تُطرَح مسألة الدولة في الحالة السورية اليوم كمشكلة في إنتاج المعنى السياسي، فالإشكالُ المركزي يتمثل في تآكل قدرة الدولة على العمل كمرجعية سياسية مُشترَكة داخل الوعي الاجتماعي. ويعود هذا التآكل في جانب منه إلى غياب تعريف سياسي مشترك للدولة، يسمح بتنظيم العلاقة بين المجال العام والقانون والمصلحة المشتركة.
بالمقابل، يمكن فهم الدولة، بمعناها السياسي العملي، على أنها الإطار الذي يرى المجتمعُ نفسَه من خلاله كجماعة سياسية واحدة. فهي المكان الذي تتكوّن فيه فكرة الصالح العام، وتُدار داخله الخلافات الاجتماعية بحيث تتحوّل إلى اختلافات سياسية يمكن تنظيمها وضبطها، بدل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة. وعندما تُعرَّفُ الدولة كمرجعية قانونية جامعة للجميع، تصبح السياسةُ أداةً لتنظيم التعدد والاختلاف، ويغدو القانون وسيلة لضبط القوة وتقييدها، وليس مجرد غطاء يُستخدَم لتبريرها. أمّا عندما يغيب هذا الفهم، فإن الدولة تبدأ بفقدان معناها في وعي الناس قبل أن تَضعُفَ مؤسساتها فعلياً، وتتحوّل إلى كيان غامض ومربك لا يملك صورة واضحة أو وظيفة مفهومة.
من هنا تظهر أزمة الدولة في سوريا كأزمة أعمق من مجرد سوء إدارة أو ضعف مؤسسات، بل هي مشكلة تمسُّ جوهر الفكرة السياسية للدولة نفسها. تتجلّى هذه الأزمة في القطيعة بين ثلاثة عناصر أساسية يُفترَض أن تقوم عليها أي دولة حديثة ذات معنى: المجال العام، والقانون، والمصلحة المشتركة.
المجال العام الذي يُفترَض أن يكون مساحة مفتوحة للنقاش وتبادل الآراء وصياغة الرأي العام، جرى تضييقه في سوريا وتحويله إلى فضاء مُراقَب ومضبوط، لا يسمح إلا بهوامش محدودة من التعبير. وفي هذا السياق، فقد القانون دوره الطبيعي بوصفه نتيجة لتوافقات وصراعات اجتماعية منظَّمة، تعكسُ شكلاً من أشكال العقد الاجتماعي. وبدلاً من ذلك، تحوّل إلى أداة إدارية تُستخدَم لإدارة المجتمع والتحكم به. أما فكرة المصلحة المشتركة، فقد تآكل معناها ولم تعد تُمثِّلُ أفقاً جامعاً يتجاوز الانقسامات والهويات الجزئية. بدلاً من ذلك، استمرت شبكات المصالح المتداخلة في العمل داخل الدولة أو على هامشها، مستفيدة من وجودها الوظيفي، دون أن تَنتُجَ عنها شرعية عامة يشعر بها المجتمع أو يراها مُعبِّرة عنه.
هذا التفكك الثلاثي يكشف عن غياب البنية التي تسمح للدولة بأن تُفهَم كإطار جامع للعيش السياسي المشترك؛ فحين يغيب المجال العام كحيّز إنتاجٍ للمعنى، ويتحوّل القانون إلى أداة ضبط، وتُفرَّغ المصلحة المشتركة من مضمونها التمثيلي، تصبح الدولة قائمة شكلياً لكنها عاجزة عن إنتاج الشرعية باعتبارها قبولاً اجتماعياً نَشِطَاً.
لقد تكوّنَ الوعي السوري بالدولة ضمن نموذج حكم طويل اعتمدَ على مركزية القرار، وتقييد المجال العام، وتحويل الدولة إلى بنية تشغيلية مغلقة. وقد رسّخَ هذا النموذجُ حضورَ الدولة كواقع إداري قائم بذاته، فلم تُختبَر كنتاج تَفاعُل اجتماعي أو كمجال للصراع السياسي المُنظَّم، بل كانت إطاراً ثابتاً لإدارة الحياة العامة دون مشاركة فعلية في تعريف هذا الإطار.
الدولة الغائبة عن الوعي العام
تركَ هذا الإرث أثراً مباشراً على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ لم تتحوّل الدولة إلى موضوع نقاش عام، ولم تدخل المجال المعرفي كفكرة قابلة لإعادة الصياغة. ومع تَغيُّر الشروط السياسية والاجتماعية لاحقاً، لم يكن هناك مخزون مفاهيمي يسمح بإعادة تعريف الدولة أو استيعاب تحوّلاتها.
يضع هذا التصور مسألة الدولة في سوريا من زاوية تتقاطع مع ما طرحه مارسيل غوشيه، عن تَحوُّلِ الدولة الحديثة من إطار سياسي منظِّم إلى جهاز يعمل بمعزل عن المجتمع حين تنقطع عملية إنتاج المعنى المشترك. ضمن هذا الفهم، تُقاس أزمة الدولة بعجزها عن أن تكون مَرجِعاً مفهوماً للفعل العام.
كما يترتب على ذلك أيضاً غياب تقاليد واضحة في التعامل مع الدولة كمفهوم قابل للمُساءلة، ففي الأدبيات المقارنة، يشير غييرمو أودونيل إلى أن الانتقال السياسي يفترض وجود تصور سابق عن الدولة بوصفها إطاراً ثابتاً نسبياً، يسمح بإعادة توزيع السلطة داخله. وإذا ما غاب هذا التصور، يصبح الانتقال محصوراً في إعادة ترتيب مواقع النفوذ.
تعملُ المرحلة الانتقالية الحالية في سوريا داخل فراغ يقوم على تَركُّز الجهد السياسي على تنظيم السلطة، وإدارة المؤسسات، وضبط الإيقاع العام، دون اشتغالٍ واضحٍ على إعادة تعريف الدولة. والخطاب السائد في سوريا يكاد يتجنب الخوض في سؤال الدولة بوصفها فكرة سياسية، مكتفياً بتعامُل وظيفي معها، ما يكشف عن إدراك ضمني لصعوبة إعادة فتح هذا السؤال في ظل واقع اجتماعي مُنقسِم ووعي سياسي غير مستقر.
يتحوّل هذا الفراغ المفاهيمي إلى ممارسة سياسية ملموسة عند تَفحُّص طريقة اشتغال السلطة الانتقالية على ما يُفترَض أنه مؤسسات تمثيلية، فمحاولة تشكيل مجلس شعب لم تنطلق من نقاش عام حول معنى التمثيل أو وظيفة البرلمان في المرحلة الانتقالية، إنما جرت بالكامل ضمن منطق التعيين من الأعلى. لذا فإن التشكيل القائم على التعيين أخرجَ المجلس من كونه أداة تفويض سياسي، وأبقاه في حدود كيان إداري بلا وظيفة تمثيلية. ورغم اكتمال هذه السلسلة الإجرائية، لم يُعلَن عن المجلس حتى الآن، في مؤشر واضح على أن وجوده ليس ضرورة سياسية، وإنما أداة شكلية مؤجَّلة، تحضر لاحقاً عند الحاجة دون تفعيلها كسلطة قائمة.
المجال العام المُغلق وحدود الفعل السياسي
يُعبِّرُ هذا النمط عن تصور مُحدَّد للدولة والتمثيل، فالدولة هنا يتم إدارتها من خلال واجهات مؤسسية بلا وظيفة سياسية حقيقية، وتَحلُّ فكرة الضبط محلَّ فكرة التمثيل، ليكون البرلمان إطاراً سياسياً مُؤسَّسياً غير قابل للتفعيل، ما يؤكد أن سؤال الدولة كفكرة سياسية لم يدخل فعلياً في حسابات المرحلة الانتقالية.
الصورة نفسها تتكرر في المجال الحزبي؛ حيث أن غياب قانون للأحزاب، يقابله إنشاء أمانة عامة للشؤون السياسية تعمل باعتبارها الجهة الوحيدة المنوط بها «تنظيم» العمل أو النشاط المجتمعي/السياسي وكل ما يتصل به. لذا فإن هذا الترتيب يُعيد احتكار المجال العام بصيغة مختلفة، فالسياسة لا تُترَك للمجتمع، وإنما يصيغها ويتحكم بها جهاز إداري يقوم مقام الأحزاب، كما أنه يؤدي أيضاً وظيفة الضبط. يُعيدُ هذا النموذج إنتاج منطق الحزب القائد بصيغة بيروقراطية، من دون إعلان ذلك صراحة.
الأكثر دلالة ضمن هذا السياق هو الغياب الكامل لمفهوم الديمقراطية عن الخطاب الرسمي، فبعد أكثر من عام على تَسلُّم السلطة الانتقالية، لم يُطرَح هذا المفهوم لا كهدف مرحلي، ولا كمسار ناظم للعملية الانتقالية، ولا حتى كإشكال مطروح للنقاش، فالديمقراطية إذاً لا تُذكَر لأن الدولة نفسها لا يُفكَّرُ فيها باعتبارها إطاراً للتمثيل والمساءلة.
لقد تشكّلت الدولة السورية خلال العقود السابقة، ضمن نموذج حكم أغلقَ المجال السياسي، وقيَّد التداول العام للمعنى، وربط الدولة بالاستقرار الوظيفي أكثر ممّا ربطها بالتمثيل. أنتجَ هذا المسار ما يسميه بيير بورديو «الدولة كحقيقة مُتجسِّدة»، أي العيشَ ضمن دولةٍ كواقع مفروض، دون أن تكون موضوعاً للنقاش أو إعادة التعريف.
ينعكسُ غياب المعنى السياسي للدولة مباشرة على موقع المجتمع، حيث تحتاج المجتمعات الحديثة إلى «أطر معنوية مشتركة» كي تتحول السياسة إلى فعل جماعي، وفق تشارلز تايلور. وفي الحالة السورية، لا تعمل الدولة بوصفها أحد هذه الأطر، وإنما يتفاعل المجتمع مع الدولة باعتبارها مرجعاً تقنياً، وليس كفضاء للتمثيل والمطالبة.
يحدُّ هذا الوضع من تَشكُّل فاعلية سياسية منظمة، حيث لا يمكن أن تظهر الدولة بطبيعة الحال كمساحة اشتباك سياسي مشروع. وحين تغيب الفكرة المتداولة للدولة، تصبح آلية إنتاج الشرعية مفهوماً إجرائياً مرتبطاً بالاستمرارية والقدرة على التنظيم، فهذا النمط لا يُنتِجُ التزاماً سياسياً، ولا يبني علاقة طويلة الأمد بين الدولة والمجتمع.
إدارة الشرعية وحدود التمثيل
كذلك يتشكل منطق الشرعية في المرحلة الانتقالية السورية عبر منظومة إدارة تُركِّزُ على استمرارية السلطة وتنظيم عملها اليومي، حيث يجري التعامل مع الشرعية كنتيجة مباشرة للقدرة على الضبط والتسيير، دون اعتبارها حصيلة علاقة سياسية متبلورة مع المجتمع.
تعمل السلطة الانتقالية من موقع المُنظِّم الوحيد للمجال العام، وتحتفظ بحق تحديد آليات المشاركة وحدودها، فيما يُترَك المجتمعُ خارجَ عملية التفويض الفعلي؛ ما ينعكس مباشرة في بنية المؤسسات الانتقالية، حيث تُنشَأ الهيئات وتُملَأ مَواقعُها بقرارات تنفيذية، وتُمنَح وظائف إجرائية محددة، من دون أن تتحول إلى فضاءات فعل سياسي أو مُساءَلة منظمة. حيث يُستمَدُّ نمط الشرعنة من توصيف المرحلة نفسها، باعتبارها انتقالية، وتُستخدَم هذه الصفة كمرجعية كافية لتبرير طريقة البناء المؤسسي ومسار اتخاذ القرار، بما يحجب الحاجة إلى تعريف سياسي أوسع للدولة أو تحديد أفقها المستقبلي.
ضمن هذه البنية، يُطلَبُ من المجتمع التكيّف مع مسار مُغلق المعالم، وتُمارِسُ السلطة دورها انطلاقاً من كونها الجهة الوحيدة المُخوَّلة بتقدير الضرورات وترتيب الأولويات. وعليه فإن هذا النمط من العلاقة لا يُنتِجُ التزاماً سياسياً طويل الأمد، ولا يسمح بتشكّل ثقة قابلة للتحول إلى عقد سياسي، إنما يُبقي الشرعية مرتبطة بالمرحلة أكثر من ارتباطها ببنية الدولة نفسها.
على هذا الأساس، ترتبط أزمة الشرعية الانتقالية ارتباطاً وثيقاً بأزمة الدولة بوصفها فكرة سياسية، فالشرعية التي تقوم على الإدارة وحدها تظل محدودة الأفق مهما حققت من استقرار تنظيمي، والدولة التي تبقى من دون تعريف واضح لوظيفتها السياسية وحدود علاقتها بالمجتمع تبقى عاجزة عن إنتاج شرعية قابلة للتراكم.
تُظهِرُ تجارب مثل البوسنة بعد دايتون، والعراق بعد 2003، ولبنان بعد الطائف، نماذج لدول أُعيد إحياؤها دون إعادة إنتاج معنى سياسي جامع. ففي هذه الحالات، استمرت الدولة كإطار إداري، بينما بقيت السياسة محكومة بتوازنات جزئية وهويات فرعية. القاسم المشترك في هذه التجارب يتمثل في تأجيل سؤال الدولة كفكرة، والتركيز على إدارتها كواقع قائم.
بالعموم؛ فإن السؤال الجوهري في الحالة السورية لا يجب أن يتعلق بنجاح المرحلة الانتقالية كمسار زمني، وإنما بقدرتها على إعادة إدخال الدولة إلى الوعي العام بوصفها موضوعاً سياسياً قابلاً للتعريف والمُساءَلة. يتطلّبُ هذا المسار خطاباً صريحاً، يعالج الدولة كفكرةٍ وكإطارٍ للمعنى العام. ومن دون هذا الاشتغال، تبقى الدولة قائمة بلا مضمون سياسي واضح.
الجمهورية نت


























