لم يكن الاستبداد في العالم العربي حادثة عابرة يمكن ردّها إلى مرحلة سياسية محددة، ولا خللًا مؤقتًا في بنية الدولة، بل هو نتاج تراكم طويل تشكّل عبر سنوات من الحكم المغلق، حتى أصبح طريقة إدارة كاملة تقوم على إخضاع المجتمع بالخوف. في ظل هذه الأنظمة، لم يُجرَّد المواطن من حقوقه فقط، بل أُعيد تشكيل وعيه على نحو يجعله جزءًا من منظومة السيطرة نفسها، يراقب ذاته، ويضبط سلوكه، ويحسب خطواته قبل أن تُحسب عليه. وبين سلطة متورمة لا تعرف الحدود، ونخب منتفعة تجيد تسويق الظلم، وجمهور مُنهك يخشى المجهول أكثر مما يرفض الواقع، نشأت معادلة جعلت الخضوع يبدو عقلانيًا، والنفاق سلوكًا مقبولًا، والصمت وسيلة للنجاة.
في السياق العربي الحديث، لا يمكن النظر إلى الاستبداد بوصفه مجرد نظام حكم يعتمد القمع المباشر، بل باعتباره حالة عامة تتغلغل في السياسة كما في الثقافة والاقتصاد، وتمتد آثارها إلى علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالدولة. إنه بناء قائم على إنتاج الخوف وتحويله من شعور طارئ إلى قاعدة ثابتة لتنظيم المجتمع. وبهذا المعنى، يتجاوز الحكم الاستبدادي كونه سلطة أمنية، ليغدو منظومة نفسية ورمزية تعيد إنتاج الطاعة، وتمنح الانتهازية شرعية ضمنية، وتورّث آلياتها من جيل إلى آخر.
في قلب هذه المنظومة، تُصاغ صورة الحاكم بعناية مزدوجة؛ يُضخَّم حتى يبدو فوق البشر، وفي الوقت نفسه يُجرَّد من أي مساءلة. يُقدَّم بوصفه الضامن الوحيد للاستقرار، والدرع الأخير في وجه الفوضى، بينما تُغلق كل السبل التي تسمح بمحاسبته أو مساءلته. هذه الصورة لا تهدف فقط إلى تبرير السلطة، بل إلى تعطيل الوعي العام، بحيث يتحول الخضوع من نتيجة للقهر إلى قناعة داخلية. ومع ترسخ هذا التصور، يتراجع الحديث عن الحقوق، ويحل محله خطاب الامتنان والقبول بالأمر الواقع.
ومع ذلك، لا يستمر أي مستبد بمفرده. فحول السلطة تتشكل شبكة واسعة من المنتفعين، يجيدون التكيف مع كل مرحلة، ويبرعون في تزييف الواقع وتبرير السياسات. هؤلاء الانتهازيون لا يدافعون عن النظام بدافع الإيمان به، بل بدافع الحفاظ على مواقعهم ومكاسبهم. في الإعلام، يلمّعون الفشل ويشيطنون كل معارضة. في المجال الثقافي، يفرغون المفاهيم من مضمونها، فيتحول الوطن إلى شعار، والحرية إلى تهديد. وفي الخطاب الديني، تُستدعى النصوص لتكريس الطاعة وربطها بالأخلاق، لا بالعدالة.
وسط هذه الشبكة المعقدة، يجد المواطن نفسه محاصرًا، لا بالقوة فقط، بل باللغة، والتعليم، والخطاب اليومي. فالقمع لا يُمارس عبر الاعتقال والتعذيب وحدهما، بل عبر زرع الإحساس الدائم بالعجز. يُربّى الفرد منذ الصغر على أن التغيير مستحيل، وأن الاعتراض مغامرة خاسرة، وأن السلامة الفردية أهم من أي شأن عام. وهكذا، يتحول المجتمع إلى مجموعة أفراد متجاورين، لا تجمعهم الثقة ولا يوحدهم أفق مشترك، ويحل الحذر محل التضامن، والصمت محل النقاش.
هذا الخوف المتراكم يخلق شكلًا خاصًا من الاستعباد، لا يحتاج إلى عنف دائم ليحافظ على نفسه. يكفي التلويح بالعقاب، أو تقديم نموذج لمن عوقب، ليُعاد ضبط السلوك العام. ومع الزمن، يصبح الخوف جزءًا من المسلّمات، ويتحول إلى آلية رقابة ذاتية. هنا تتجلى خطورة الاستبداد الحقيقية: حين ينجح في جعل الناس يدافعون عن قيودهم، ويبررونها باسم الواقعية أو الحكمة.
ومع ذلك، فإن هذه البنية، مهما بدت متماسكة، تقوم في أساسها على وهم. فالقوة التي تُنسب إلى المستبد ليست نابعة من ذاته، بل من جهل المحكومين بحقيقتها. وكلما اتسع الوعي، بدأ هذا الوهم في التصدع. المعرفة هنا ليست ترفًا ثقافيًا، بل فعل تحرر حقيقي، لأنها تكشف زيف الصورة المصطنعة للسلطة، وتعيد الحاكم إلى حجمه الطبيعي. فهو إنسان محدود، يعتمد بقاؤه على خضوع الآخرين.
لقد بيّنت تجارب عربية كثيرة أن الخوف قابل للكسر، وأن الجماهير حين تكتشف قوتها الكامنة، يتغير ميزان العلاقة بينها وبين السلطة. غير أن هذه التجارب كشفت أيضًا قدرة الاستبداد على إعادة إنتاج نفسه، عبر أقنعة جديدة، مثل التخويف من الفوضى، أو استدعاء ذاكرة الألم، أو تشويه أي بديل ممكن. وهنا يظهر مجددًا دور الانتهازيين، الذين يغيّرون خطابهم بسرعة، ما دام ذلك يضمن استمرار نفوذهم، حتى لو تبدلت الوجوه في قمة السلطة.
المشكلة، في جوهرها، لا تكمن في الحاكم وحده، بل في الثقافة التي تسمح له بالبقاء. ثقافة تمجد القوة أكثر مما تحتفي بالعدالة، وتفضل السلامة على الكرامة، وتكافئ الصمت وتشكك في الصدق. في ظل هذه القيم المشوهة، يصبح النفاق سلوكًا عقلانيًا، بينما تُصوَّر النزاهة بوصفها سذاجة. وهذا التشويه الأخلاقي من أخطر آثار الاستبداد، لأنه يفرغ المجتمع من قدرته على المقاومة.
إن الخروج من هذا المأزق لا يتحقق بانقلاب سياسي مفاجئ فقط، بل عبر مسار طويل من إعادة بناء الوعي. وعي يعيد الربط بين الحرية والكرامة، ويعيد تعريف الاستقرار بوصفه ثمرة للعدالة لا للقمع، ويدرك أن الخوف ليس قدرًا محتومًا. حين يفهم المواطن أن حقوقه لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الصمت لا يحميه، بل يؤجل المواجهة، يبدأ التحول الحقيقي.
في النهاية، قد ينجح الاستبداد في إطالة عمره عبر القمع وصناعة الخوف وتجنيد النفاق، لكنه يعجز عن إلغاء التطلع الإنساني العميق إلى الحرية. فكل نظام يقوم على إخضاع الإنسان للإنسان يحمل في داخله أسباب زواله. ومع تراكم الوعي واتساع دوائر الفهم، تتكشف هشاشة القوة الزائفة، ويصبح سقوط الاستبداد مسألة وقت، لا لأنه هُزم بالسلاح، بل لأنه فقد سلاحه الأخطر: الخوف.
- المدن



























