التصعيد العسكري الأخير لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» في أحياء حلب، جرّ القوات الحكومية إلى المواجهة والرد، ما أبرز السؤالَ ذاته الذي يتردد في كل مرة تعلن فيها دمشق عن تحرك عسكري ضد قسد: لماذا تستخدم الحكومة السورية بقيادة الشرع، السلاح في الداخل، بينما تترك الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة تمر دون رد مباشر.
هذا التباين كان ولا يزال يضع الحكومة السورية الجديدة في مرمى اتهامات عدة، أهونها تهمة التراخي والخور والضعف، فيما يرفض بعض المتشنجين عزل كل حالة عن الأخرى، فيضعون الرئيس أحمد الشرع بين خيارين: إما أن يقاتل العدو الإسرائيلي أسوة بقسد، وإما أن يكف عن مواجهة قسد أسوة بالاحتلال الإسرائيلي، وهذا قطعا منطق ناءٍ عن عقلية الدولة، ويتعامل مع المسألة وكأنها شجار أفراد في الشوارع.
السؤال عن هذا التباين قد يبدو شديد البساطة في صياغته، لكنه في حقيقة الأمر ومضمونه بالغ التعقيد، إذ أنه يمس جوهر القرار السيادي وحدود القوة في دولة أنهكتها واستنزفتها حقبة حكم عائلة الأسد. هذا التباين في الموقف السوري لا يمكن الوقوف عليه وفهمه وسط صخب الانفعال والشعارات الرنانة، بل يحتاج إلى قراءة هادئة تجمع في نظرتها بين واقع الدولة، ومعادلة القوة والشكل الذي آلت إليه الدولة السورية بعد أكثر من عقد من القتال الدامي وانعكاساته على الاقتصاد والبنية الاجتماعية والتركيبة السكانية والإثنية. تنظر القيادة السورية إلى قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، باعتبارها أحد أبرز التحديات الداخلية المباشرة، فهذه القوات المدعومة أمريكيا وغربيا تسيطر على مساحات واسعة من الشمال والشرق، وتضم أهم موارد البلاد، من نفط وزراعة ومياه، وخارجة عن السلطة المركزية وتدير نموذج الحكم الموازي. الحكومة السورية تتعامل مع قوات سوريا الديمقراطية، لا بوصفها مجرد قوة مسلحة مشاغبة، بل بوصفها مشروعا انقساميا يهدد وحدة الأراضي السورية، وترجمة عملية لمخطط تقسيم سوريا، الذي تتضمنه أجندات إقليمية ودولية، وأن أي تهاون مع هذه القوات، هو تفريط في حقها في بسط السيادة الكاملة على الأراضي السورية. وإضافة إلى هذا، تتعاطى القيادة السورية مع هذه المسألة بكل الوسائل الممكنة، ولو كانت اللجوء إلى القوة، لأنها ترى أن الصراع مع قسد قابل للاحتواء، باعتباره في النهاية شأنا داخليا سوريا لا يقود إلى صدام مع أطراف خارجية حال إدارته بحكمة وروية، ويمكن ضبطه مكانيا وزمانيا ولا يفتح أبواب الحرب الإقليمية الشاملة. ويجب أن لا ننسى في خضم مناقشة هذه القضية، أن الدولة تسعى لحل كل الأزمات الداخلية – بما فيها أزمة المكون الكردي والدروز ـ عن طريق الحوار والتفاهمات، وفي حالة قسد فإن الشرع، عقد اتفاقا مع مظلوم عبدي قائد قوات قسد في العاشر من مارس الماضي، لوقف إطلاق النار ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري الحكومي، وهو ما لم تقدم فيها قسد حتى اليوم ما يدل على حسن النية.
الدولة تحسب الخسائر قبل المكاسب، ولا تخوض معاركها كلها دفعة واحدة، فالسيادة تدار أحيانا بالصمت الإيجابي لا بالسلاح
في المقابل، تنظر الحكومة السورية إلى الاحتلال الإسرائيلي على أنه عدو خارجي بسقف مفتوح للتصعيد، فالكيان الإسرائيلي كقوة إقليمية كبيرة تحظى بدعم أمريكي غربي مفتوح، له القدرة على توسيع دائرة الحرب والتصعيد المستمر. تعلم القيادة السورية جيدا محدودية قدراتها العسكرية، وأن أي رد عسكري على الاعتداءات الإسرائيلية، سوف يمنح نتنياهو الفرصة والذريعة لشن حرب شاملة، في وقت يتم فيه بناء الدولة من جديد بعد أن تركها الأسد فقيرة مدمرة، فمن ثم تتعامل الدولة مع الاعتداءات العسكرية على مبدأ «الضربة بلا ثمن تجنّب الحرب الشاملة»، فتتحمل تلك الضربات وتركز على الحلول الدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية والدولية والتحاور مع الوسطاء الفاعلين من أجل التهدئة. الأولوية الواضحة للقيادة السورية بعد مرور الدولة بسنوات من الحرب والدمار والعقوبات، هي منع انهيار ما تبقى من الدولة وإعادة البناء، بعيدا عن الشعارات البراقة وعنجهيات المغامرة غير المحسوبة، التي تضع سوريا على حافة الدمار، إذ يفتح ذلك الباب أمام اندلاع حرب شاملة لا تملك سوريا أدوات إدارتها، وتستدعي قطعا تدخلا دوليا لحلفاء إسرائيل، يزيد من عزلة دمشق ومضاعفة الضغوط عليها، وهذا حتما انتحار سياسي وعسكري.
بلا شك، هذا المنطق شاق على الوجدان الشعبي السوري والعربي والإسلامي، لكنه يقع ضمن حسابات الدول التي تختلف عن حسابات الأفراد، فالدولة تحسب الخسائر قبل المكاسب، ولا تخوض معاركها كلها دفعة واحدة، فالسيادة تدار أحيانا بالصمت الإيجابي لا بالسلاح.
إذن، هذا التباين لا يعكس التناقض بقدر ما هو تعبير عن فقه المرحلة، من إعادة تثبيت التوازن والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، فالرد على قسد واجب ممكن، بينما الرد على الاعتداءات الصهيونية واجب مؤجل.
وإلى أن تتغير المعطيات سيبقى هذا التباين قائما، وتظل الحكومة السورية تعمل على قاعدة «اختيار المعارك التي يمكن خوضها، لا المعارك التي تفرض عليها بالشعارات».
كاتبة أردنية
- القدس العربي

























