ليست السياسة دائماً مساراً بطيئاً تُديره الجولات التفاوضية والوساطات والبيانات الدبلوماسية. فأحياناً تتصرّف كزلزالٍ منضبط، لا يُهدم لمجرّد الهدم، وإنما يعيد ترتيب الواقع وفق منطقٍ جديد. هذا بالضبط ما شهدته سوريا خلال عشرة أيام فقط. سلسلة أحداث متلاحقة بدأت من أحداث حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وانتهت إلى لحظة كان يصعب تخيّلها قبل أسابيع، متمثلةً في الاتفاق الذي يعني عملياً تفكيك قسد بوصفها مشروعاً مستقلاً نهائياً، وتحويلها من كيانٍ سياسي-عسكري موازٍ إلى تفصيلٍ قابل للدمج والتلاشي.
وحين يُعاد تأمل هذه السرعة في المستقبل، فسيطلّ معنىً لافت يكاد يكتب نفسه، ويقول إن سوريا التي تحررت في أحد عشر يوماً، تبدو وكأنها تتوحَّد في عشرة؛ وكأن التاريخ يُصرّ على القول إن زمن الانعطافات الكبرى قد عاد، وإن الإيقاع الجديد لم يعد يسمح بإطالة الفصول المفتوحة إلى ما لا نهاية.
في القراءة المتأنية، نحن أمام انتقالٍ سريع من “المنطقة الرمادية” التي عاشت عليها قسد عقداً كاملاً، إلى لحظة “الوضوح القاسي”؛ حيث تتعرّى الأشياء من ديكورها، ويظهر معدنها الحقيقي. ذلك أن الأرض نفسها كانت قد وصلت إلى أقصى ما تحتمل من التشظي، ولأن ميزان القوى –في الجوهر– كان قد مال منذ زمن، لكنه كان ينتظر اللحظة التي تقرر فيها الدولة أن تتقدّم خطوةً كبيرة فتُسقط عشرات الأقنعة دفعة واحدة.
بدأت القصة، في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، بما بدا ظاهرياً حدثاً أمنياً واحتكاكاً محلياً ضمن سياق حسّاس ومعقّد. لكن جوهرهما كان أكبر بكثير. فقد كانا اختباراً سيادياً للدولة السورية الجديدة، يطرح أسئلةً كبرى: هل تستطيع ضبط الإيقاع في أكثر المناطق تداخلاً، دون الوقوع في فخّ الاستنزاف أو الانتقام أو الفوضى؟ وهل تستطيع تحويل الملف الكردي من وقود حرب أهلية متوقعة، إلى بوابة اندماج وطني مضبوط؟ هنا تحديداً، لم تكن النار في الزاوية مجرد نارٍ محلية، وإنما محاولة لخلق نموذجٍ صغير عن “سوريا المتنازَع عليها”، سوريا التي لا تنتهي فيها السكاكين من اللعب على حافة الهاوية.
غير أن الدولة قررت أن تقرأ المشهد قراءة مختلفة. أن يكون ردّها هادئاً مضبوطاً، لا يشتري الذعر ولا يتاجر بالمشاعر. وهذا الهدوء لم يكن ضعفاً بقدر كونه ثقةً بمعادلات جديدة تتكوّن، وبأن كل استعراض على الأرض ستتجاوزه الحقائق خلال أيام. فالدولة التي تهتزّ أمام الاستفزازات تُدار من الخارج، أما الدولة التي لا تُستدرج، فهي التي تجرّ الخصوم إلى ميدانها، ميدان القانون والسيادة، لا ميدان الأعصاب.
ثم جاءت لحظة دير حافر لتُضيف إلى الاختبار السياسي اختباراً من نوعٍ آخر يتمثل في السيطرة على الأرض حين تُصبح “الجغرافيا” هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الخصم. من هنا، فإن تحرير دير حافر لم يكن مجرد تقدّمٍ ميداني، بقدر كونهِ كسراً لمفتاحٍٍ نفسيّ لدى الطرف الذي اعتاد بناء هيبته على صورة “الحيّز المحرَّم” الذي لا تقترب منه الدولة. ومع دير حافر، بدا أن شيئاً ما قد انزاح نهائياً: إذ لم تعد الدولة تتقدم لتُفاوض.. وإنما لتُثبّت وقائع. وما إن بدأت ملامح الطبقة تلوح في خطاب الجيش والتحركات المرافقة، حتى تحوّل المشهد من معركة نقاط إلى معركة مفاصل.
فمن يملك الطبقة يملك بوابة الرقة، ومن يضع قدمه على طريقها يضع يده على مفصل غرب الفرات كله. وهكذا، بدا كأن السبحة انفرطت فجأة في مشاهد تقدّمٍ سريع، وفراغٍ يتسع، وانهيارٍ في شبكة التوازنات القديمة، وإذا بالجيش يدخل الرقة بوصفها رمزاً لانتهاء مرحلةٍ كاملة.
وفي اللحظة نفسها تقريباً، كانت العشائر العربية تُطلق انتفاضتها الكبرى لتحرّر دير الزور، وبحيث كان هذا الحدث الذي أعلن بصوتٍ واضح أن الشرق لم يعد قابلاً للتأجير السياسي، وأن من ظنّ أنه يملك الناس بالشعارات اكتشف أن الناس يملكون أرضهم بالعصب والهوية؛ وأن “الوظيفة” التي مُنحت لقسد لعشر سنوات تبدأ بالذوبان فور ظهور الدولة، وفور انتقال القبائل من موقع المراقبة إلى موقع الفعل. وفي تلك اللحظة، كان لا بد أن يأتي القرار السياسي الكبير كتتويجٍ لواقعٍ تشكّل على الأرض بسرعةٍ خاطفة.
فجاءت لحظة المرسوم الرئاسي الخاص بضمان الحقوق الكردية دستورياً وقانونياً، في ذروة الاحتقان والمواجهة، وفي توقيت بدا للبعض “مغامرة”، لكن القراءة الاستراتيجية تقول العكس تماماً. ذلك أن هذا النوع من القرارات ليس أخلاقياً فقط؛ إنه قرار عسكري-سياسي في العمق. فعندما تسحب من خصمك الذريعة الأخلاقية والقانونية التي يتكئ عليها، فأنت لا تتنازل؛ وإنما تنزع صاعق شرعيته.
ولقد كان المرسوم إعلاناً بأن الدولة قررت أن تحارب خصومها بأكثر الأسلحة فعالية، متمثلاً في سحب أسباب الحرب قبل أن تقع. وأن تُغلق الباب الذي عاش عليه مشروع الوكالة سنوات، متمثلاً في شعارات “حماية الأقليات” و”الحقوق” و”التمييز”. فإذا تحوّلت الحقوق إلى ضمانة وطنية معلنة، صار الاستثمار الخارجي في الورقة الكردية أقل جدوى، وصارت أي محاولة لاستكمال مشروع الانفصال مكشوفةً بوصفها خروجاً عن الوطن لا دفاعاً عنه.
على أن التحوّل الأكبر لم يكن عسكرياً فحسب؛ وإنما سردياً أيضاً. فطوال عقد كامل، لم تكن قسد بندقيةً فقط بقدر كونها “رواية”ً وقصةً مصنوعة بعناية لتقديمها للعالم بوصفها “قوة ضرورية” و”حليفاً لا غنى عنه” و”نموذجاً سياسياً حديثاً”. غير أن الأيام العشرة الأخيرة كشفت حقيقةً مركزية تتمثل في أن الروايات تُباع في الظلام.. لكنها تنهار في ساعة الوقائع. وما إن يبدأ ميزان القوة الحقيقي بالظهور حتى يهرب تجّار الأوهام، ويغادروا المشهد كما يغادر الممثل الخشبة بعد انتهاء دوره، تاركين من صدّقهم تحت المطر بلا مظلة.
وإذا كان ثمة درسٌ استراتيجي من هذه الأيام القليلة الكثيفة، فهو أن الدولة السورية الجديدة لم تكن تسير برد فعلٍ عصبي، ولم تكن تُدار بالغضب. وإنما كانت تعمل بمنطق واضح. فهي لا تفضح المعادلات قبل أوانها، ولا تتباهى بما لا يلزم، ولا تفتح فمها كثيراً كي لا تُربك يدها. وهذا ماجعل هدوؤها لافتاً: لا استنفار لغوي، لا صراخ، لا “تشنج دولة” أمام مظاهر انفصال أو استفزاز، وإنما سلوكٌ يوحي بأنها تعرف أكثر مما تقول، وأنها تمسك بخيوط المشهد على مهل، لأن من يمسك بالمشهد لا يحتاج إلى رفع صوته.
من الأشرفية والشيخ مقصود إلى الاتفاق الذي يغلق ملف قسد بوصفها مشروعاً مستقلاً، لم تكن سوريا مجرد ساحة أحداث، وإنما كانت تعيد تعريف ذاتها، دولةً واحدة، وعقلاً سياسياً جديداً، وسقفاً وطنياً لا يسمح لراية الزيف ولا لرواية الزيف أن تبقى مرفوعةً فوق الأرض.
عشرة أيام فقط كانت كافية لإعلان الحقيقة التي تهربُ منها كل الأوهام: حين تظهر الدولة، ينتهي دور الوكلاء. وحين تتقدم الحقيقة إلى الضوء، لا يبقى للزيف إلا مكانه الطبيعي.. على هامش التاريخ.
- الثورة السورية



























