تجتهد القيادة السورية للسيطرة على الأزمة مع قسد من خلال كل المسالك الممكنة، لاسيما محاولة الفصل ما بين هذا التنظيم وبين المكون الكردي السوري، وكذلك بين التنظيم وبين حزب العمال الكردستاني التركي، بل وحتى من خلال اعتبار أن قسد ذاتها تضم أجنحة متطرفة ترفض اتفاق اذار 2025، وأخرى معتدلة ووطنية تميل للاندماج بالدولة والوصول إلى حلول سلمية. بموازاة ذلك، ممارسة الدولة لحقها في احتكار العنف من خلال جهد عسكري تمكن من استعادة حيي الشيخ مقصود والأشرفية إلى حضن الدولة بسرعة وفعالية ومن دون تكاليف إنسانية. وهي ذاتها التي يجري تطبيقها اليوم في ديرحافر وسائر مناطق غربي الفرات، ومن المتوقع أن يكون لها أثر في تسهيل مهمة سيطرة الدولة على هذه المناطق.
كل ذلك تتم ترجمته بمقاربة واسعة تشمل مسارات ناعمة وخشنة، تتجاوز حسن النية وتقديم الضمانات، إلى مد الجسور التي من خلالها توفر للكثير من عناصر قسد للعبور من جبال الشتات لضفة دولة، تكفل حقوقهم الوطنية والفردية والثقافية. وهذا ما يؤسسه المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس الشرع، والذي لقي ترحيباً عميقاً من إربيل باعتباره أساساً للعمل عليه.
الميزة المهمة هنا هي أن القيادة السورية انتبهت إلى طبيعة هذه المهمة، التي تتعدى كثيراً عملية استرجاع أراضٍ، أو ضمان وحدة البلاد. فالأمر هنا يتعلق بأكثر من عقد من الانفصال عن الدولة والخضوع لسردية انفصالية، جعلت جيلاً كاملاً من الكرد لا يعرفون وطنا آخر غير الجغرافيا الضيقة التي يعيشون فيها، مستندين إلى سرديات قسد والعمال الكردستاني، بل أن الأمر يتعلق أيضاً بحالة استعداء ضد الدولة السورية، أملاً في جعل إعادة الاندماج أمراً صعباً ومعقداً.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فقد تلقت قسد دعماً أميركياً كبيراً طوال السنوات الماضية، بل أن قوات التحالف الدولي ضد داعش بقيادتها الأميركية تعتبرها قوتها على الأرض. ولذلك، كان هناك حرص أميركي على دعم قسد رغم الاعتراضات التركية، وهو دعم أصبح بعد سقوط النظام يتحدد بالعلاقة المتنامية مع دمشق، وتطور الموقف الأميركي ليبدي الحرص على وحدة الأراضي السورية وضرورة التوصل إلى آليات بين دمشق وقسد، تضمن سيطرة الدولة على كامل أراضيها وإدماج قسد ضمن مؤسسات الدولة لا سيما الجيش.
والحقيقة أن الموقف الأميركي ساعد كثيراً في تسهيل مهمة الحكومة السورية، ومنع محاولات التدخل لتفتيت سوريا، وبالأخص المحاولات الإسرائيلية. وما زال هذا الموقف يقوم بأدوار جوهرية للمساعدة في خفض التصعيد، وفي الوقت نفسه التأكد من حرص الحكومة السورية على حقوق الأكراد وأمنهم.
إلا أن هناك بعداً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالامتداد الإقليمي، سواء لقسد أو للمكون الكردي ذاته. هذا البعد، كان قليل التأثير في سوريا قبل الثورة، بسبب محدودية عدد الأكراد قياساً لكل من تركيا وإيران العراق، والمركزية الشديدة التي كان يعتمدها النظام. لكن الامتداد الإقليمي تعاظم بشدة خلال سنوات سيطرة قسد على شمال شرق سوريا، حيث تداخلت التجمعات الكردية بين كل من سوريا وتركيا والعراق، وهيمن حزب العمال الكردستاني PKK بشكل قوي وواسع على جزء من قيادات قسد، وباتت المناطق الحدودية الشمالية بين العراق وسوريا مفتوحة تقريباً، لاسيما بعد القضاء على داعش، واستيلاء قسد على جزء كبير من الأراضي التي سيطر عليها التنظيم قبل ذلك.
لقد تكرس البعد الإقليمي لوضع الأكراد شمال شرق سوريا بشكل كبير، ومع كردستان العراق بشكل خاص، وتحول إلى تقارب أمني واقتصادي واجتماعي. ومع طول الأمد، بدأت أربيل تتعامل مع موضوع قسد وأكراد سوريا بوصفها جزءاً من انشغالاتها القومية والإنسانية وحتى الاقتصادية، مع وجود عشرات الآلاف من الأكراد السوريين في كردستان العراق، كتجار وعاملين.
كان يمكن ملاحظة حرص الرئيس مسعود البارزاني مثلاً على إصدار بيان حثَ فيه الحكومة السورية على مراعاة مصالح وحقوق وأمن الاكراد عند بدء العمليات في حلب، وهو ما رد عليه الرئيس أحمد الشرع بالاتصال الهاتفي لتقديم تطمينات حول نوايا دمشق. كان هذا تواصلاً مفيداً في لحظة فارقة، يستثمر التأثير المهم للزعيم الكردي العراقي في تهدئة المخاوف الكردية، وربما في تشجيع الأجنحة المعتدلة في قسد. لكن ما حدث لاحقاً مع قناة شمس التي تبث من أربيل، ورفضها بث المقابلة التي أجراها مديرها مع الرئيس الشرع، يعيدنا لتقييم موقف أربيل.
بالطبع، لا يمكن الركون إلى ما قاله مدير المحطة لتبرير قرار عدم بث المقابلة في اللحظة الأخيرة. فذلك كان مبرراً غير مقبول مهنياً، وكان من الواضح بجلاء أن أربيل لم تشأ أن تكون طرفاً في نزاع مع جهات كردية سورية، ربما وجدت أن منح الرئيس الشرع منبراً من محطة محسوبة على الأكراد سيمنحه مصداقية، تجعل لكلماته تأثيراً مضاعفاً على الأكراد السوريين، وربما حتى على عناصر من قسد، تزيد من تعقيدات الأخيرة في السيطرة على الشارع الكردي والعربي في مناطقها، وربما قام هؤلاء بالضغط على حكومة كردستان العراق لوقف بث المقابلة واختراع أي حجة لتبرير ذلك.
هذا مجرد نموذج للبعد الإقليمي وتأثيره، لا سيما مع كردستان العراق، إذ أنها بالطبع هي التجربة الأنضج سياسياً في المنطقة، والتي يمكن أن تقدم مساعدة جوهرية لتقريب وجهات النظر مع قسد وتحجيم العناصر المتطرفة. ويبدو ذلك بوضوح في لغة بيان نيجرفان بارزاني تعليقاً على المرسوم الرئاسي السوري، باستعداده للقيام بدور الضامن أو الوسيط، خصوصاً في ضوء الاجتماعات الجارية بحضوره بين توماس باراك ومظلوم عبدي. وربما سيكون مفيداً للغاية إرسال وفد سياسي عالي المستوى إلى أربيل لتهدئة المخاوف والاتفاق على المشتركات، والاستفادة من قدرات أربيل في الدفع نحو حل سياسييقصر الطريق ويقلل الكلفة العسكرية والإنسانية في المنطقة برمتها، خصوصاً أن بعض التيارات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني لا تزال تراهن على انفجار إقليمي محتمل، في حال سقط النظام الإيراني أو واجه اضطرابات كبرى، أملاً في إحياء مشروع الدولة القومية. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن ما تقوم به الحكومة السورية، مضافاً إلى جهود إقليمية محسوبة، قد يشكل شبكة احتواء فعالة تمنع ارتدادات ذلك التحول من تهديد استقرار الدول المجاورة.
- المدن


























