادة في إقناع الولايات المتحدة بإنهاء عقوبات قيصر المفروضة على سورية.
في هذا الإطار، القيادة السورية معنية اليوم (بعد مبادرة الرئيس أحمد الشرع بلقاء شخصيات من أهالي الساحل السوري) بتعزيز (وتوسيع) مساحة الحوار بينها وبين السوريين في المناطق كافّة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لبناء الثقة بين أفراد الشعب الواحد، وتأكيد حقوق المواطنة المتساوية للجميع، نساءً ورجالاً، من دون أيّ تمييز لأيّ سبب كان. إذ يُفترض التأسيس على المبادرة في مناطق أخرى للبناء عليها واستنتاج خلاصات يُفترض أن تفيد في كتابة العقد الاجتماعي الجديد، قبل الوصول إلى صياغة النصوص الدستورية النهائية في المراحل المقبلة لعمل مجلس الشعب.
أي علاج لمشكلة سورية يجب أن يتأسس على الحوار والحلول السياسية والقانونية
هنا يجب إدراك ثلاث مسائل؛ أولاً أنّ عودة سورية لتكون دولة طبيعية في وسطها الإقليمي والعربي والعالمي يمدّها بالقوة، ويفتح لها مجالات التعاون والاستفادة المتبادلة مع الدول، إلّا أنّ قوة سورية الحقيقية في داخلها، أي في شعبها، مع أهمية الخارج. ثانياً، إنّ أيَّ علاج لأيّ مشكلة سورية، مهما كانت معقّدةً ومتراكمة، يُفترض أن يتأسس على الحوار والحلول السياسية والقانونية، وهو ما يجب أن تتمسّك به الأطراف المعنية بحلّ المشكلة وبنتائج الحلّ، في حين أن المواجهة واستجرار الحلول الأمنية لا يفيد أيَّ طرفٍ وإنما يفاقم أيَّ مشكلة. ثالثاً، إنّ المشاركة السياسية القائمة على المواطنة المتساوية، في دولة المؤسّسات والقانون، هي التي تُحصّن سورية وشعبها، وهي التي تعزّز مكانتها أكثر من أيّ شيء آخر.
- العربي الجديد



























