لم تكن السياسة في سوريا، طوال أكثر من نصف قرن، مجالاً طبيعياً للمشاركة أو حقاً مكفولاً للمواطن، بل شكلت على الدوام خطراً وجودياً عرّض صاحبه للاعتقال أو الإعدام أو النفي. هذا الإرث الثقيل الذي تركه نظام البعث والأسد لم يختفِ بسقوطه، بل ما زال حاضراً في الوعي الجمعي وفي البنية الإدارية والقانونية، ما جعل الانتقال نحو حياة سياسية طبيعية مَهمة شديدة التعقيد.
فمنذ استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، فُرضت حالة الطوارئ وأُغلقت الصحف، وتوالت القوانين التي قيّدت الحريات والنشاط الاقتصادي. قوانين “حماية الثورة” و“مقاومة النظام الاشتراكي” في 1964 و1965، ثم المرسوم التشريعي 14 لعام 1968 الذي منح عناصر المخابرات حصانة شبه مطلقة، وصولاً إلى المرسوم 68 لعام 2008 الذي وسّع تلك الحصانة لتشمل بقية الأجهزة، كل ذلك أسس لبيئة سياسية مغلقة لا مكان فيها للمساءلة أو المشاركة.
ولإحكام السيطرة، أنشأ نظام الأسد محاكم استثنائية مثل محكمة أمن الدولة العليا ومحاكم الميدان العسكرية، التي استخدمت لمحاكمة المعارضين في جلسات سرّية تفتقر لأي ضمانة قانونية. وفي عام 1973 جاء الدستور الدائم ليمنح الرئيس صلاحيات مطلقة، ويكرّس حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع. ثم جاء القانون 49 لعام 1980 ليجرّم الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين بعقوبة الإعدام، في خطوة رسّخت منطق الإقصاء القانوني للخصوم.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حاول نظام الأسد الالتفاف على مطالب الناس عبر مراسيم شكلية، أبرزها المرسوم 55 الذي منح الأجهزة الأمنية صلاحية توقيف الأشخاص حتى ستين يوماً، ثم قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 ومحكمة الإرهاب رقم 22 عام 2012، اللذين تحولا إلى غطاء قانوني لقمع الاحتجاجات. وهكذا، تحوّل القانون إلى أداة لإسكات المجتمع وتجريم السياسة.
على مدى عقود، حُرم السوريون من حق التنظيم السياسي، ومنعوا من تشكيل الأحزاب، وصودرت النقابات، وأُخضعوا لرقابة أمنية خانقة. هذا المنع المديد لم يُقصِ السياسة فحسب، بل جرّد المجتمع من أدواتها، وحوّلها إلى نشاط سرّي محفوف بالمخاطر.
لكن غياب العمل السياسي المعارض لم يكن نتيجة القمع وحده، بل أيضاً نتاج انقطاع طويل في الخبرة التنظيمية، وارتباطات خارجية أضعفت استقلالية القرار الوطني. فعندما بدأت المعارضة تتشكّل بعد 2011، ظهرت انقسامات أيديولوجية ومناطقية وطائفية، وافتقرت كثير من المبادرات إلى رؤية وطنية جامعة.
المجلس الوطني، هيئة التنسيق، الائتلاف، جميعها عانت من خلافات داخلية وتنافس على التمثيل وارتهان لجهات إقليمية. أما المعارضة المسلحة، فغلب عليها الطابع الفصائلي، وتداخلت فيها الحسابات العسكرية بالدينية دون مشروع سياسي واضح.
وفي ظل غياب إعلام حر داخل سوريا، تحوّل الإعلام الخارجي إلى المصدر الأساسي لتشكيل الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من السوريين. لعبت القنوات الفضائية والمنصات الرقمية دوراً مهماً في فضح جرائم النظام، لكنها في كثير من الأحيان خضعت لأجندات الدول الممولة، ما جعلها أداة توظيف سياسي أكثر من كونها مساحة للنقاش الوطني. هذا التداخل بين الإعلام والسياسة، في غياب إعلام وطني مستقل، عمّق أزمة الثقة ورسّخ الانقسامات.
ومع سقوط نظام الأسد، توقع كثيرون انفجار الحياة السياسية، لكن ما حدث كان فراغاً واسعاً. صحيح أن السلطة الجديدة حظيت بتأييد شعبي، إلا أنه بقي عاطفياً ودينياً، لم يتحول إلى مشروع سياسي منظم. لم تُبنَ مؤسسات حزبية، ولم تظهر تنظيمات مدنية قادرة على التعبير عن التنوع السوري.
تماماً كما هو حال الكتلة الوطنية السورية بقيادة هيثم مناع، والمجلس السياسي لوسط وغرب سوريا بطابع طائفي والذي بدأ ينفرط عقده، والأحزاب الكردية والسريانية وحزب اللواء في السويداء ذات الحضور المناطقي، كل هذه المبادرات لم تنجح في بناء خطاب وطني جامع.
وفي خطوة أثارت نقاشاً واسعاً، أصدر وزير الخارجية في آذار 2025 قراراً بإنشاء “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، من مهامها الإشراف على إدارة النشاطات والفعاليات السياسية في سوريا. ورأى كثيرون في هذه الخطوة إعادة إنتاج لآليات الوصاية السابقة، خاصة مع تعيين مندوبين لها في المحافظات.
هذا الإجراء، وإن جاء في سياق مرحلة انتقالية معقدة، أثار مخاوف من أن تتحول الأمانة إلى مركز توجيه سياسي شبيه بالدور الذي كانت تمارسه القيادة القطرية لحزب البعث المنحل وفروعه في ضبط الحياة السياسية والنقابية.
المشكلة اليوم في سوريا ليست فقط غياب الأحزاب والنقابات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني، بل غياب الثقة بالعمل السياسي ذاته. السوريون الذين عاشوا عقوداً يرون السياسة مرادفة للاعتقال والتعذيب والنفي، لا يزالون يحملون ذاكرة مثقلة بالخوف تجعلهم يترددون في الانخراط، حتى بعد سقوط النظام. هذا الانعدام في الثقة لا يُعالج بالخطاب وحده، بل يحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية جديدة تضمن أن السياسة لم تعد خطراً وجودياً، بل حقاً ومجالاً للمشاركة.
ولكي تستعيد السياسة حضورها في المجتمع السوري بعد عقود من المصادرة، لا بد من خطوات عملية واضحة، تبدأ بتحرير المجال العام من إرث الخوف عبر مراجعة القوانين الاستثنائية، وضمان حرية التنظيم والعمل السياسي دون وصاية. كما يتطلب الأمر إعلاماً وطنياً مستقلاً يتيح النقاش العام، وأمناً محايداً لا يتدخل في الحياة السياسية، إضافة إلى دعم المبادرات المدنية الناشئة وتشجيع مشاركة الشباب والنساء.
ولا يمكن لأي مسار سياسي أن ينجح دون عدالة انتقالية تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتضمن أن الماضي لن يتكرر. هذه الخطوات، وإن بدت بسيطة، تشكل الأساس الضروري لولادة حياة سياسية حقيقية في سوريا الجديدة.
- الثورة السورية



























