قال وزير النفط لوزير الصحة: ما رأيك أن نبيعكم المرض والفقر؟ توقف وزير الصحة لوهلة، ثم سأل: وما المقابل؟ أجابه وزير النفط بهدوء: نأخذ كل نفطكم وغازكم وثرواتكم. عندها تدخل الرئيس قائلاً: وأنا الضامن لهذا الاتفاق. لكم المرض والفقر، أما الثروات فستكون في أيدٍ أمينة.
للوهلة الأولى، تبدو هذه المحاورة صادمة، فادحة القسوة، وكأنها قيلت اليوم، بين وزراء ورئيس يفترض أنهم جاؤوا ليطووا صفحة سوداء من تاريخ سوريا. لكنها في الحقيقة ليست حواراً راهناً، بل تلخيص مكثف لما كان يحدث فعلياً، وبصورة ممنهجة، في زمن النظام البائد، في عهد المخلوع بشار الأسد ووالده من قبله.
ذلك الحوار لم يُكتب في محاضر رسمية، لكنه كُتب على أجساد الناس، وعلى رئاتهم، وعلى جغرافيا المنطقة الشرقية، وتحديداً محافظة دير الزور. هناك، حيث خرج النفط من الأرض، وصعد المرض إلى الدم. هناك، حيث سالت الثروة في الأنابيب، بينما تسلل الفقر في البيوت.
على مدى عقود، كُتب على أبناء المنطقة الشرقية أن يكونوا الثمن الصامت. النفط يُستخرج من تحت أقدامهم، والغاز يُنقل من حقولهم، بينما تُترك لهم السماء ملوثة، والمياه ملوثة، والهواء محملاً بما يكفي لنشر السرطان كضيف دائم في كل بيت. لم يكن المرض قدراً طبيعياً، بل نتيجة مباشرة لسياسات لا ترى في الإنسان سوى رقم زائد عن الحاجة.
لم تتوقف المأساة عند حدود التلوث والمرض. بل امتدت إلى الإقصاء الممنهج، والتهميش المتعمد، والحرمان من أبسط حقوق الحياة. دير الزور، التي أغنت خزائن الدولة لعقود، لم تحصل إلا على الإهمال، وكأنها منطقة مؤقتة، لا تستحق الاستثمار ولا الرعاية.
الوظائف في شركات النفط كانت مثالاً صارخاً على هذا الظلم. المناصب والرواتب العالية كانت حكراً على فئة محددة من السوريين، محسوبة على السلطة، تدور في فلكها، وتعيش بعيداً عن رائحة النفط الحقيقية، تلك التي تلتصق بصدور أبناء المنطقة.
أما أبناء دير الزور، أصحاب الأرض، فكانوا يقفون على الهامش، ينظرون، ويتحسرون، أو يُجبرون على دفع الرشى. في ذلك الزمن، إذا أراد شاب من دير الزور أن يعمل في شركة نفط تعمل فوق أرضه، فعليه أن يدفع خمس مئة ألف ليرة سورية. مبلغ كان يعادل حينها ما يقارب عشرة آلاف دولار. كان على الفقير أن يشتري حقه، وأن يدفع ثمن عمله، وكأن الانتماء إلى هذه الأرض جريمة تستوجب العقاب.
هذا القهر لم يخلق غضباً فقط، بل خلق ثورة مكتومة. كثيرون ماتوا كمداً، وكثيرون ماتوا مرضاً، وكثيرون خرجوا من دير الزور إلى دمشق أو حلب بحثاً عن علاج، ليُقابلوا أحياناً بعنصرية جارحة، وكأنهم قادمون من هامش لا اسم له. ولم يكن أحد يتذكّر كرم أهل دير الزور، وضيافتهم، وتاريخهم زمن النظام البائد، إلا عندما يتم استخراج الثروات، ونقلها إلى “الأيدي الأمينة”.
هذه المقالة ليست اجتراراً للماضي، بل محاولة لقطع الطريق عليه، ورسالة واضحة وتذكيراً للسلطة الجديدة، بأن المنطقة الشرقية لم تعد تحتمل تكرار التجربة نفسها بأسماء مختلفة ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
دير الزور ليست محافظة عادية في سجل الجغرافيا السورية. هي المحافظة الوحيدة التي حررت نفسها بنفسها. لم تنتظر جيشاً ليأتي، ولم تُفتح لها الأبواب بلا ثمن. عندما انسحب النظام البائد من المحافظة، سلّمها لقوات قسد. وفي اليوم ذاته، انتفض أهل المدينة، ودفعوا ثمناً دموياً باهظاً. ارتُكبت مجزرة بحق المدنيين، واستمرت الاشتباكات بين قوات قسد وقوات العشائر، حتى اضطرت قسد إلى الانسحاب نحو شرق الفرات.
في تلك الأيام، لم تتمكن قوات الجيش والأمن العام من دخول المدينة مباشرة. بقيت على مشارفها أياماً، بسبب تحذيرات التحالف الدولي. لم تدخل إلا بعد أن قدمت دير الزور فاتورة دم كبيرة، من خيرة شبابها وأبنائها. المشهد ذاته تكرر في شرق الفرات، حين قامت قوات العشائر بتحرير الشق الشرقي وصولاً إلى الباغوز، وشمالاً حتى مدينة الصور، ثم تمددوا شمالاً في وقت قياسي إلى بلدة مركدة التابعة لمحافظة الحسكة، بينما دخلت القوات الحكومية لاحقاً لتستلم مناطق محررة بالفعل.
هذه الوقائع ليست للتباهي، بل لتثبيت حق. من قدّم الدم، وقدّم الثروة، وسُرقت حقوقه لعقود، من حقه اليوم أن ينعم بالسلام، والخدمات، والعدالة. من حقه أن يرى أبناءه يعملون في أرضهم، لا غرباء يُستجلبون ليكرروا مشهداً قديماً. من حق الدولة أن تستخرج النفط والغاز، وأن تدير الثروات الوطنية. لكن لا يحق لأي سلطة أن تحتكر الوظائف، أو أن تحرم أبناء المنطقة من العمل في قطاع يقوم فوق أرضهم، ويؤثر مباشرة على حياتهم وصحتهم.
أهالي دير الزور يشاركون كل السوريين في ثروات البلاد، ويتحملون العبء الأكبر في خروج هذه الثروات. أقل ما يمكن تقديمه لهم هو حياة كريمة، وحد أدنى من الاستفادة، وفي مقدمتها الوظائف في قطاع النفط. استجلاب موظفين من خارج المحافظة لن يكون سوى إعادة إنتاج لنهج قديم، أنهك الناس، وقد يعيد سيناريوهات لا يرغب أحد في عودتها.
اليوم، تقف السلطة الجديدة أمام اختبار حقيقي. إما أن تكون قطيعة فعلية مع الماضي، أو مجرد تغيير في الوجوه. دير الزور لا تطلب امتيازات، بل تطلب عدالة. ولا تطلب صدقات، بل تطلب حقاً تأخر كثيراً.
- الثورة السورية






















