شكّل سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، لحظة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، ليس على مستوى الداخل السياسي والأمني، بل أيضاً على صعيد موقع سوريا في محيطها العربي والإقليمي.
وبعد سنوات طويلة من العزلة والارتهان لمحاور ضيقة والانخراط في صراعات مفتوحة، وجدت الإدارة السورية الجديدة نفسها أمام سؤال مركزي: هل تستطيع سوريا الخروج فعلاً من عزلتها الإقليمية، وبناء سياسة خارجية جديدة تقوم على التوازن والمصالح، لا على الاستقطاب والصدام؟
عام أول خارج العزلة.. إلى أي حد؟
خلال العام الأول بعد سقوط نظام الأسد، بدت ملامح تحول واضح في الخطاب والممارسة الدبلوماسية السورية، فالإدارة السورية الجديدة تعاملت مع الواقع الإقليمي بقدر عالٍ من البراغماتية، مدفوعة بإدراك عميق لهشاشة الوضع الداخلي، وتعدد مراكز النفوذ داخل سوريا، وتعقيد البيئة الإقليمية المحيطة.
وبخلاف مرحلة ما قبل عام 2024، لم تعد دمشق تقدم نفسها طرفاً في محاور صلبة، بل دولة تسعى للاستقرار واحتواء المخاطر وإعادة بناء علاقاتها على أساس التهدئة والتعاون.
وساهم الانفتاح العربي في إعادة سوريا إلى دائرة الاهتمام الإقليمي، وفتح الباب أمام تطبيع تدريجي مع عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، ما أعاد طرح سوريا كلاعب محتمل في معادلات المنطقة، بعد أن كانت لسنوات طويلة دولة منبوذة.
ما الذي تغير وما الذي لم يتغير؟
وبالرغم من هذا التحول، لا يمكن الحديث عن قطيعة كاملة مع إرث الماضي، فالتغير في السياسة الخارجية السورية كان تدريجياً ومحكوماً بسقوف داخلية وخارجية واضحة.
الجديد تمثل في الانتقال من خطاب المواجهة إلى خطاب التهدئة، ومن منطق الاصطفاف إلى منطق إدارة التناقضات، ومن سياسة رد الفعل إلى محاولات أولية لبناء مبادرة دبلوماسية.
في المقابل، بقيت بعض المحددات التقليدية حاضرة، أبرزها مركزية الملف الأمني، وارتباط السياسة الخارجية بمدى القدرة على ضبط الداخل، وغياب التوافق الوطني الكامل حول أولويات المرحلة.
من سياسة المحاور إلى سياسة التوازن؟
أحد أبرز الأسئلة التي رافقت العام الأول بعد سقوط النظام السابق كان: هل نجحت سوريا في الانتقال من سياسة المحاور إلى سياسة التوازن؟ المؤشرات الأولية توحي بمحاولة جادة، وإن كانت غير مكتملة، فالإدارة السورية الانتقالية سعت إلى بناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات تقوم على المصالح المشتركة، وتجنب الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة، مع الحفاظ على قنوات تواصل مع أطراف متناقضة في ما بينها.
وفي هذا السياق، قال الباحث في القانون الدولي والشأن السياسي، فراس حاج يحيى في حديث لـ”المدن”: “بعد سقوط نظام الأسد، خرجت سوريا جزئياً من العزلة الإقليمية، لكننا ما زلنا أمام مسار مفتوح لا مرحلة مكتملة، الجديد هو أن دمشق لم تعد تُدار بمنطق المحور الصدامي أو سياسة الاصطفاف الحاد، بل تسعى إلى إعادة التموضع كدولة تبحث عن الاستقرار وبناء شبكة علاقات متوازنة مع محيطها العربي والإقليمي، وهذا التحول يظهر في الانفتاح على عواصم كانت بعيدة، وفي خطاب دبلوماسي أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية”.
وأضاف: “في المقابل، ما لم يتغيّر بعد هو حجم التحديات المرتبطة بالثقة الدولية، وملفات العقوبات، وارتباط التعافي الاقتصادي بمدى الاستقرار الداخلي”، مشيراً إلى أن الانتقال من سياسة المحاور إلى سياسة التوازن بدأ فعلاً، لكنه يحتاج وقتاً لترسيخه مؤسسياً، حسب تعبيره.
لماذا تحولت الحدود إلى ملف مركزي؟
أدركت دمشق أن استعادة دورها الإقليمي تبدأ من قدرتها على ضبط حدودها، والتعاون مع الجوار في ملفات: التهريب، التنقل، المعابر، الطاقة، التجارة.
وأوضح فراس حاج يحيى أن “تحوّل الحدود إلى ملف مركزي، سببه أن الأمن الحدودي بات مدخلاً أساسياً للعلاقات الإقليمية: من مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، إلى ضبط الهجرة غير النظامية، ولذلك أصبحت الحدود عنواناً لسيادة الدولة واختباراً لجدّيتها كشريك إقليمي موثوق”.
من منظور مقاربة العمق الاستراتيجي، يتحدد مستقبل الدور السوري بمدى قدرته على إعادة تعريف موقعه الجغرافي، فبدلاً من أن تبقى سوريا حداً فاصلاً بين قوى متنافسة، تسعى الإدارة الجديدة إلى تقديمها جسراً رابطاً داخل المشرق العربي، ونقطة وصل طبيعية بين دوائر عربية وإقليمية متعددة.
هذه الرؤية تستند إلى ثلاثية واضحة: الجغرافيا الربطية، العمق الحضاري، شبكة الجوار القابلة للتحول من مصدر تهديد إلى مساحة تعاون.
وقد شكّل العام الأول بعد سقوط النظام اختباراً أولياً لهذه المقاربة، حيث بدأت الدولة بالانتقال من ردة الفعل إلى محاولة تصميم سياسة خارجية قائمة على المبادرة وإدارة التناقضات بدل الانجرار إليها.
السياسة الخارجية كجزء من إعادة بناء الدولة
وتُظهر معطيات السنة الأولى أن إعادة بناء سوريا ليست مشروعاً داخلياً صرفاً، فالسياسة الخارجية تحولت إلى وظيفة تأسيسية في عملية إعادة بناء الدولة، وأداة لإعادة إنتاج الشرعية وبناء الاستقرار، وكل خطوة في كسر العزلة أو فتح معبر أو إطلاق مشروع ربط اقتصادي، أو إعادة تعريف العلاقة مع الإقليم، شكلت لبنة في بناء الدولة السورية الجديدة.
وقال الدكتور سامر الصفدي، عضو استشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، في حديث لـ”المدن”: “حققت الحكومة السورية انفتاحاً سريعاً بعد سقوط نظام الأسد مع عودة نشطة وفاعلة الى جامعة الدول العربية وبناء علاقات جديدة مع دول المنطقة من دول الخليج الى تركيا وأيضا الغرب مع خروج واضح من المعسكر الشرقي وخصوصا من المحور الموالي لإيران فان العزلة الإقليمية انكسرت بشكل كبير خلال عام واحد”.
وفي رد على سؤال: ما الذي تغيّر في سياسة دمشق الخارجية وما الذي لم يتغيّر بعد؟ أجاب: “شهدت السياسة الخارجية السورية تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع تحولات جوهرية تركزت على إعادة بناء العلاقات الدولية لدعم الاستقرار الداخلي ورفع العقوبات من الانفتاح على الدول العربية والغرب، إلى تقليل النفوذ الإيراني وفقدان طهران لنفوذها العسكري في سوريا، وأدى ذلك إلى إعادة توازن السياسة الخارجية نحو الدول العربية والغرب، وبدأت مفاوضات أمنية مع إسرائيل تحت رعاية أميركية، وبالرغم من هذه التحولات، بقيت بعض العناصر الأساسية في السياسة الخارجية السورية مستقرة، خصوصاً تلك المتعلقة بالأمن الإقليمي والتحالفات التاريخية مع موسكو حيث العلاقة مع روسيا تستمر رغم إعادة تعريف العلاقة السورية الروسية لتكون أكثر توازنا”.
وأكد على أن: “الادارة السورية نجحت إلى حد كبير في الانتقال من سياسة المحاور والاعتماد السابق على محور إيران- روسيا- حزب الله إلى سياسة التوازن والدبلوماسية المتوازنة، وخصوصاً الانفتاح متعدد الجهات وعلاقات قوية مع دول الخليج وتركيا، مع رفض الاستقطاب والمحاور والتركيز على سوريا أولاً والمصالح الوطنية”.
وختم أن: “استعادة السيادة وتوحيد سوريا جغرافيّاً كان ومازال أولوية قصوى للإدارة السورية لتحقيق سوريا موحدة وإعادة الموارد السوريةً من معابر وحقول نفط وغاز وأراضي زراعية خصبة للشعب السوري، حيث جعلت الحدود رمزاً لإنهاء الانقسام والكيانات الموازية”.
مفترق تاريخي واختبار 2026
اليوم، تقف سوريا على مفترق تاريخي حاسم، فإما أن تنجح في تحويل المرحلة الانتقالية إلى تأسيس دولة طبيعية تستعيد موقعها المركزي في المشرق العربي، وإما أن تنزلق إلى هامش جديد يعيد إنتاج العزلة والارتهان.
وتُظهر المقارنة مع تجارب انتقالية أخرى، كالعراق ولبنان وتونس، أن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بشرطين متلازمين: بناء مؤسسات سياسية وقانونية قادرة وشرعية، وبناء شبكة علاقات إقليمية قائمة على التعاون والمصالح المشتركة.
- المدن


























