في المشهد الذي يتشكّل شرقي حلب وصولاً إلى دير حافر ومحيط الرقة، يصبح من الصعب التعامل مع ما يجري بوصفه مساراً عسكرياً منفصلاً عن السياسة أو مجرد تطور ميداني في صراع مفتوح.
ما يُعاد رسمه هنا هو توازن مختلف، قاعدته الأساسية ليست عدد القرى التي دخلها الجيش السوري ولا سرعة الانتشار، بل القرار السياسي الذي سبق النار ورافقها، والمتمثل بالمرسوم الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع والمتعلق بحقوق المواطنين السوريين الكرد.
هذا القرار لا يمكن وضعه في مرتبة موازية للتحرك العسكري، بل يتقدّم عليه من حيث الأثر والوظيفة. فالسيطرة على دير حافر، مهما بلغت أهميتها، تبقى قابلة للتبدل أو لإعادة التفاوض حولها، بينما المرسوم أعاد صياغة الإطار الذي يُدار داخله الصراع كله، هو نقل المواجهة من منطق إدارة الوقائع بالقوة إلى منطق إعادة تعريف الشرعية السياسية، ومن خطاب السلاح إلى خطاب الدولة.
الاتهامات المتبادلة حول خرق التفاهمات، ووقوع قتلى من الجيش السوري، ثم تسارع دخول القوات وانتشار المدرعات، كلها مؤشرات على أن ميزان القوى كان يميل بوضوح لمصلحة الدولة السورية..
على الأرض، أظهرت المواجهة في دير حافر حدود قدرة “قوات سوريا الديمقراطية-قسد” على الصمود في مناطق ذات غالبية عربية، كما كشفت أن قرار الانسحاب لم يكن خطوة واثقة بقدر ما كان محاولة لتفادي خسائر أكبر، وامتصاص اندفاعة دمشق المتسارعة.
الاتهامات المتبادلة حول خرق التفاهمات، ووقوع قتلى من الجيش السوري، ثم تسارع دخول القوات وانتشار المدرعات، كلها مؤشرات على أن ميزان القوى كان يميل بوضوح لمصلحة الدولة السورية، غير أن هذه التفاصيل، على أهميتها العملياتية، لا تفسّر وحدها لماذا بدت “قسد” في موقع أضعف سياسياً مما كانت عليه في أي جولة سابقة.
السبب الجوهري يكمن في أن الشرع اختار أن يفتح المعركة من بوابة مختلفة، المرسوم المتعلق بحقوق الكرد السوريين لم يُطرح كردّ فعل، ولا كخطوة لاحتواء ضغط خارجي، بل كجزء من رؤية تهدف إلى تفكيك الأساس الذي قامت عليه سردية “قسد”، طوال السنوات الماضية، الاعتراف الصريح بالهوية الثقافية واللغوية، وإلغاء آثار إحصاء 1962، ومنح الجنسية للمكتومين، كل ذلك سحب من يد “قسد” الادعاء بأنها الطرف الوحيد القادر على انتزاع الحقوق أو حمايتها.
بهذا المعنى، لم يعد الصراع يدور حول من يسيطر على دير حافر أو مسكنة، بل حول سؤال أعمق: من يمتلك مشروعية تمثيل الكرد السوريين؟ المرسوم أجاب على هذا السؤال بلغة الدولة والقانون، لا بلغة البيانات العسكرية، وهو بذلك وجّه رسالة مزدوجة؛ الأولى للكرد السوريين أنفسهم، مفادها أن مكانهم الطبيعي في بنية الدولة وصناعة قرارها، والثانية لـ”قسد”، بأن الاستثمار في خطاب المظلومية بات بلا رصيد فعلي.
التزامن بين القرار السياسي والتحرك العسكري لم يكن مصادفة، فالمرسوم أدخل إلى المواجهة كأداة ضغط نوعية، لا لتبرير القوة، بل لتحجيم الحاجة إليها، لقد نُقلت “قسد” من موقع الطرف الذي يفاوض باسم قضية، إلى موقع تنظيم مسلح يفتقر إلى الغطاء الأخلاقي والسياسي الذي كان يتكئ عليه، وبعد هذه الخطوة، أصبح أي استمرار في القتال مكلفاً لها على مستوى جمهورها، لا فقط على مستوى انتشارها.
الأبعد من ذلك، أن هذا المسار يرّسخ تحولاً أوسع في طريقة تعامل الدولة السورية مع المشاريع الانفصالية، بدل الإنكار أو القمع الأعمى، جرى الفصل بوضوح بين المكوّن الاجتماعي المشروع، الذي تُعاد له حقوقه كاملة، وبين البنية العسكرية التي تحاول توظيف هذا المكوّن لخدمة مشروع سياسي خاص.
هذا الفصل يسحب من التنظيمات المساّحة القدرة على الاختباء خلف الهويات، ويعيد تعريف الصراع بوصفه صراعاً على السلطة والسيادة، لا على الحقوق والوجود.
ما يجري اليوم يتجاوز استعادة مناطق أو تثبيت خطوط سيطرة، ما يُعاد بناؤه هو مفهوم الدولة نفسها، وحدود علاقتها بمكوناتها، وكيفية إدارتها للتنوع من دون أن يتحوّل إلى أداة تفكيك..
في هذا السياق، يبدو واضحاً أن أي مبادرة سياسية جديدة، سواء عبر أربيل أو من خلال الاتصالات الأميركية التي يقودها المبعوث توماس باراك مع قائد “قسد” مظلوم عبدي، ستنطلق من معطيات مختلفة تماماً.
دمشق لم تعد تدخل هذه المسارات وهي في موقع الدفاع أو البحث عن تسويات اضطرارية، بل وهي تحمل ورقة سياسية ثقيلة تعيد ترتيب شروط النقاش وحدوده، المرسوم، هنا، لم يكن خطوة مرافقة للتقدم الميداني، بل عاملاً أعاد صياغة المشهد الذي سيجري التفاوض داخله.
النتيجة الأهم أنّ ما يجري اليوم يتجاوز استعادة مناطق أو تثبيت خطوط سيطرة، ما يُعاد بناؤه هو مفهوم الدولة نفسها، وحدود علاقتها بمكوناتها، وكيفية إدارتها للتنوع من دون أن يتحوّل إلى أداة تفكيك، في هذا الإطار، يمكن القول إن قرار الشرع أصاب جوهر المشكلة، لا أعراضها، ووضع خصومه أمام معركة خاسرة في معناها قبل أن تُحسم على الأرض.
- تلفزيون سوريا


























