أدى التصريح الذي صدر قبل أيام عن رئيس هيئة الاستثمار السورية حول المشافي الحكومية وإمكانية توكيل إدارتها إلى القطاع الخاص، إلى تصاعد النقاش حول خصخصة بعض مؤسسات القطاع العام في البلاد.
وكان من اللافت توجه بعض الآراء إلى مقاربة الخلفيات التي قد تحكم التوجه الرسمي نحو التخلي عن الملكية العامة، والنظر إلى هذا السلوك على أنه محاكاة لما يسمى بـ “عقيدة الصدمة” إن لم يكن تطبيقاً فعلياً لها، والمقصود هنا استغلال لحظة الانهيار الذي ينتج عن الحروب أو الاضطرابات الكبرى، لإعادة تشكيل الاقتصاد بسرعة، عبر نقل الملكية إلى القطاع الخاص وتحرير الأسعار وتقليص دور الدولة.
يظن البعض أن معارضة هذا التوجه ينطلق من رفض مبدئي وجذري لفكرة الخصخصة، غير أن هذا غير دقيق، لا سيما وأن التجارب العالمية تظهر أن بعض القطاعات وليس كلها، يمكن أن تستفيد من الإدارة الخاصة أو من الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وكتمهيد لتصويب الفكرة، يمكن القول إن المشكلة في الحالة السورية تتعلق بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تجري فيه هذه التحولات، وهو سياق شديد الهشاشة إلى درجة تجعل أي انتقال سريع نحو الخصخصة مخاطرة كبرى على مستوى المجتمع نفسه.
فهناك تراجع حاد في الدخل، وارتفاع كبير في معدلات الفقر، وتآكل في القدرة الشرائية، وتراجع في فرص العمل. أي إن الاقتصاد السوري اليوم لا يشبه الاقتصادات التي طُبقت فيها سياسات التحول الليبرالي السريع. وحين تصل الأوضاع في البلدان المنكوبة إلى هذا الوضع الذي نراه ماثلاً في سوريا، يفترضُ المعنيون بتحسن أوضاع الناس أن تلعب الدولة دور شبكة أمان اجتماعي، حتى عندما تكون مؤسساتها ضعيفة أو خاسرة مالياً.
هذه المؤسسات لا تؤدي وظيفة اقتصادية فقط، وإنما تحمل وظيفة اجتماعية مباشرة: هي منع الانهيار الكامل لقطاعات معيشية حساسة. وحين تقرر الدولة ألا تتدخل في هذه الأوضاع والتوجه بدلاً من ذلك إلى الخصخصة -يرى البعض أنها حل سحري مثالي- وبناء شراكات إدارية مع القطاع الخاص، فإن نتائج هذه السياسة ستعطي مردوداً عكسياً. وذلك لأن الإدارة الخاصة تسعى عادة إلى تقليل التكاليف، ما يعني خفض العمالة وتعديل شروط العمل. كما أن القطاع الخاص يحتاج إلى تحقيق أرباح، ما يدفع إلى رفع الأسعار وتقليص الدعم.
وفي حالة المجتمع السوري الذي يعاني أصلًا من مستويات فقر مرتفعة، وزيادة في أسعار الخدمات الأساسية وفقدان واسع للوظائف ستكون ترجمة هذا التوجه توسعاً إضافياً في دائرة الفقر!
الخطورة العالية في تطبيق وصفة “عقيدة الصدمة” التي حللتها الباحثة الكندية نعومي كلاين في كتابها الشهير، الذي يحمل العنوان نفسه، تأتي من أن مبتكريها في مدرسة شيكاغو الاقتصادية وعلى رأسهم المنظر ميلتون فريدمان، تجاهلوا بقصدية الأثمان التي ستدفعها الشرائح الأشد ضعفاً في المجتمع نتيجة تطبيق هذه السياسات!
المسألة لا تتعلق بملكية مؤسسة ما، بقدر ما تتعلق بالأثر الاجتماعي الناتج عن تغيير طريقة إدارتها. والحديث هنا يتصل بقطاعات مرتبطة بحياة الناس اليومية كالنقل والكهرباء والصحة والاتصالات وغيرها، فأي تعديل مفاجئ في هذه القطاعات ينعكس على تكاليف المعيشة وعلى النشاط الاقتصادي الصغير وعلى قدرة الأسر على الاستمرار.
تجربة السنوات السابقة في سوريا تقدم مثالاً مهماً. حيث نتذكر أنه قبل اندلاع الثورة، شهدت البلاد خطوات تدريجية نحو تحرير الاقتصاد، شملت تقليص الدعم الذي كانت تستفيد منه الشرائح الفقيرة، وتركت آثاراً واضحة ًعلى مستويات المعيشة وعلى الفوارق الاجتماعية. ويمكن اعتبار هذه النتائج جزءاً رئيساً من أسباب الثورة التي تفجرت في العام 2011!
أما اليوم، فإن الظروف أكثر صعوبة بكثير، ما يعني أن أي انتقال أسرع سيحمل نتائج مدمرة بشكل أوضح. كما أن ثمة جانباً آخر يزيد من تعقيد الظروف يتعلق بضعف القطاع الخاص المحلي، فهو يعاني من نقص التمويل، ومن صعوبات تشغيلية، ومن محدودية السوق المحلية. وهذا الواقع يطرح سؤالاً حول هوية وطبيعة من سيستلم هذه القطاعات؟ وهل ستنتقل إلى شركات قادرة على التطوير، أم إلى مجموعات محدودة النفوذ تبحث عن مصادر ربح سريعة؟ في الحالة الثانية تتحول الخصخصة إلى إعادة توزيع للموارد دون تحقيق تحسين حقيقي في الأداء.
وبالنظر إلى وجود هذه العوائق وغيرها يمكن التفكير ببدائل تبدأ بالاعتماد على الكوادر المحلية في هذه المؤسسات، لإدارة عملية التطوير المطلوبة من أجل نقل خدماتها إلى مستوى عصري يليق بالسوريين، وبدلاً من تخلي الدولة عن دورها، وتركها لآلاف العاملين عرضة لتقلبات السياسات المقترحة، يمكن البحث عن حلول مبتكرة تضمن ألا ينهار مستوى معيشة الناس في المرحلة الانتقالية.
أي أن التوجه يجب ألا ينصب على تحرير الاقتصاد، بل على ضمان حقوق الناس بالعيش الكريم اللائق. وضمن هذا الإطار تصبح مسألة الشراكة المقترحة مع القطاع الخاص ممكنة، ولكن ضمن محددات واضحة لا تقود إلى إحداث صدمة اجتماعية واسعة.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن خضوع سوريا لجوهر “عقيدة الصدمة” بناء على الأحلام الوردية لدى البعض بحدوث تحولات اقتصادية سريعة، ليس قدراً يجب علينا الرضوخ له، بل إن النقاش حول هذا التوجه يقتضي أيضاً عدم التعاطي مع الشأن الاقتصادي كحقل منفصل عن السياسة وعن الحريات المجتمعية ومكافحة الفساد والحوكمة، وهذه جوانب يتوقف عندها المستثمرون قبل أن يقرروا بناء مشاريعهم في البلد، فهل صنعت السلطة الجديدة ظروفاً تطمئن هؤلاء وغيرهم؟
في ظل غياب مثل هذه التطمينات التي يمكن الاستدلال على وجودها من قوى المجتمع نفسه ولا سيما منظمات المجتمع المدني كالنقابات وغيرها، يصبح البحث عن حلول غير مدروسة أشبه بمحاولة التفاف على استحقاقات الواقع الملحة، وهذه في النتيجة إضاعة وقت جديد، تضاف إلى ما أهدره النظام البائد، في ومن حيوات السوريين.
- الثورة السورية



























