يدخل السوريون عام 2026، وهم يقفون عند نقطة فاصلة بين مرحلتين: مرحلة إيقاف التدهور واحتواء الأزمات المتراكمة، ومرحلة الشروع التدريجي في بناء الدولة على أسس جديدة.
الأسئلة المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بما أنجزته الحكومة السورية منذ التحرير، بل بما إذا كان العام الجديد يسمح بالانتقال من منطق إدارة الطوارئ إلى منطق التخطيط المنظم للمستقبل. ما هي ملامح الطريق الذي تنوي الدولة سلوكه؟ وكيف ستبنى رؤيتها؟ ومتى ستتضح بما يكفي ليشارك المجتمع في دعمها ومساءلتها؟ وهل ستكون هذه الرؤية متكاملة، تجمع بين الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، أم ستبقى مقطعة إلى سياسات جزئية متفرقة؟
هذه الأسئلة تعكس حالة عامة لدى السوريين، الذين استقبلوا سقوط نظام الأسد بفرح عارم بعد عقود من الاستبداد والفساد، ثم وجدوا أنفسهم أمام بلد مثقل بالدمار، واقتصاد منهك، وأزمات داخلية وخارجية متشابكة تغذي بعضها بعضا.
وقد شهد عام 2025 بلا شك خطوات ملموسة في تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار الأمني، وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وفتح نوافذ محدودة للتعافي الاقتصادي. غير أن هذه الخطوات، على أهميتها، بقيت أقرب إلى إجراءات انتقالية منها إلى تعبير عن رؤية وطنية شاملة قادرة على استعادة الثقة وفتح أفق واضح للمستقبل.
عادة فإن الدول تقوم ببناء رؤى إستراتيجية متوسطة وطويلة المدى، تُفكك إلى مراحل تنفيذية، وتترجم سنويا من خلال خطط وزارية وموازنات عامة تعكس الأولويات الواقعية، إلا أن سوريا تحتاج قبل ذلك لوضع إطار وطني واضح المعالم، يحدد فيه مسار التخطيط لإعادة بناء الدولة على مختلف الصعد.
إن أخطر ما قد تواجهه دولة خارجة من صراع طويل هو الاستمرار في العمل دون بوصلة إستراتيجية جامعة، تماما كما أن التخطيط النظري المنفصل عن الواقع لا يقل خطرا، فالرؤية من دون أدوات تنفيذ تبقى خطابا، والعمل من دون رؤية يتحول إلى استنزاف للموارد وإضاعة للفرص.
القرارات الجزئية والإجراءات المؤقتة قد تخفف من حدة بعض الأزمات، لكنها لا تصنع استقرارا دائما ولا تؤسس لدولة قابلة للحياة.
ما تحتاجه سوريا اليوم هو إطار تخطيطي وطني يربط بين ما تحقق وما تعثر، ويحدد بوضوح أولويات المرحلة الانتقالية المقبلة، ويترجم هذه الأولويات إلى سياسات عامة، ثم إلى خطط تنفيذية وزارية، تنعكس بدورها في الموازنة العامة.
إعلان هذا الإطار، ولو بصيغة مبادئ وأولويات مرحلية، ليس ترفا سياسيا، بل شرطا لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحويل المواطن من متلقٍ للوعود إلى شريك في مراقبة التنفيذ ودعمه.
ومن خلال قراءة المشهد السوري، يمكن تحديد خمسة محاور رئيسية ينبغي أن تشكل أساس الأولويات الحكومية لعام 2026، لا بوصفها أهدافا نهائية قابلة للإنجاز خلال عام واحد، بل كمجالات عمل تأسيسية تبنى عليها إستراتيجيات الدولة في السنوات اللاحقة.
الاستقرار الأمني بوصفه سياسة عامة
الاستقرار الأمني لا يمكن أن يبقى رهين المعالجات الميدانية الظرفية. المطلوب هو الانتقال إلى التعامل مع الأمن كسياسة عامة، تعالج جذور العنف، وتعيد تنظيم المنظومة الأمنية على أسس مهنية واضحة، وتوحد المرجعيات وتحد من تعدد الجهات الفاعلة.
خلال عام 2026، يمكن التركيز على استكمال الإطار التنظيمي والحوكمي للقطاع الأمني، وتعزيز الشراكة مع المجتمعات المحلية، بما يرسخ الثقة ويحول المواطن إلى عنصر فاعل في حفظ الاستقرار.
الاقتصاد كرافعة للاستقرار
لا استقرار سياسيا من دون حد أدنى من التعافي الاقتصادي. غير أن بناء نموذج اقتصادي متكامل لسوريا الجديدة هو مهمة إستراتيجية تتجاوز عاما واحدا.
ما يمكن أن ينجز في 2026 هو تثبيت الاتجاه: دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تحسين بيئة الاستثمار، وإعادة توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات الإنتاجية. هذه خطوات انتقالية ضرورية لتهيئة الأرضية لرؤية اقتصادية أشمل تبنى لاحقا بمشاركة واسعة.
الإدارة العامة واستعادة الثقة
إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة تمر عبر الإدارة العامة. خلال عام 2026، يمكن للحكومة أن تركز على إصلاحات عملية قابلة للتنفيذ: توسيع رقمنة الخدمات، ربط التعيينات بالكفاءة، ووضع مؤشرات أداء واضحة للوزارات. هذه الإجراءات لا تعني اكتمال الإصلاح الإداري، لكنها تشكل إشارات جدية على تغيير نمط الحكم.
العدالة الاجتماعية وإعادة اللحمة
لا يمكن لأي مسار بناء أن ينجح دون معالجة الجراح الاجتماعية العميقة. الأولويات هنا يجب أن تركز على برامج دعم الفئات الأكثر تضررا، وفتح مسارات وطنية للمصالحة المجتمعية، والتقدم الجاد في ملف المعتقلين والمغيبين. هذه ليست ملفات يمكن إنهاؤها خلال عام، لكنها قضايا يجب أن يظهر فيها تقدم ملموس يعكس التزام الدولة بمسؤوليتها الأخلاقية والوطنية.
السياسة الخارجية كأداة تعافٍ
السياسة الخارجية تمثل أحد مفاتيح التعافي السوري. ما يمكن أن ينجز في 2026 هو تعميق نهج دبلوماسي عقلاني يركز على إعادة الاندماج الإقليمي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتحويل العلاقات الخارجية إلى رافعة للاستثمار ودعم الاستقرار الداخلي، بدل أن تكون ساحة صراع بالوكالة.
نحو عقلية تخطيط جديدة
يقف عام 2026 بوصفه عاما مفصليا، ليس لأنه سيشهد اكتمال البناء، بل لأنه يمكن أن يكون عام الانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية التخطيط المنظم للمستقبل. ما تحقق في 2025 يشكل قاعدة انطلاق مهمة، لكنه يحتاج إلى إطار وطني واضح، وأولويات معلنة، وأدوات تنفيذ قابلة للمتابعة والمساءلة.
سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف مسارها الوطني. التحديات جسيمة، لكن وضوح الاتجاه، وشفافية التخطيط، وربط الأهداف المرحلية برؤية إستراتيجية أوسع، يمكن أن يحول هذه التحديات إلى فرص.
الشعوب لا تنتظر الوعود، بل السياسات التي تمنحها الأمل، والتخطيط الواضح هو الخطوة الأولى لتحويل الأمل إلى مسار عمل مشترك نحو المستقبل.
- الجزيرة نت


























