من الواضح أننا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بناء الدولة السورية، أمام مجلس شعب استثنائي بصلاحيات خاصة يحددها الإعلان الدستوري.
ومن هذا المبدأ، لا بد من الالتزام الحقيقي بشكل وروح هذه المبادئ الدستورية عند النقاش في صلاحيات ومهام مجلس الشعب المنتخب بثلثيه من خلال هيئات ناخبة، والمعين بثلثه الذي يختاره رئيس الجمهورية.
وعلى هذا الأساس، يمكن الحديث عن أفكار لصلاحيات ومهام مجلس الشعب الجديد تتلخص فيما يلي:
1- تعتبر مناقشة القوانين الواردة من السلطة التنفيذية وعلى رأسها الحكومة والهيئات المستقلة، واعتمادها أو تعديلها أو ردها، المطلب الإسعافي من مجلس الشعب حالياً.
2- التشريع الخاص بمجلس الشعب لقوانين يرى المجلس أنها ضرورية أو ملحة، أو أنها تأتي في سياق خدمة المصلحة العامة.
3- التصديق على الاتفاقيات الدولية الاقتصادية والسياسية ومناقشتها عند الضرورة.
4- تعتبر صلاحية الاستماع لأعضاء الحكومة هي الصلاحية الأكثر جدلاً في الإعلان الدستوري، كونها تحرم المجلس من حق الاستجواب أو سحب الثقة من الحكومة أو الوزراء.
هنا لا بد من تقبل وتفهم وجهة نظر المشرع في أنه، وخلال المراحل الانتقالية، لا بد من دور تكاملي متعاون بين السلطات التنفيذية والتشريعية، وأن لا يكون هناك تغول بين السلطات يمكن أن يعرقل العمل الحكومي أو التشريعي في فترة حرجة واستثنائية من تاريخ الدولة تكون البلاد فيها بغنى عن عمليات التعطيل الحكومي أو التنافس الانتخابي الحزبي أو الفئوي.
وعلى هذا، يفضل أن تكون العلاقة بين السلطتين علاقة تكاملية تساعد في تسريع وتيرة عمليات التشريع، مع احتفاظ مجلس الشعب بحقه في مساءلة الحكومة، خاصة في حالات الأخطاء، كي يحتفظ مجلس الشعب بصفته ومهمته الرقابية.
5- في علاقة المجلس مع الحكومة، لا بد من الإشارة إلى أن أهم وأكبر مهمة تناط بمجلس الشعب هي إقرار الموازنة العامة للدولة وقطع حسابات الموازنة السابقة.
وهنا، لا بد للجنة الموازنة في مجلس الشعب أن تضم كفاءات اقتصادية عالية مختصة في السياسات النقدية والضريبية والمالية، وأن تستعين بمن تراه مناسباً من الخبرات من خارج البرلمان.
6- إدارة الحوار الوطني الواسع والمستدام، وهنا يكون الكلام عن دور سياسي حقيقي للمجلس يبدأ بإدارة هذا الحوار بين النواب أنفسهم الذين يمثلون كل أطياف ومكونات الشعب السوري، وقد يتوسع ليشمل شخصيات من خارج البرلمان.
ولا بد لهذا الحوار الواسع والطويل أن يفضي إلى تطوير وتحسين السلم الأهلي، والسير قدماً في مسار العدالة الانتقالية، والخوض الحقيقي في كل النقاشات والأفكار التي ستؤدي إلى صياغة دستور دائم للبلاد من خلال لجنة مختصة أو بالتعاون مع المجلس، بحيث يكون الدستور الدائم بمثابة الرؤية الفكرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، والتي تكرس مبادئ الثورة وتحميها وترسم الخط العام للجمهورية الثالثة، وتؤكد على وحدة سوريا والمساواة الكاملة بين المواطنين.
مجلس الشعب القادم هو برلمان الثورة، لكنه أيضاً برلمان الدولة، وتكريس فكرة الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة التي تكلم عنها الرئيس أحمد الشرع في الأيام الأولى للتحرير، لا بد من أن يكون في صلب وروح عمل المجلس.
الانتقال من الشرعية الثورية مروراً بشرعية الإعلان الدستوري إلى شرعية دستورية دائمة وحوار وطني حقيقي، يشكل البعد السياسي الحقيقي في عمل المجلس.
التشريع وصياغة القوانين ومناقشتها والمساءلة الحكومية وإقرار الموازنة العامة للدولة هي أعمال المجلس اليومية، والتي لا بد أن يعبر أعضاء المجلس من خلالها عن كفاءة عالية في العمل البرلماني والسياسي، مجسدين مبدأً جوهرياً في الحياة النيابية، وهو أن عضو مجلس الشعب هو ممثل لكل الشعب السوري، وأن لا تكون المصالح المناطقية والانتماءات العرقية أو الطائفية أو الدينية هي المحرك الأساسي للنقاشات.
وليعبروا بذلك عن روح المرحلة الانتقالية، والتي تكمن أهدافها في تحقيق وحدة الأراضي السورية بمستوى عال من الانتماء الوطني لكل أطياف المجتمع، يُعلي من روح المواطنة ويكفل العدالة والمساواة بين كل فئات الشعب السوري.
- الثورة السورية






















