اختفت الصورة الرمزية لنظام الأسد المخلوع، لكن بقاياه وشبكاته الاقتصادية والأمنية ما زالت تعمل في الخفاء من خلف الستار. السلطة الحقيقية لم تكن يوماً محصورة بشخص واحد، بل توزعت داخل شبكة من ضباط نافذين ورجال أعمال ووسطاء يديرون مصالحاً احتكارية وفساداً منظماً. لذلك فإن إسقاط الرأس لم يقتلع كامل منظومته، بل كشف الحاجة لتفكيكها حتى يبدأ التغيير الحقيقي. هذا النموذج من “السلطة الشبكية” لا ينهار بسقوط رأسها، بل تمتلك قدرة على إعادة إنتاج نفسها بأدوات جديدة ووجوه مختلفة، مع الحفاظ على جوهرها، التحكم، الاحتكار، والفساد المنظم.
من الدولة إلى الشبكة: كيف تحولت سوريا إلى منظومة مصالح؟
في عهد الأسد المخلوع، لم تكن الدولة مؤسسة قانونية بقدر ما كانت شبكة ولاءات، الوزارات، الجامعات، القضاء، وحتى البلديات، كانت تُدار وفق منطق “المحسوبية الأمنية”، حيث تُمنح عقود الاستثمار والمناصب لمن يثبت ولاءه، لا كفاءته. هذا التحول من الدولة إلى الشبكة جعل الفساد جزءاً من البنية، لا مجرد انحراف.
في جامعة دمشق، كانت الاستثمارات داخل الحرم الجامعي تُدار من قبل مخابرات الأسد، حيث كانت تُمنح عقود الاستثمار مقابل رشاوى بمبالغ كبيرة، وتُستخدم المقاصف كغطاء لتجارة المخدرات والدعارة وبيع العلامات الجامعية. وبعد سقوط النظام، لم تتغير الآليات كثيراً. فمقصف كلية الصيدلة بدمشق مثلاً، رغم أن دخله السنوي لا يتجاوز 21 ألف دولار، ارتفع مبلغ المزايدة عليه إلى 82 ألف دولار بفعل المضاربة، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف سيعوض المستثمر هذه المبالغ؟ الجواب غالباً يكمن في استمرار الأساليب غير المشروعة أي المخدرات والدعارة ..إلخ.
وفي القصر العدلي باللاذقية، حيث تحوّل مرفق العدالة إلى مشروع خاص يدرّ أرباحاً لمستثمر واحد من خارج اللاذقية، يسيطر على خدمات الطباعة والمقصف والطوابع الرسمية وحتى طابع اللصيقة القضائية. المواطن الذي يدخل للمطالبة بحقوقه، يجد نفسه مجبراً على التعامل مع أسعار مفروضة بلا رقابة أو حماية قانونية.
التوريث الوظيفي: إعادة تدوير الشبكة بوجوه عائلية
من المؤشرات الخطيرة على استمرار منطق الشبكات بعد سقوط الأسد، اعتماد السلطة الحالية تعيينات لأشقاء وأبناء مسؤولين في مواقع تمثيلية حساسة، خصوصاً في وزارة الخارجية. هذا السلوك يعيد إنتاج منطق التعيين الذي كان سائداً في النظام السابق: القرابة قبل الكفاءة، والولاء قبل القانون. وجود هذا النمط في مؤسسات يفترض أن تمثل سوريا أمام العالم يؤكد أن التغيير ما زال سطحياً، وأن البنية العميقة للسلطة لم تُمسّ بعد.
وإن استمرار هذه الشبكات في العمل بعد سقوط الأسد يعود لعوامل نتيجة متعددة، أبرزها:
- تغلغل الفساد في مؤسسات الدولة وتحوله إلى جزء من بنيتها الإدارية، بحيث يصعب فصله دون انهيار كامل.
- ضعف إرادة الإصلاح لدى السلطة الجديدة، وانعدام الخبرة في تفكيك المنظومة القديمة نتيجة الاعتماد على الولاء قبل الكفاءة.
- الخوف من الفوضى دفع السلطات إلى الإبقاء على بعض الفاسدين لضمان استمرارية الخدمات.
- غياب الرقابة الشعبية والإعلامية، وضعف المجتمع المدني.
- استمرار اقتصاد الظل في العمل الذي يرفد هذه الشبكات بموارد مستمرة، من تهريب وتجارة غير مشروعة على الرغم من المحاولات الجادة بوقفه أو الحد منه على أقل تقدير .
هذه العوامل خلقت بيئة مثالية لاستمرار الفساد، بل وتطوره، في ظل غياب مشروع وطني حقيقي لإعادة بناء الدولة.
التجارب الدولية تؤكد أن بقاء شبكات الفساد بعد سقوط الأنظمة ليس خاصاً بسوريا. ففي تونس، لم يسقط نفوذ رجال الأعمال المتواطئين مع النظام بسقوط بن علي. وفي أوكرانيا، بقيت شبكات المافيات الاقتصادية تتحكم بقطاعات حيوية بعد سقوط يانوكوفيتش، ما استدعى إصلاحات عميقة لتفكيكها. هذه الأمثلة تظهر أن المعركة الحقيقية لا تبدأ بسقوط رأس النظام، بل بتفكيك الشبكات التي حكمت باسمه.
نحو مشروع وطني لإعادة بناء الدولة
هذه الأمثلة تظهر أن سوريا اليوم أمام تحدٍ مزدوج: إعادة الإعمار وبناء دولة حديثة، وهو مشروع لن ينجح ما لم يُواجه الفساد بجدية عبر خطة وطنية شاملة تُعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة وآليات دقيقة ترتكز أولا على مبادىء أساسية تبدأ بإعادة هيكلة المؤسسات وتطهيرها من رموز الفساد، وثانياً استقدام كوادر كفؤة وفق معايير شفافة، وثالثاً ضمان استقلال القضاء ليكون قادراً على محاسبة الجميع بلا استثناء. ورابعاً تمكين المجتمع المدني والإعلام الحر ليكونا شريكين في الرقابة، وخامساً بناء ثقافة مواطنة جديدة تقوم على النزاهة والمشاركة.
ولضمان تنفيذ تلك الخطوات، لا بد من حصر ونشر شفاف لكل المناصب والعقود والصفقات الكبرى، وفتح تحقيقات مستقلة بإشراف جهات قضائية غير منخرطة سياسياً، وإصدار تعليمات مؤقتة تمنع استغلال الموارد الحساسة خلال مرحلة الإصلاح، وإطلاق آليات حماية للمبلّغين، وإعادة هيكلة قواعد التوظيف والمناقصات لتصبح واضحة وقابلة للمراجعة العامة. وعلى المستوى الاقتصادي، يجب قطع قنوات تمويل الظل عبر تشديد الرقابة على الحدود والمنافذ، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لاسترداد الأموال المهرّبة وملاحقة الشبكات المالية التي تغذي الفساد. أما على المستوى الثقافي والمؤسساتي، يجب أن يكون هناك تعليم مدني يرسّخ قيم المواطنة والنزاهة، وإعلام حر ومجتمع مدني قادران على ممارسة الرقابة والمساءلة.
إن تطبيق تلك الإجراءات ليست مهمة تقنية فقط، بل معركة سياسية واجتماعية معقّدة، لأن تفكيك شبكات المصالح يعني بالضرورة الاصطدام بقوى اعتادت التحكم بمفاصل الدولة وتمتلك أدوات ضغط وقدرة على التعطيل. وقد يخلق ذلك أزمات مؤقتة في تقديم الخدمات، ما يستدعي خططاً بديلة تضمن استمرار الخدمات الأساسية من دون الاعتماد على عناصر فاسدة. وفي المقابل، على المجتمع المدني والإعلام أن يقوما بدورهما في كشف الانحرافات ومنع تبرير استمرار الفساد بذريعة تجنب الفوضى.
الرهان الحقيقي اليوم، هي في قدرتنا على إعادة تشكيل منظومة الحكم نفسها: بناء دولة قانون تُطبّق على الجميع، توزيع عادل للموارد، ومؤسسات مستقلة تمنع إعادة إنتاج الأنماط القديمة. الفشل يعني إعادة تدوير الفساد بوجوه جديدة، أما النجاح فيعني تأسيس دولة قادرة على حماية حقوق مواطنيها وبناء اقتصاد منتج وشفاف.
- تلفزيون سوريا
























