وأعلن عبدي على منصة إكس، أمس، أنه “بوساطة من أطراف دولية لوقف الهجمات والانتهاكات بحق أهلنا في حلب، وصلنا إلى تفاهم يُفضي إلى وقف إطلاق النار وتأمين إخراج الشهداء والجرحى والمدنيين العالقين والمقاتلين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال وشرق سورية”. وأضاف: “ندعو الوسطاء للالتزام بوعودهم في وقف الانتهاكات والعمل على عودة آمنة للمهجرين إلى منازلهم”. من جهتها، أكدت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا)، أمس، “خروج الحافلات التي تقل آخر دفعة من عناصر تنظيم قسد من حي الشيخ مقصود بحلب نحو شمال شرق سورية”. ونقلت عن مدير إعلام مديرية صحة حلب منير المحمد أنه “بلغ عدد الضحايا من جراء استهداف تنظيم قسد الأحياء السكنية منذ يوم الثلاثاء الماضي 24 قتيلاً و129 مصاباً”. كذلك نقلت وكالة فرانس برس، أمس، عن مسؤول في وزارة الداخلية السورية قوله إن السلطات أجلت نحو 400 مقاتل كردي، واعتقلت أكثر من 300 آخرين، بينهم “مقاتلون وعناصر من الأمن الداخلي الكردي”.
مصادر في أربيل: البارزاني قاد جهود تهدئة غير معلنة بين دمشق وعبدي
جهود للتهدئة
في الأثناء، قالت مصادر كردية عراقية في مدينة أربيل شمالي العراق، لـ”العربي الجديد”، إن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني قاد جهود تهدئة غير معلنة بين دمشق وعبدي لاحتواء الموقف ومنع استمرار المواجهات في حلب، أو دفع “قسد” بقوات جديدة إلى منطقة المواجهات. وأجرى الشرع والبارزاني، يوم الجمعة الماضي، اتصالاً هاتفياً بحثا خلاله أزمة حلب، وفق بيان صدر عن الجانب الكردي في إقليم كردستان العراق. وقال مسؤولون أكراد في أربيل، لـ”العربي الجديد”، إن شخصية سياسية سنية في بغداد تمتلك علاقات وثيقة مع الشرع ومع البارزاني رتبت الاتصال الهاتفي بين الجانبين، الذي نتجت عنه تفاهمات وتقارب في وجهات النظر حول أزمة حلب، وأهمية منع توسع المواجهات، واعتماد الحوار خياراً وحيداً ورئيساً في التوصل إلى حلول للأزمة مع “قسد”.
وجاء الصدام العسكري في مدينة حلب ليزيد الشكوك في إمكانية تطبيق اتفاق مارس 2025 بين دمشق و”قسد” وتجنيب البلاد مواجهة عسكرية واسعة النطاق، إذ إن كل طرف لا يزال عند مواقفه واشتراطاته، وهو ما أدى إلى تفجر الأوضاع في حلب بعد أيام قليلة من جلسة تفاوض باءت بالفشل في دمشق. وخاض الجانبان عدة جولات تفاوض لم تفض إلى نتائج عملية على الأرض، فبقي الاتفاق الذي تضمن ثمانية بنود مجرد وثيقة، يقرأها كل طرف وفق مصالحه. ولم تظهر حتى ظهر أمس الأحد أي مواقف أو تصريحات رسمية، سواء من دمشق أو من “قسد”، حول مصير اتفاق مارس، بيد أن ممثل “الإدارة الذاتية”، الذراع المدنية لـ”قسد”، في لبنان عبد السلام أحمد أكد في حديث مع “العربي الجديد” أن “اتفاق 10 آذار ما زال قائماً من حيث المبدأ.
إلا أن ما جرى أخيراً، وفق أحمد، يفرض “إعادة تقييم جادة لمضمونه وسياق تنفيذه، لا سيما في ظل استمرار المقاربة الأمنية وغياب الضمانات السياسية والقانونية الكفيلة بإنجاح أي تفاهم مستدام”. وأشار إلى أن “الجرائم والمجازر المرتكبة بحق شعبنا الكردي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية تشكّل مؤشراً خطيراً على هشاشة المسار المرتبط باتفاق 10 مارس، وتكشف بوضوح الفجوة بين ما تم التعهد به وما يُمارس على الأرض”. وفي رأيه، فإن “السلطة المؤقتة في دمشق ما زالت تتصرف بعقلية المليشيات الجهادية، غير الملتزمة بالعهود والمواثيق، وهو ما يقوّض أي إمكانية لبناء شراكة حقيقية أو مسار سياسي قائم على الثقة والاحترام المتبادل”. ويشكل إعلان أي طرف تعليق الاتفاق، أو إلغاءه، ضربة كبيرة للجهود المبذولة من قبل الولايات المتحدة وفرنسا من أجل التوصل إلى تفاهمات تحول دون الانزلاق نحو الصدام الدامي، الذي ربما يخلق بيئة مناسبة للتنظيمات المتطرفة، خصوصاً تنظيم داعش الذي ترى فيه واشنطن التهديد الأكبر للاستقرار.
سناريوهات المواجهة بين دمشق و”قسد”
على ضوء ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية، تبدو أغلب السيناريوهات ممكنة بين الحكومة السورية و”قسد”، بما فيها الصدام العسكري المحدود والمضبوط، خصوصاً في المناطق التي تقع غرب نهر الفرات وجنوبه. وكانت “قسد” قد تقدمت في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وسيطرت على مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات نظام بشار الأسد، خصوصاً في ريف حلب الشرقي، ومنها منطقة دير حافر. وبذلك، باتت هذه القوات تسيطر في منطقة جنوب نهر الفرات على شريط يمتد على نحو 100 كيلومتر، في قلبه مدينة الطبقة الاستراتيجية. كما تبدو جبهة سد تشرين في ريف حلب الشمالي الشرقي مرشحة للتصعيد أكثر من غيرها نظراً إلى أهمية هذا السد، فالسيطرة عليه من الجيش السوري تمهّد الطريق له إلى منطقة شرق نهر الفرات.
ضغوط أميركية
في المقابل، تبدو الضغوط الأميركية حاضرة لدفع دمشق و”قسد” للعودة إلى مفاوضات جادة لتطبيق اتفاق مارس. وبرز الحراك السريع لبرّاك الذي أكد على “إكس” بعد لقائه الشرع، أول من أمس، دعم الولايات المتحدة “للحكومة السورية برئاسة الرئيس أحمد الشرع في جهودها لتحقيق الاستقرار في البلاد، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتحقيق تطلعات جميع السوريين إلى السلام والأمن والازدهار”. وأشار إلى أن “الحكومة السورية أكدت مجدداً التزامها باتفاقية الاندماج الموقعة في مارس 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية، والتي تُوفر إطاراً لدمج قوات سوريا الديمقراطية في المؤسسات الوطنية بما يحفظ حقوق الأكراد ويعزز وحدة سورية وسيادتها”. وأعرب عن قلق بالغ من “التطورات الأخيرة في حلب، التي تُشكل تحدياً لبنود هذه الاتفاقية”.
كما حث “جميع الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والوقف الفوري للأعمال العدائية، والعودة إلى الحوار وفقاً لاتفاقيتي 10 مارس و1 إبريل/نيسان 2025 (الخاص بحيي الشيخ مقصود والأشرفية لتطبيق اتفاق 10 مارس) بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية”، معتبراً أن “العنف يُهدد بتقويض التقدم المُحرز منذ سقوط نظام الأسد، ويُشجع على التدخل الخارجي الذي لا يخدم مصالح أي طرف”. وأضاف برّاك أن “فريق وزير الخارجية (الأميركي ماركو) روبيو يبدي استعداده لتيسير حوار بنّاء بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، بهدف تعزيز عملية اندماج شاملة ومسؤولة، تحترم وحدة سورية، وتُعلي مبدأ سيادة الدولة، وتدعم هدف إنشاء جيش وطني شرعي واحد”.
وقد أكدت هذه التصريحات حرص الولايات المتحدة على مواصلة التفاوض بين حكومة دمشق و”قسد” رغم التباين الكثير في الرؤى بين الجانبين، خصوصاً لجهة آليات دمج “قسد” في المؤسسة العسكرية في ظل إصرارها على بقائها كتلة واحدة مسيطرة على الشمال الشرقي من سورية. كما تطالب “قسد” بـ”شراكة” في القرار السياسي والعسكري وحصة في الثروة النفطية، وسيطرة مشتركة على المعابر، فضلاً عن مطالب أخرى تتعلق بهوية الدولة السورية. وتؤكد مصادر مقربة من الإدارة السورية أن هذه “اشتراطات خارج النقاش الوطني من الصعب تحقيقها”.
زيدون الزعبي: إما نجاح اتفاق مارس أو مواجهة مصير مجهول لسورية
مصير مجهول
ورأى المحلل السياسي السوري زيدون الزعبي، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “ليست هناك إمكانية لفشل اتفاق مارس”، موضحاً: “إما نجاحه أو مواجهة مصير مجهول لسورية”. وفي رأيه، فإن الملف “معقد جداً”، والولايات المتحدة “في حرج، فهي بين مشروعين متناقضين في سورية”، مضيفاً أن “هناك مشروعاً تركياً سعودياً مقابل مشروع إسرائيلي، وواشنطن أقرب للمشروع الأول لكنها غير قادرة على مخاصمة الثاني، وبالتالي سيظل الضغط الأميركي على دمشق وقسد خجولاً”. غير أن الزعبي لا يرجح صداماً عسكرياً واسع النطاق بين الجيش السوري وقوات “قسد” بعد ما جرى في مدينة حلب.
كادار هوزان: جولات التفاوض المقبلة بين الطرفين لن تكون في دمشق بل في إحدى العواصم الضامنة مثل واشنطن أو باريس
لكن كادار هوزان، مدير مؤسسة “كرد بلا حدود” في باريس، قال في حديث لـ”العربي الجديد” إن “ما قبل حلب لن يكون كما بعدها”، متهماً الحكومة السورية بـ”عدم الوفاء بعهودها والتزاماتها”. وأشار إلى أنه “كان هناك اتفاق بينها وبين المجالس المحلية في الحيين (الأشرفية والشيخ مقصود) لكن الحكومة شنّت هجوماً واسعاً ولاقت مقاومة لخمسة أيام”. واعتبر أن “ما شاهدناه من صور بعد سقوط الحيين ينذر بأمور خطيرة في سورية، فثقافة الانتقام والتشفّي والكراهية هي السائدة”. وفي رأيه، فإن الضامنين الدوليين لاتفاق مارس “غير جديرين”، مشيراً إلى أن الاتفاق بين دمشق و”قسد” بحالة “موت سريري”، ومضيفاً أنه في المستقبل يجب أن تكون الاتفاقات علنية. وقال هوزان إن جولات التفاوض المقبلة بين الطرفين “لن تكون في دمشق بل في إحدى العواصم الضامنة مثل واشنطن أو باريس”. وأشار إلى أنه “لا ثقة بهذه الحكومة”، معتبراً أنها تسعى وراء تفجر الصراع والصدام في أماكن أخرى بعد حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
- العربي الجديد























