بعد سلسلة من الاتفاقات الجزئية خلال الأسابيع الأخيرة، بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والتي تخللتها خروق واستئناف للقتال بين الطرفين، أعلن في دمشق، أمس الجمعة، عن التوصل إلى اتفاق “نهائي شامل” بين الحكومة السورية و”قسد” مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين. هذا الاتفاق يفتح المجال أمام تسوية لهذه الأزمة التي كانت تهدد بمعارك واسعة بين الطرفين، ويسمح بعودة آلاف النازحين الذين غادروا مناطقهم في الشمال السوري، كما يوفر فرصة لتسوية الحقوق المدنية للأكراد في سورية.
الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”
ونقلت قناة الإخبارية السورية عن مصدر حكومي قوله إن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يشمل انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، لـ”تعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب”. وأضاف المصدر أن الاتفاق يتضمن أيضاً “دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم”. ورأى المصدر الحكومي أن الاتفاق يهدف إلى “توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد”. وأوضح المصدر أن الدمج العسكري والأمني سيكون “فردياً ضمن الألوية، بحيث تتسلم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ولا يكون أي جزء من البلاد خارج سيطرتها”.
زيد سفوك: من الصعب نقل مؤسسات الإدارة الذاتية إلى مؤسسات ثانية
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت في 20 يناير/ كانون الثاني الحالي عن وقف لإطلاق النار لمدة أربعة أيام، بعد الاتفاق الأخير مع “قسد” ثم أعلنت في 24 منه تمديد مهلة وقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً. ووقع الرئيس أحمد الشرع في 18 يناير الحالي اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة مع قائد “قسد” مظلوم عبدي. وقال مسؤول في الحكومة السورية لـ”رويترز” إن “الاتفاق نهائي وتم التوصل إليه في وقت متأخر من مساء الخميس، وإن التنفيذ سيبدأ على الفور”. من جهتها، ذكرت “قسد” في بيان أن الاتفاق يتضمن “دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، وانسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، إضافة إلى تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قسد، ولواء لقوات كوباني ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، ويعمل الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم”.
وفي تعليقه على التطورات، وصف المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك التوصل لاتفاق شامل بين الحكومة السورية و”قسد” بأنه محطة تاريخية وعميقة الأثر في مسار سورية. وأضاف في منشور على منصة إكس، أمس الجمعة، أن هذه التطورات تفتح الطريق أمام إعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة وترسيخ سلام دائم لجميع السوريين، معتبراً أن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يظهر التزاماً راسخاً من الحكومة السورية بشراكة وطنية حقيقية وبنهج شامل. ورأى برّاك أن هذا الاتفاق يظهر التزام الحكومة السورية بـ”الشراكة الوطنية الحقيقية والحكم الشامل من خلال تسهيل الدمج المرحلي للهياكل العسكرية، والأمنية، والإدارية ضمن مؤسسات الدولة الموحدة، مع ضمان منح ممثلي قسد رفيعي المستوى الفرص للمساهمة على أعلى المستويات”.
وأضاف أن قوة سورية “تنبع من احتضان التنوع ومعالجة التطلعات المشروعة لجميع شعوبها. هذه المقاربة لا تقتصر على توطيد السيادة عبر الأراضي، بل توجّه أيضاً رسالة واضحة من الانفتاح والعدالة إلى المجتمع الدولي”. وأكد برّاك أهمية الاتفاق للشعب الكردي في سورية الذي كان لـ”تضحياته الاستثنائية وصموده الثابت الدور المحوري في الدفاع عن سورية ضد التطرف وحماية الفئات الضعيفة”، مشيراً إلى أهمية تنفيذ المرسوم الرئاسي رقم 13 “الذي أعاد الجنسية السورية بالكامل لأولئك الذين تأثروا بالاستبعاد التاريخي، واعترف بالكردية كلغة وطنية بجانب العربية، مما يتيح تدريسها في المناطق ذات الصلة، ويكرس الحماية ضد التمييز”. وأشاد برّاك بما سمّاه الخطوات الشجاعة التي اتخذها الجانبان في سبيل الوصول إلى هذا الاتفاق.
وأصدر الشرع في 16 يناير الحالي المرسوم 13 الذي يمنح الجنسية السورية للأكراد المحرومين منها بموجب إحصاء 1962، والذي يؤكد أن المواطنين السوريين الأكراد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. وبالتوازي مع الإعلان عن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” أمس الجمعة، ذكر مصدر أمني لوكالة “سانا” الرسمية أنه جرى تعيين العميد مروان العلي قائداً للأمن الداخلي في محافظة الحسكة. ووفق مصادر كردية، فإن العلي من المسؤولين الأمنيين في “هيئة تحرير الشام” وينحدر من مدينة القامشلي في محافظة الحسكة وهو من عشيرة الغنامة.
ولاقى الاتفاق ارتياحاً بوجه عام في الأوساط الكردية الحزبية والشعبية، رغم عدم اتضاح تفاصيل اندماج قوات “قسد” وإداراتها المدنية في الدولة السورية، فيما أكد مصدر حكومي لقناة الإخبارية السورية أن الدمج العسكري والأمني “سيكون فردياً ضمن الألوية بحيث تتسلم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ولا يكون أي جزء من البلاد خارج سيطرتها”.
ووصف رئيس حزب الوسط الكردي في سورية، شلال كدو الاتفاق بأنه اتفاق جيد، موضحاً في حديث لـ”العربي الجديد” أن الجانب المهم فيه أنه يبعد شبح الحرب عن المناطق الكردية، ويوقف المواجهات المسلحة، فضلاً عن أنه يبنى عليه في المناطق الكردية في سورية. وأضاف أن من شأنه أن يخلق ارتياحاً لدى الأكراد خصوصاً، والسوريين عموماً، ويفتح المسار السياسي والدبلوماسي أمام حقوق الأكراد لتثبيتها ودمجهم في مختلف مؤسسات الدولة السورية، ومشاركتهم في سائر مناحي البلد.
بدوره قال زيد سفوك، المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سورية لـ”العربي الجديد”: “أعتقد أن ما طُرح من صيغة اتفاق هو بمثابة قرار وليس اتفاقاً، أي بمعنى أن الحكومة السورية، كما عبرت وسائلها الإعلامية، تؤكد أن الحل الوحيد لإنهاء الإشكال شمال شرق سورية هو دمج جميع المؤسسات العسكرية والأمنية“. ورأى أن بند وقف إطلاق النار يحافظ على السلم الأهلي والتعايش المشترك، وهو قرار دولي ملزم للطرفين، لكن التفاصيل الأخرى فيها الكثير من الثغرات، ربما تنفذ وربما لا تنفذ، لوجود تجارب سابقة بين الطرفين. وأضاف سفوك: “أرى من الصعوبة تنفيذ البنود الأخرى، فبند وقف إطلاق النار قرار دولي، أما البنود التي بعدها فهي بحاجة إلى عام أو عامين، لا سيما أن مؤسسات الإدارة الذاتية التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي بنيت على عقد اجتماعي مختلف عن مراسيم الحكومة السورية، لذلك من الصعب جداً نقلها إلى مؤسسات ثانية”.
إبراهيم برو: التفاهمات بين الحكومة و”قسد” قد تمنع سيناريو حرب مدمّرة
مخاوف من تعطيل الاتفاق
من جهته، رأى الباحث السياسي محمد المصطفى، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الحكومة لا تستبعد أن يقوم الطرف الآخر بتعطيل الاتفاق، وبالنسبة لها المهم هو أن تبقى الإشكالية لدى الطرف الآخر، معتبراً أن بنود الاتفاق هي مجرد آليات لا أكثر. وتابع أن “الأهم التزام قسد بتسليم المعابر والدوائر الحكومية، وهذا ينهي قضية الإدارة الذاتية. الحكومة تريد السيطرة على الأرض”. بدوره، رأى إبراهيم برو، القيادي في حزب “اليكيتي” الكردي، أن التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية و”قسد” “قد تمنع سيناريو حرب مدمّرة وتفتح نافذة استقرار، وتعكس قراءة واقعية من قسد لمعادلات الداخل والخارج”. وأضاف برو في حديثٍ لـ”العربي الجديد” أن الخطوة القانونية الجديدة يمكن أن تكون مدخلاً لمسار سياسي لمعالجة القضية الكردية إذا استُثمرت بجدية.
واعتبر الباحث السياسي في مركز جسور للدراسات وائل علوان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يشير إلى أن الحكومة متمسكة بموقفها المبدئي والوطني، القائم على إدماج كافة القوات ضمن هياكلها، وإعطاء مرونة في الإدارة ضمن السقف الوطني وضمن وحدة سورية. واعتبر أن هذا الموقف “كان واضحاً من الحكومة، وهو أحد أسباب قوتها، في حين أن الخلافات الداخلية ضمن صفوف قسد أدت إلى نهايتها”. ورأى علوان أن قوات “قسد” انتهت لسببين: الأول أن الولايات المتحدة أعلنت بشكل شبه رسمي نهايتها، فهي قوات شكلها التحالف الدولي لمواجهة “داعش”، وأعلنت واشنطن صراحة أن هذه المهمة لم تعد لـ”قسد”، وأن جهود مكافحة “داعش” ستتولاها الحكومة السورية بالتنسيق مع التحالف الدولي. والسبب الثاني وفق علوان لنهاية “قسد” ككيان عسكري هو أنها لم تستطع أن تحقق مكتسبات في المسار السياسي، وأن تكون شريكاً للحكومة السورية في بناء سورية الجديدة، الأمر الذي جعلها منقسمة داخلياً، فجزء منها كان يبدي مرونة في المفاوضات، وجزء كان يتجه إلى التصعيد.
- العربي الجديد


























