تُعد التحولات المتسارعة التي شهدتها منطقة شرق الفرات مؤخراً نموذجاً كلاسيكياً في دراسات العلوم السياسية حول “نهاية الأدوار الوظيفية” للقوى غير الدولتية. فبعد سنوات من التمدد العسكري والسياسي الذي حظيت به “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، انتهى بها المطاف إلى حالة من التفكك البنيوي والذوبان داخل مؤسسات الدولة المركزية،
وهو مآل لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات من الأخطاء الاستراتيجية والمراهنات الخاسرة على التوازنات الدولية مقابل تجاهل الحقائق الجغرافية والاجتماعية.
يمكن تأطير سقوط مشروع “قسد” ضمن ما بات يُعرف بـ”لحظة كابول”؛ وهي النقطة الزمنية التي تكتشف فيها القوى المحلية أن فائض القوة الذي كانت تتحرك به ليس ذاتياً، بل هو استعارة مؤقتة من قوة عظمى تمتلك “رفاهية التخلي”. لقد سقطت قيادة “قسد” في فخ الاعتقاد بأن التحالف التكتيكي مع واشنطن لمحاربة الإرهاب قد تحول إلى التزام سياسي دائم بدعم كيان انفصالي أو شبه مستقل.
هذا الانكشاف الاستراتيجي جعل من “قسد” هيكلاً بلا حماية بمجرد تبدل الأولويات الدولية، حيث أدركت متأخرة أن المشاريع التي تنشأ في “فراغات القوة” تظل محكومة بصلاحية وظيفية تنتهي بانتهاء الحاجة إليها، لتجد نفسها في مواجهة جغرافيا لا تعترف إلا بسيادة الدولة الوطنية.
عسكرياً، لم تكن الهزيمة ناتجة عن نقص في العتاد أو التحصينات الهندسية، بل كانت تعبيراً عن “انهيار دفاعي متسلسل” ناجم عن تصدع الجبهة الداخلية. فالمشروع الذي قُدّم بوصفه تحالفاً “ديمقراطياً” عجز عن ردم الفجوة بين نواته الصلبة وبين الغالبية العربية في مناطق سيطرته.
لقد أدى التهميش السياسي والاجتماعي للعشائر العربية إلى تحويلها من “حاضنة مفترضة” إلى “عامل ضغط داخلي” سهّل اختراق المنظومة الدفاعية. ومع تحرك القوات الحكومية بتكتيكات ميدانية مرنة (مثل العبور النهري)، تهاوت الخطوط الدفاعية لـ “قسد” كأحجار الدومينو، لأن المقاتلين الميدانيين افتقدوا العقيدة القتالية التي تربطهم بالأرض التي يدافعون عنها، مما حول “المقاومة الأسطورية” الموعودة إلى مجرد محاولات يائسة لتأخير التقدم.
تُشير القراءة المتعمقة للمسار التفاوضي إلى أن قيادة “قسد” مارست نوعاً من “المقامرة الاستراتيجية” عبر رفضها المتكرر لعروض دمشق. ففي مطلع عام 2026، عُرضت صيغة للإدماج الإداري والسياسي كانت تضمن حداً أدنى من الخصوصية، إلا أن رهان “قسد” على عامل الوقت وتدخل القوى الخارجية أدى إلى ضياع تلك الفرصة.
اليوم، تجد “قسد” نفسها مضطرة لقبول شروط “العودة الكاملة” التي لا تتضمن أي تميز سيادي، حيث جرى تحويل هيكلها العسكري من “وحدات منظمة” إلى “أفراد” منخرطين في الجيش السوري، وتسليم المعابر الحدودية للسلطة المركزية، وهو ما يعني عملياً نهاية “مشروع الإدارة الذاتية” وتحوله إلى مجرد ذكرى عابرة في تاريخ الصراع السوري.
جاءت المبادرات السياسية والتشريعية الأخيرة من قبل رئاسة الدولة السورية، لا سيما فيما يخص الحقوق الثقافية والوطنية للأكراد، لتمثل “الضربة القاضية” لمشروع “قسد”. فمن خلال دمج المطالب الكردية ضمن الإطار الوطني الجامع، جُردت القيادات الانفصالية من مبررات وجودها السياسي، مما سهل قبول القوى الدولية (بما فيها الولايات المتحدة) للواقع الجديد.
إن تحول قادة “قسد” من “جنرالات” يقودون تحالفاً مدعوماً دولياً إلى “موظفين” أو “محافظين” يتبعون للنظام الإداري للدولة (كما يشارع حول احتمال تعيين مظلوم عبدي محافظاً للحسكة)، هو التجسيد الأوضح لعودة الأمور إلى نصابها الطبيعي؛ حيث تذوب السلطات الموازية في بوثقة السيادة الوطنية بمجرد استعادة الدولة لزمام المبادرة.
إن تجربة “قسد” تظل درساً بليغاً في أن الاستقواء بالخارج على حساب التوازنات الوطنية والاجتماعية هو مسار محتوم بالفشل. فالشرعية لا تُستمد من الغطاء الجوي العابر، بل من الاندماج في النسيج الوطني والاعتراف بحقائق الجغرافيا السياسية التي تؤكد دائماً أن “الدولة” هي الثابت الوحيد في معادلة الاستقرار.
- الثورة السورية



























