تواجه قسد معادلة صعبة؛ فهي لا تستطيع القبول الكامل بشروط دمشق، التي تعني عمليًا إنهاء مشروع الإدارة الذاتية بصيغته الحالية، ولا تملك ضمانات أمريكية للاستمرار في سياسة كسب الوقت.
علمت «القدس العربي» أن إعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، مظلوم عبدي، الانسحاب من دير حافر ومسكنة إلى شرق نهر الفرات، جاء من دون مفاوضات أو تنسيق مسبق مع الحكومة السورية.
وقالت ثلاثة مصادر مطلعة إن وزارة الدفاع السورية تلقت الخبر بالتزامن مع إعلان عبدي على حسابه الرسمي في موقع «اكس»، من دون أن يسبق ذلك أي اتصال مع الحكومة السورية. وأشارت المصادر إلى أن قرار قسد جاء عقب تحذير قائد القوات الخاصة الأمريكية في سوريا لقيادات في قسد داخل بلدة دير حافر، بضرورة الانسحاب أو تحمّل مسؤولية المواجهة.
وفي هذا السياق، رحّبت وزارة الدفاع السورية بقرار انسحاب قسد من مناطق التماس غرب نهر الفرات، مؤكدة أنها ستتابع بدقة تنفيذ الانسحاب الكامل، بما يشمل العتاد والأفراد، باتجاه شرق النهر. ويأتي ذلك بالتوازي مع بدء انتشار وحدات من الجيش العربي السوري في تلك المناطق، بهدف تأمينها وفرض سيادة الدولة، تمهيدًا لضمان عودة آمنة وسريعة للأهالي إلى منازلهم وقراهم، وبدء استعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي.
وفي السياق ذاته، أعلن قائد قسد، مظلوم عبدي، أنه وبناءً على دعوات من دول صديقة ووسطاء، ومن دون الإشارة إلى أي تواصل مع دمشق، وفي إطار ما وصفه بإبداء حسن النية والالتزام بتنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار/مارس، تقرر سحب قوات قسد صباح السبت عند الساعة السابعة من مناطق التماس شرقي حلب، التي تتعرض لهجمات منذ يومين، وذلك في إطار إعادة تموضع نحو مناطق شرق الفرات.
من جانبها، أكدت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، في تصريحات للإخبارية السورية، أنها تتابع عن كثب التطورات الميدانية عقب إعلان قائد قسد انسحاب قواته من غرب الفرات.
وشددت الهيئة على جاهزية القوات للدخول إلى المنطقة، بهدف إعادة بسط الاستقرار وفرض سيادة الجمهورية العربية السورية، والتمهيد لعودة الأهالي إلى منازلهم، وبدء استعادة مؤسسات الدولة لأدوارها الخدمية والإدارية.
كما أكدت أنها تتابع تنفيذ قسد للقرار المعلن، وأنها مستعدة لكافة السيناريوهات المحتملة، مع التشديد على عدم استهداف قوات قسد أثناء عملية انسحابها.
غير أن هذا التطور جاء عقب تصعيد ميداني ملحوظ، إذ بدأ المشهد في الشمال والشرق السوري يتخذ منحى أكثر حدة مع إعلان هيئة العمليات بدء رد عسكري مباشر على مواقع تابعة لما وصفتها بـ«ميليشيات PKK»و»فلول النظام البائد»، المتحالفة مع قوات قسد، في مدينة دير حافر.
ويمثل هذا التطور لحظة فاصلة نقلت الصراع من مستوى التهديد السياسي والضغط الإعلامي إلى مستوى الفعل العسكري المكشوف، فاتحًا الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد المحسوب، والمفتوح في الوقت نفسه على احتمالات أوسع.
ويشير بدء العملية العسكرية إلى أن اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بات بحكم المنتهي، ولم يعد يشكّل إطارًا ناظمًا للعلاقة بين الإدارة السورية الجديدة وقسد، بعدما أصبح عمليًا خارج حسابات الطرفين.
البيان العسكري الذي أعلن بدء القصف لم يأتِ بصيغة تقنية جافة، بل حمل شحنة سياسية واضحة، إذ وصف المواقع المستهدفة بأنها قواعد عسكرية انطلقت منها طائرات انتحارية إيرانية باتجاه مدينة حلب، وأسهمت في قصف ريفها الشرقي ومنع الأهالي من مغادرة المنطقة.
هذه اللغة لم تُستخدم عبثًا، بل صيغت بعناية لربط العمل العسكري بثلاثة عناوين متداخلة: الأمن الوطني، وحماية المدنيين، والبعد الإقليمي. وبهذا، تسعى القيادة العسكرية السورية إلى تقديم القصف بوصفه ردًا دفاعيًا مشروعًا، لا مجرد حلقة جديدة في صراع نفوذ معقّد.
وتُعد مسكنة ودير حافر نقطتي تماس حسّاستين بين مناطق سيطرة الدولة السورية ومناطق نفوذ قسد، كما تمثلان عقدة مواصلات تربط ريف حلب الشرقي بعمق البادية وصولًا إلى دير الزور والرقة. ولذلك، فإن أي تحرك عسكري في هذه المنطقة لا يبقى محصورًا في نطاق جغرافي ضيق، بل يحمل رسائل مباشرة إلى مدينة حلب ومحيطها.
ويأتي هذا القصف عقب سلسلة من التصريحات المتلاحقة الصادرة عن هيئة العمليات، تحدثت بوضوح عن استعدادات ميدانية وضغوط عسكرية محتملة، وخيارات قد تتطور إلى عمليات أوسع في حال فشل المساعي السياسية. كما عززت التسريبات التي نقلتها وكالة «رويترز» عن مسؤولين عسكريين سوريين، بشأن جاهزية عدة فرق عسكرية وتحريك قوات بهدوء على جبهات دير الزور وريف حلب الشرقي، الانطباع بأن ما يجري ليس ردًا موضعيًا معزولًا، بل جزء من خطة تدريجية مدروسة.
وتعكس اللغة المستخدمة في البيانات العسكرية الأخيرة هذا التحول بوضوح، إذ لا تنتمي إلى خطاب التعبئة التقليدية أو الحرب النفسية، بل تشير إلى انتقال من مرحلة «إدارة النزاع» مع قسد إلى مرحلة «اختبار الإرادات».
فدمشق، وفق هذا الخطاب، لم تعد تكتفي بضبط الاشتباك أو إدارة التوازن الهش القائم منذ أكثر من عام، بل تحاول فرض معادلة جديدة على طاولة مفاوضات متعثرة، مستفيدة من تغير البيئة الإقليمية والدولية الداعمة لها.
ومن أبرز عناصر هذا الخطاب النداء المباشر الموجّه إلى المقاتلين السوريين داخل صفوف قسد، كردًا وعربًا، والدعوة الصريحة إلى الانشقاق والعودة إلى «الدولة والأهل». ويهدف هذا النداء إلى تفكيك قسد من الداخل أكثر مما يستهدف قيادته السياسية والعسكرية، عبر مخاطبة حالة الإنهاك الاقتصادي، والتململ الاجتماعي، والقلق الوجودي الذي يعيشه كثير من المقاتلين المحليين، في ظل غموض الموقف الأمريكي وتراجع الضمانات التي كانت توفرها واشنطن في السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، تحاول الدولة السورية إعادة تعريف طبيعة الصراع، مؤكدة أن المواجهة ليست مع الأكراد كمكوّن اجتماعي سوري، بل مع «ميليشيات PKK العابرة للحدود» و«فلول النظام البائد». ويهدف هذا التفريق السياسي إلى نزع الشرعية الوطنية عن قسد وتصويرها كأداة خارجية تهدد السيادة والاستقرار، مستندًا إلى خبرة دمشق الطويلة في استثمار الانقسامات داخل صفوف خصومها خلال سنوات الصراع.
ويبقى البعد الأمريكي عاملًا حاسمًا في هذا المشهد. فالمعلومات الواردة من دير حافر، على خلفية زيارة قائد القوات الخاصة الأمريكية إلى المنطقة ولقائه قيادات في قسد، من بينهم قادة في وحدات حماية المرأة، روهلات عفرين، وعضو القيادة العامة جيا كوباني، تشير إلى تحولات مهمة وأكثر وضوحا في الموقف الامريكي.
وحسب معلومات خاصة حصلت عليها «القدس العربي»، فقد أبلغ الجنرال الأمريكي القادة الأكراد بضرورة الانسحاب وتجنب المواجهة أو تحمّل نتائجها، رافضًا تقديم أي ضمانات تتعلق بمنع القوات الحكومية السورية من شن هجوم شرق نهر الفرات.
ويضع هذا الموقف قسد في موقع أكثر هشاشة مما كانت عليه في الأعوام الماضية، حين كانت الحماية الأمريكية أكثر وضوحًا وحسمًا، في وقت يبدو فيه أن الإدارة الأمريكية تتجه إلى نقل الشراكة في ملف «محاربة داعش» من قسد إلى الحكومة السورية.
في المقابل، تواجه قسد معادلة شديدة الصعوبة؛ فهي لا تستطيع القبول الكامل بشروط دمشق، التي تعني عمليًا إنهاء مشروع الإدارة الذاتية بصيغته الحالية، ولا تملك في الوقت ذاته ضمانات أمريكية كافية للاستمرار في سياسة كسب الوقت. ويُرجّح أن يؤدي الضغط العسكري، حتى لو بقي محدودًا، إلى فتح شقوق داخلية، وإعادة طرح أسئلة مؤجلة حول مستقبل الإدارة والمقاتلين والعلاقة مع الدولة المركزية.
وسط هذا التصعيد، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، بوصفه الوجه السياسي للمشهد. إذ يعترف المرسوم صراحة بالمواطنين السوريين الأكراد كجزء أصيل من الشعب السوري، ويقر هويتهم الثقافية واللغوية، في خطوة تهدف إلى الفصل بين المجتمع الكردي وقسد، وسحب الذرائع التي طالما رُفعت باسم «الدفاع عن حقوق الأكراد».
وتكمن أهمية المرسوم لا في لغته التصالحية فحسب، بل في معالجته لملفات تاريخية شديدة الحساسية، مثل إلغاء نتائج إحصاء عام 1962 في الحسكة، ومنح الجنسية السورية لمكتومي القيد، وهو ما يشكّل طيًّا لإحدى أكثر صفحات التمييز القانوني إيلامًا في تاريخ الدولة السورية. كما أن الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية، والسماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية، يمثل تحولًا نوعيًا في تعاطي السلطات مع المطالب الكردية.
ويضيف اعتماد عيد النوروز عطلة رسمية وطنية بعدًا رمزيًا لهذا المسار، في محاولة لدمج العيد في الذاكرة الوطنية الجامعة، وتقديمه كرمز للتعدد والتآخي لا كعنوان للانقسام. ويترافق ذلك مع التزام رسمي بتبني خطاب وطني جامع وتجريم التحريض القومي، في إشارة إلى إدراك الدولة أن المعركة ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضًا معركة سرديات وهوية.
في المحصلة، لا يمكن اختزال ما يجري اليوم في الشمال والشرق السوري بقصف دير حافر أو بمرسوم رئاسي معزول. فنحن أمام إعادة تموضع شاملة تجمع بين الضغط العسكري ومحاولات الاحتواء السياسي، في ظل قناعة لدى دمشق بأن الوقت يعمل لصالحها، وأن خصومها يمرون بلحظة تراجع استراتيجي. غير أن هذا المسار، رغم ما يحمله من فرص، يبقى محفوفًا بالمخاطر، إذ إن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع، ستكون نتائجها حاسمة في رسم ملامح سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، وحدود الممكن والمستحيل بين الدولة المركزية ووقائع النفوذ التي فرضتها سنوات الصراع.
- القدس العربي


























