عادت مدينة حلب، إلى واجهة المشهد السوري بوصفها إحدى أكثر الساحات حساسية لاختبار مآلات العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). فقد شهدت المدينة تصعيداً أمنياً لافتاً، مساء الإثنين الماضي، بدأ بإطلاق أحد عناصر “قسد” النار على حاجز عسكري تابع للحكومة السورية في منطقة دوّار شيحان، وذلك عقب انسحاب عناصرها من الحواجز المشتركة المنتشرة على مداخل حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، قبل أن تتطور الحادثة خلال وقت قصير إلى اشتباكات مباشرة استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وسط استنفار أمني واسع.
وبالرغم من احتواء المواجهات وعودة الهدوء النسبي خلال ساعات، فإن دلالات التصعيد تجاوزت البعد الميداني الآني، لتطرح مجدداً أسئلة جوهرية حول قابلية اتفاق 10 آذار/ مارس، وحدود التسوية الممكنة بين الطرفين، في ظل تآكل الثقة وتضييق هوامش المناورة السياسية.
تكرار التصعيد ودلالاته
يُمثّل هذا التصعيد الثاني من نوعه في حلب منذ توقيع الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، بعد اشتباكات عنيفة شهدتها المدينة مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. ويشير هذا التكرار إلى أن حلب باتت نقطة ضغط متقدمة في العلاقة بين الجانبين، وليست مجرد ساحة عرضية للتوتر. ويتزامن ذلك مع استمرار الخروقات المتبادلة على طول خطوط التماس في منطقة الفرات، وهي خروقات، وإن بقيت مضبوطة حتى الآن، تعكس عمق التناقضات البنيوية التي لم ينجح الاتفاق في معالجتها.
وتكمن خطورة التصعيد في حلب في رمزية المدينة وثقلها السياسي والاقتصادي، إذ إن أي اضطراب أمني فيها ينعكس مباشرة على صورة الاستقرار التي تحاول الحكومة السورية تكريسها في مرحلة ما بعد الحرب، ويؤثر على حساباتها المتعلقة بإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وإعادة تموضعها إقليمياً.
توقيت إقليمي بالغ الحساسية
لا يمكن فصل تصعيد حلب عن السياق السياسي الأوسع، ولا سيما تزامنه مع زيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى دمشق، ضم وزيرَي الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات. وجاءت هذه الزيارة في لحظة مفصلية، مع اقتراب انتهاء المهلة الزمنية المحددة لتطبيق اتفاق 10 آذار، من دون تحقيق اختراق حقيقي في مساراته التنفيذية.
وخلال اللقاءات السورية– التركية، برز اتفاق 10 آذار بوصفه محوراً مركزياً للنقاش، حيث وجّه وزير الخارجية السورية اسعد الشيباني اتهامات مباشرة لقوات سوريا الديمقراطية بالمماطلة وافتقاد الجدية السياسية، معتبراً أن سلوكها يعكس رغبة في كسب الوقت وإعادة التفاوض على أسس تتجاوز ما تم التوافق عليه.
الموقف التركي: تضييق الخيارات
قبل أيام من التصعيد، كان وزير الدفاع التركي قد أطلق، في 20 كانون الأول/ ديسمبر، موقفاً شديد الوضوح تجاه “قوات سوريا الديمقراطية”، مؤكداً أن أنقرة تمتلك خططاً جاهزة للتعامل مع أي تحولات ميدانية، وأن اندماج “قوات سوريا الديمقراطية” ككتلة عسكرية واحدة ضمن الجيش السوري يمثل خطاً أحمر غير قابل للنقاش. وأعاد التأكيد على أن الصيغة الوحيدة المقبولة هي الاندماج الفردي لعناصرها داخل المؤسسة العسكرية السورية، بما ينهي أي وضع استثنائي أو بنية موازية.
جاء هذا الموقف رداً على مقترح قدمه مظلوم عبدي، تضمّن الإبقاء على الكتلة العسكرية والأمنية لـِ “قسد” داخل الجيش السوري، والحفاظ على انتشارها الجغرافي الحالي، إلى جانب مطالب تتعلق بانسحاب القوات التركية من شمال سوريا، وترتيبات خاصة بإدارة الموارد وشكل الحكم المحلي. وقد رأت دمشق في هذا المقترح محاولة لإعادة إنتاج الأمر الواقع بصيغة قانونية جديدة، ما دفعها إلى رفضه، قبل أن تعود “قوات سوريا الديمقراطية” وتقدّم تعديلاً عليه لا يزال قيد الدراسة، وفق تصريحات وزير الخارجية السورية خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي، في اليوم ذاته الذي شهد تصعيد حلب.
حلب كساحة ضغط تفاوضي
في هذا السياق، تبدو حلب ساحة مختارة بعناية من قبل “قسد” لإرسال رسائل سياسية متعددة الاتجاهات. فوجودها في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية يمنحها قدرة على التأثير في مدينة مركزية، ويتيح لها استخدام العامل الأمني كورقة ضغط في مواجهة دمشق، في لحظة تتقلص فيها خياراتها التفاوضية.
وتشير المعطيات إلى أن “قوات سوريا الديمقراطية” تتجنب التصعيد الواسع على جبهات أخرى، وتفضّل إبقاء التوتر في حلب ضمن سقف مدروس، يسمح بإيصال الرسائل دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أن هذا النهج يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ إن زعزعة الاستقرار في مدينة بحجم حلب قد تدفع الحكومة السورية إلى إعادة تقييم جدوى ضبط النفس، والانتقال إلى خيارات أكثر حزماً.
انسداد مسار الاندماج
يعكس التصعيد أيضاً حالة الانسداد التي بلغها ملف اندماج “قوات سوريا الديمقراطية” في مؤسسات الدولة. فبينما تصر دمشق، بدعم تركي واضح، على تفكيك البنية العسكرية والسياسية لـ”قسد” وإنهاء المشروع السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي “PYD“، تتمسك الأخيرة برؤية تقوم على الحفاظ على تماسكها التنظيمي والعسكري، باعتباره الضامن الأساسي لمكاسبها خلال السنوات الماضية.
ويبدو أن الطرفين يراهنان على عامل الوقت بطرق مختلفة: دمشق تراهن على الضغط السياسي والإقليمي لتليين موقف “قوات سوريا الديمقراطية”، فيما تراهن الأخيرة على تعقيدات المشهد الإقليمي، وعلى دور الولايات المتحدة، لإعادة فرض شروط تفاوضية أفضل.
سيناريوهات ما بعد المهلة
مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لتطبيق اتفاق 10 آذار، تبرز عدة سيناريوهات محتملة. أولها استمرار حالة الجمود، مع بقاء الاتفاق قائماً شكلياً كإطار مرجعي للمفاوضات، بدون تقدم فعلي في التنفيذ. وثانيها انتقال الحكومة السورية، بالتنسيق مع تركيا، إلى تنفيذ عملية عسكرية وأمنية محدودة تستهدف إنهاء وجود “قوات سوريا الديمقراطية” في مدينة حلب، باعتبارها مصدر الضغط الأبرز، مع السعي لتحييد ردود الفعل الدولية، ولا سيما الأميركية.
غير أن هذا السيناريو، برغم تداوله، لا يعني بالضرورة انهيار الاتفاق برمته، إذ يُتوقع أن يبقى اتفاق 10 آذار مرجعاً سياسياً يُستند إليه في أي مسار تفاوضي لاحق، في ظل استمرار سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” على مساحات واسعة شرق الفرات، وتمسك الحكومة السورية، حتى اللحظة، بإعطاء الأولوية للحلول السياسية على خيار المواجهة الشاملة.
يكشف تصعيد حلب عن مرحلة شديدة الحساسية في العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، وتتراجع فيها مساحات التسوية لصالح منطق اختبار الإرادات. وبين اتفاق يقترب من استنفاد زمنه السياسي، ورسائل ميدانية تتكرر بوتيرة محسوبة، يبدو أن الأطراف جميعها تقف على أعتاب مرحلة جديدة، قد تحدد نتائجها شكل العلاقة بين الدولة السورية ومناطق شرق الفرات لسنوات مقبلة.


























