تكاد مرحلة قسد أن تنتهي بأقل خسائر ممكنة، وذلك سيغلق ملفاً معقداً، ويفتح الباب نحو تطور آخر في مسيرة سوريا. في الوقت ذاته، قام الأميركيون بنقل آلاف السجناء المحسوبين على داعش إلى العراق. وهذا كان أيضاً لصالح سوريا للتخلص من عبء هؤلاء وحراستهم ومحاكمتهم وغلق ملفاتهم، ما قد يستغرق سنوات من جهد شاق ومحفوف بالمصاعب والتكاليف التي تضيف إلى أعباء سوريا الكثير.
حسم هذين الملفين سيكون تقدماً ملفتاً في جهود الانتقال في سوريا إلى مرحلة الاستقرار وضمان وحدة التراب والسيادة على كافة الأراضي والمواقع الحدودية. إلا أن بلوغ الاستقرار وعودة المؤسسات إلى كافة أنحاء البلاد، والانتهاء من آثار وتداعيات السنوات القاسية الماضية، لن يتحقق بمجرد سيطرة الدولة على دير الزور والرقة ومحاصرة الحسكة وعين العرب. فالأمر لا يتعلق فقط بقسد، ونواياها، ولا بالخاصرة المعقدة في السويداء والقنيطرة، بل أيضاً يتعلق بالسيطرة الحقيقية على الصراع المجتمعي والأحقاد المتبادلة، بسبب سنوات من القهر والظلم والمجازر، التي مع مرور الوقت قد تكون كيانات صغيرة، وربما مجهرية، تتعود العيش من دون حاجة إلى انتماء أو دولة، وبسبب الاضطرار أو الطموحات والأطماع أو بسبب فراغ السلطة، تآلفت مع حكم نفسها بنفسها، ما يعني مواجهة جيل كامل لا يعرف غير قياداته المحلية من زعامات عشائرية ومناطقية، وبنى لنفسه مؤسساته الخاصة وجيوشه المحلية، متسلحاً بعصبياته وانحيازاته. وكانت تلك هي الصورة غير المرئية خارج “سوريا المفيدة” كما كان يحلو لنظام الأسد أن يسميها.
إعادة إدماج هذه التشققات المجتمعية لا يقل خطورة وصعوبة عن إنهاء تمرد قسد أو الهجري أوأي جماعات متمردة في الساحل، بل أنها ربما تكون أكثر تعقيداً بالنظر الى أنها تحتاج إلى ما هو أكثر كثيراً من القوة التي تجيدها القوات الأمنية السورية، وأنها تحتاج إلى نضج قيادي خاص وجهد حكومي ومؤسسي ووقت، لإقناع جيل التصدعات بأنه ينتمي لوطن كبير مركزه في دمشق، وأن مآسيه التي اضطرته لإدارة نفسه وتنصيب قياداته الخاصة وبناء جيشه المحلي قد انتهت أو تكاد، وقد حان وقت العودة لسوريا الموحدة، ليس بالجغرافيا فقط، بل بالعقل والضمير والمواطنة والانتماء.
أكثر من هذا، فإن الأمر الثاني هو الكيانات القبلية العربية التي عانت من قسد واضطر بعضها لمجاراتها، وبعضها الآخر لقتالها. جميع هؤلاء دفعوا تكاليف عالية من أبنائهم وأموالهم وأعمارهم في هذا الصراع، وسيكون من العسير إقناع عدد من هؤلاء بالتخلي عن رغبتهم بالانتقام من قاتليهم وآسريهم وسارقي أموالهم وسنواتهم، لمجرد أن الدولة توصلت إلى اتفاقات تنسحب فيها قسد من الأرض التي يقطنها العرب مقابل حصولهم على مشاركة في الدولة وإدماج عناصرهم في الجيش وإدارة أنفسهم في مجتمعاتهم المحلية. مثل هذا الاتفاق، واقعي وأفضل الممكن بالمفهوم السياسي، لكنه لا يناسب المجتمعات القبلية التي ترى أن حقوقها ما زالت مستلبة، بل أن بعض السجناء المتهمين بالانتماء للإرهاب، قد يكونون من أبناء هذه المجتمعات، وقد اعتقلتهم قسد ولفقت لهم تهم الإرهاب بمجرد أنهم تمردوا عليها، وسيجري نقلهم للعراق. وهناك لن يفرق أحد بين بريء ومذنب، بل أن بعض من مريدي الميليشيات هناك بدأوا بإطلاق دعوات علنية لقتل السجناء جميعاً، وهناك من يقدم مقترحات لكيفية قتلهم من دون أن ينتبه المجتمع الدولي أو يهتم.
في مثل هذا الوضع ربما سيكون على الدولة السورية أن تقوم بمهام صعبة تتعدى بالطبع تهدئة الخواطر. فالقبائل العربية في سوريا، لا تتنازل عما تراه حقوقاً لها بسهولة، كما أنها تاريخياً تهتم بأخذ هذه الحقوق بنفسها، لا سيما بعد نحو 15 عاماً من غياب الدولة أو ضعفها.
كيف ستتعامل القيادة في دمشق بهذا الملف؟ ذلك أمر لا يمكن أن تحسد عليه، بالرغم من نجاحها في تخطي تحديات خطيرة ومعقدة، لكنه أمر شديد الأهمية لبناء سوريا. فالتنمية ليست مجرد إعمار ما تهدم من المباني، بل الأهم هو ما تحطم من المجتمع وقيم الوحدة والمواطنة. كذلك، إن سوريا ليست فقط في دمشق وحلب وحمص اللاذقية وبقية المدن الكبرى، بل هي أيضاً الأطراف من قرى وبلدات في أقصى الشرق بدير الزور وفي أرياف الرقة وتدمر والجزيرة، وسواها.. ومن دون استيعاب السكان المتضررين من قسد أو من النظام السابق أو من الإرهاب ومن الهجري والجماعات المتمردة من الفلول، فإن الجرح سيبقى، والمشاكل لن تزول. هو جهد معقد وطويل، يجب أن نقر بذلك، لكنه يستحق، بل يتوجب الانتباه له وتأسيس كيانات داخل الدولة لمعالجته، سواء ضمن آليات العدالة الانتقالية أو أية آليات أخرى، لسوريا مستدامة.
- المدن


























