بحسب مصادر مطّلعة تحدثت إلى موقع “أساس”، انطلقت عملية التفاهم في أجواء وُصفت بالإيجابية، مستندة إلى اتفاق سابق لوقف إطلاق النار وُقّع في 18 كانون الثاني، ونصّ على تهدئة ميدانية جرى تمديدها حتى الثامن من شباط المقبل. هذا الهدوء النسبي أفسح المجال أمام انتقال التفاوض من منطق الصدام إلى البحث في ترتيبات أمنية وإدارية أكثر شمولًا.
ينصّ الاتفاق على اندماج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري على مراحل متسلسلة، تشمل إعادة هيكلة عسكرية، وانسحاب القوات من نقاط التماس، ودخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي. ويُنظر إلى هذا المسار على أنه محاولة لإعادة بسط سلطة الدولة تدريجيًا على مناطق كانت خارج سيطرتها الفعلية منذ سنوات.
ضربة لمشروع “الإدارة الذاتية”
على مدى أعوام النزاع الممتدة بين 2011 و2024، نجح الأكراد في فرض سيطرتهم على مساحات واسعة من شمال وشمال شرق سوريا، بما في ذلك حقول نفط وغاز شكّلت رافعة مالية لإدارة مناطق “الإدارة الذاتية”. غير أن الاتفاق الجديد يوجّه ضربة قاسية لهذا النموذج، ويضع حدًا عمليًا لصيغة الحكم اللامركزي التي تمسّكت بها “قسد” في جولات تفاوض سابقة.

تؤكد مصادر حكومية سورية أن التحدّي الأساسي يكمن في مدى التزام “قسد” الكامل ببنود الاتفاق، ولا سيما في ما يتعلّق بالدمج الأمني والعسكري. وتُبدي دمشق خشية من تدخل أجنحة داخل “قسد” توصف بـ”القنديلية”، إضافة إلى مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، يُقال إن لبعضها صلات بالحرس الثوري الإيراني. وتشدّد الدولة السورية على أن وجود أي كتل مسلّحة خارج إطارها يُعدّ خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
ينصّ الاتفاق على اندماج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري على مراحل متسلسلة، تشمل إعادة هيكلة عسكرية
في هذا السياق، تشير المصادرنفسها إلى أن “قسد” خسرت خلال فترة قصيرة مساحات شاسعة، إضافة إلى آبار النفط، وورقة الدعم الأميركي، ونفوذها السياسي المرتبط بملف تنظيم داعش، فضلًا عن تراجع حضورها في الكانتونات. كما تكشف المصادر عن تباينات داخلية في صفوف «قسد» حول كيفية التعاطي مع الاتفاق وآليات تنفيذه.
بين الاعتراف بالحقوق واختبار الثقة
سبق الإعلان عن الاتفاق إصدار مرسوم رئاسي سوري اعترف بالحقوق الوطنية للأكراد، شمل اعتماد اللغة الكردية لغة رسمية ومنح الجنسية السورية لمن حُرموا منها سابقًا. ورحّبت “الإدارة الذاتية” بهذه الخطوة، معتبرة إياها بداية، مع مطالبتها بتكريس هذه الحقوق دستوريًا.
في المقابل، تنظر “قسد” إلى الاتفاق بوصفه نتيجة فرضتها موازين القوى أكثر مما هو خيار نابع من قناعة راسخة. ويقول مصدر من داخلها إن الانتقال من الصراع إلى الاندماج الكامل يُعدّ تحدّيًا بالغ التعقيد بعد سنوات من القتال وسقوط الضحايا من الجانبين، معتبرًا أن بناء الثقة يشكّل الحلقة الأضعف في المرحلة الحالية.
يضيف المصدر أن “قسد” لا ترفض مبدأ الاندماج، لكنها تتحفّظ على وتيرة التنفيذ، مطالبة بضمانات عملية تحول دون انفجار توترات داخلية أو صدامات فردية، خصوصًا في المناطق الحساسة. كما يحذّر من إشكالات محتملة خلال دمج نحو 60 ألف موظف من مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية، بعد سنوات من القطيعة الإدارية والسياسية.
مع بدء تنفيذ الخطوات العملية، التي تشمل دخول مؤسسات الدولة إلى الحسكة والقامشلي، وإنشاء نقاط أمنية، وتسلم المراكز الرسمية والمعابر الحدودية، يبقى الاتفاق في مرحلة اختبار فعلي. فبين إصرار دمشق على حسم ملف السلاح وبسط سلطتها على كامل الأراضي، وتحفّظ “قسد” حيال الضمانات وسرعة التنفيذ، يظل المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة، رهنًا بما سيحمله البيان التفصيلي المرتقب، ولا سيما في ما يتصل بإدارة المعابر والحدود، وهي العقدة الأبرز في تحديد مستقبل هذا الاتفاق.
- أساس ميديا


























