لم يعد ممكنًا تناول أزمة الأحزاب اليسارية السورية اليوم بوصفها مسألة عابرة، أو خللًا تنظيميًا يمكن إصلاحه عبر تغيير القيادات أو تحديث البرامج السياسية، كما يحاول بعضهم فعله من خلال مراجعات تاريخية لتجربتهم الحزبية إثر سقوط نظام الاسد. فما تواجهه الأحزاب اليسارية اليوم هو فشل بنيوي عميق؛ فشلٌ سوسيولوجي قبل أن يكون سياسيًا، يرتبط بطبيعة تشكّلها التاريخي داخل الدولة السورية، وبعلاقتها بالمجتمع، وبعجزها التاريخي عن تجديد أدواتها الفكرية والتنظيمية. إن الإصرار على اختزال أزمة الأحزاب اليسارية السورية في «الظروف الذاتية والموضوعية»، أو «القمع والاعتقالات »، أو «التصحّر السياسي»… إلخ، لم يعد سوى شكلٍ من أشكال التهرّب من المسؤولية التاريخية.
من المعارضة إلى التبعية الطوعية
برزت الأجزاب اليسارية، في سياق تشكّل الدولة الوطنية بعد الاستقلال، بوصفها فاعلًا سياسيًا-اجتماعيًا تسعى إلى تمثيل مصالح الفئات الشعبية، وربط مسألة الاستقلال الوطني بإعادة توزيع السلطة والثروة. غير أنّ هذا الدور سرعان ما تآكل مع صعود الدولة الشمولية الاستبدادية منذ ستينيات القرن الماضي، حيث أُعيد تنظيم المجال السياسي وفق منطق الاحتكار والإقصاء، وتحوّلت السياسة من حقل تنافس اجتماعي إلى مجال مُدار أمنيًا. إلا أنّ الأزمة لا تُختزل في آليات القمع وحدها، بل تتصل أساسًا بكيفية إعادة تموضع هذه الاحزاب اليسارية داخل هذا الحقل السلطوي، وبأنماط تكيّفها التي أفضت إلى تفريغها من وظيفتها التمثيلية.
أحزاب تستنسخ الاستبداد
فمن خلال الانخراط في «الجبهة الوطنية التقدمية»، قبلت أحزاب يسارية رئيسية بإدماجٍ سلطوي مشروط، يقوم على مقايضة الاعتراف القانوني والموارد الرمزية المحدودة بالتخلّي عن الاستقلال السياسي والفكري. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا الاندماج خيارًا تكتيكيًا ظرفيًا، بل تحوّل إلى نمط إعادة إنتاج تنظيمي وخطابي، أسهم في تحويل هذا الأحزاب من فاعل معارض إلى مكوّن تابع داخل بنية الهيمنة، عاجزة عن إنتاج خطاب نقدي مستقل أو عن الحفاظ على روابطها العضوية مع الحقول الاجتماعية التي ادّعت تمثيلها.
يسار بلا معرفة وبلا مجتمع
ومع انهيار الكتلة الاشتراكية، دخلت الأحزاب اليسارية السورية في أزمة معرفية مزدوجة، تمثّلت في فقدان المرجعيات النظرية الكبرى من جهة، وفي العجز عن إنتاج معرفة سياسية بديلة من جهة أخرى. وبدل أن يقود ذلك إلى مراجعات نقدية عميقة، استمرّت معظم الأحزاب اليسارية في إعادة إنتاج خطاب أيديولوجي متقادِم، غير منسجم لا مع تحولات الرأسمالية العالمية ولا مع البنى الاجتماعية والسياسية الخاصة بالمجتمع السوري، الأمر الذي عمّق الفجوة بين النخب اليسارية والواقع الاجتماعي، ورسخت طابعها النخبوي والمعزول.
تاريخيًا، قام خطاب الأحزاب اليسارية على افتراض وجود طبقة عاملة صناعية منظَّمة تشكّل قاعدتها الاجتماعية الرئيسية. غير أنّ هذا الافتراض ظلّ إشكاليًا في السياق السوري، حيث لم تؤدِّ مسارات التحديث الاقتصادي إلى تشكّل طبقة عاملة مستقرة بالمعنى الكلاسيكي، بل إلى نشوء قوة عمل مشتّتة وهشّة، تعمل في قطاعات غير منتظمة، وتخضع لبُنى نقابية مُفرغة من أي استقلال فعلي.
تاريخيًا، قام خطاب الأحزاب اليسارية على افتراض وجود طبقة عاملة صناعية منظَّمة تشكّل قاعدتها الاجتماعية الرئيسية. غير أنّ هذا الافتراض ظلّ إشكاليًا في السياق السوري، حيث لم تؤدِّ مسارات التحديث الاقتصادي إلى تشكّل طبقة عاملة مستقرة بالمعنى الكلاسيكي، بل إلى نشوء قوة عمل مشتّتة وهشّة، تعمل في قطاعات غير منتظمة، وتخضع لبُنى نقابية مُفرغة من أي استقلال فعلي.
ومع تآكل القاعدة الصناعية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وانكماش القطاع العام، وتفكّك الطبقة الوسطى بفعل سياسات اقتصادية ريعية وشبكات فساد بنيوية، انهارت الحوامل الاجتماعية المفترضة للأحزاب اليسارية، ومع ذلك، لم يقابل هذا التحوّل بإعادة نظر جدّية في رهاناتها الطبقية ولا بمحاولة لإعادة تعريف قاعدتها الاجتماعية على أسس جديدة، بل استمرت في إنتاج خطاب يستند إلى بنية اجتماعية متخيَّلة أكثر مما يستند إلى واقع اجتماعي ملموس.
وبهذا المعنى، لم تكن أزمة الأحزاب اليسارية السورية مجرّد أزمة تنظيمية أو سياسية، بل أزمة تمثيل اجتماعي، ناتجة عن انفصالها المتزايد عن التحولات الفعلية في بنية المجتمع، وعجزها عن تطوير أدوات تحليل وممارسة تتلاءم مع أشكال العمل والهشاشة واللااستقرار التي باتت سمة أساسية للاقتصاد السوري.
يسار خارج التاريخ
في الوقت الذي خضع فيه اليسار العالمي، منذ نهاية الحرب الباردة، لمراجعات جذرية طالت مفاهيم الدولة والديمقراطية وحقوق الإنسان، بقي اليسار السوري أسير نموذج أيديولوجي وتنظيمي متقادِم، مستمد من التجربة السوفييتية لا بوصفها تجربة تاريخية قابلة للنقد، بل كقالب جامد لإنتاج الخطاب والموقف.
بل إن كثيرًا من هذه التيارات اتخذ موقفًا دفاعيًا وعدائيًا من مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وجرى توصيفها باعتبارها «ترفًا ليبراليًا»، بدل فهمها كشروط تاريخية لأي مشروع تحرّري معاصر. وبهذا المعنى، لم يكن اليسار السوري متأخرًا زمنيًا فحسب، بل منفصلًا معرفيًا عن سياقه التاريخي.
ونتيجة لذلك، وجدت الأحزاب اليسارية نفسها تخاطب أجيالًا جديدة بخطابٍ جامد ومجرّد، يُعيد إنتاج مفردات كـ«الطبقات» و«الصراع التاريخي» و«الرأسمالية المتوحّشة» من دون ربطها بتجارب العيش اليومية وأسئلة الحرية والكرامة وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية والمدنية التي تشغل الشباب السوري. وعليه، لم تقتصر خسارة الأحزاب اليسارية السورية على المجال السياسي فحسب، بل امتدّت إلى خسارة مواقعها داخل الزمن التاريخي نفسه، بوصفه فاعلًا قادرًا على الفهم والتأثير.
الثورة السورية: لحظة الانكشاف
شكّلت ثورة 2011 لحظة اختبار تاريخية كشفت عمق أزمة الأحزاب اليسارية. فبدل أن تعيد تعريف نفسها كقوة ديمقراطية تربط الحرية بالعدالة الاجتماعية، تموضع جزء واسع منها في منطقة رمادية قُدّمت بوصفها نقدية وعقلانية، لكنها انتهت عمليًا إلى إعادة إنتاج سردية سلطوية بطابع طائفي مُقنّع. ومن خلال لغة «الخوف على الدولة»، أو تحليلات طبقية مبتورة، جرى توصيف الحراك الشعبي كـ«حرب أهلية طائفية»، مع تجاهل السياق السلطوي البنيوي الذي فجّر الاحتجاجات.
وتحت عنوان «نقد المجتمع»، حُمّلت البنى الاجتماعية مسؤولية العنف، ما أفضى إلى تبرير الاستبداد بوصفه ضرورة لضبط مجتمع «غير جاهز للحرية». هكذا تحوّل الخوف من الإسلام السياسي إلى مظلة أخلاقية لتبييض القمع، واستُبدلت معركة التحرر بخطاب الاستقرار، في انزياح واضح من نقد السلطة إلى الدفاع الضمني عنها.
بعد سقوط النظام: البحث عن استبداد بديل
ومع سقوط النظام الأسدي وتصدّع بنيته السلطوية، لم يُنتج هذا التحوّل إعادة تموضع ديمقراطي لدى بعض التيارات اليسارية، بل دفعها إلى البحث عن بدائل سلطوية جديدة، تمثّلت في اصطفافات مع شيوخ طوائف ومرجعيات ما قبل وطنية، تحت ذرائع «الواقعية السياسية» أو «حماية السلم الأهلي». ولم يكن هذا السلوك خطأً تكتيكيًا عابرًا، بل كاشفًا عن خلل عميق في فهم الدولة والمواطنة، وعن استعداد لتعليق القيم اليسارية الأساسية عند غياب السلطة المركزية التي اعتادت الأحزاب اليسارية الاحتماء بها.
أفق التجدد: من الأيديولوجيا إلى السياسة
إن أي أفق لتجدد الأحزاب اليسارية السورية مشروط بقطيعة نقدية مع بنيتها التنظيمية المغلقة، وانتقالها من الأيديولوجيا بوصفها عقيدة إلى السياسة بوصفها ممارسة تاريخية، تقوم على الديمقراطية، وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، وسيادة القانون. فالتحالفات المتعددة، متى استندت إلى قواعد ديمقراطية واضحة، لا تمثّل تفريطًا بالمبادئ، بل تعبيرًا عن نضج سياسي.
من دون هذا التحوّل الجذري، سيبقى اليسار السوري أسير أزمته التاريخية، عاجزًا عن استعادة موقعه في المجتمع، وخارج الزمن السياسي الذي يُفترض أن يكون فاعلًا فيه، لا شاهدًا على فشله.
- تلفزيون سوريا

























