مُني رئيس الوزراء المجري فكتور أوربان بهزيمة نكراء في الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد مؤخراً، مقابل فوز صاعق لحزب تيسا وزعيمه بيتر ماجيار حاز خلاله على أغلبية ثلثين تاريخية في البرلمان، على خلفية مشاركة في التصويت شكلت بدورها سابقة ناهزت 79,50 في المئة.
هذا الخروج المذلّ من المشهد السياسي، الذي لا يقتصر على المجر وحدها بل يشمل القارة الأوروبية، يختتم 16 سنة من حكم أوربان وحزب فيديس، انطوت في الداخل على فساد وإفساد في مختلف مستويات السلطة، وركود اقتصادي، وانحطاط في الخدمات العامة والبرامج التنموية، وإضعاف دولة القانون، والمساس بالحقوق المدنية. كما شهدت على أصعدة الخارج سياسات يمينية متطرفة وقومية انعزالية وتوجهات محافظة ضمن الاتحاد الأوروبي، وموالاة للبيت الأبيض والكرملين في آن معاُ، وتضامناً مع دولة الاحتلال الإسرائيلي عموماً وحرب الإبادة ضد قطاع غزة خصوصاً، واستهانة بالقانون الدولي بصدد ملاحقة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
هي أيضاً هزيمة صريحة وذات مغزى عميق لسائر التيارات اليمينية المتطرفة والعنصرية التي تنامت خلال السنوات الأخيرة، في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنمسا وتشيكيا والسويد وسواها، واحتلت مواقع مؤثرة في البرلمانات الأوروبية أو الشارع الشعبوي والفاشي. ولم يكن غريباً أن تستشعر هذه التيارات مقدار الخطر الذي لاح أنه يحدق بموقع أوربان وحزبه، فتداعت إلى نصرته خلال الحملة الانتخابية، ولم تتخلف الإدارة الأمريكية الراهنة عن الركب فهرع نائب الرئيس جي دي فانس إلى بودابست وخطب في الجموع ممتدحاً شريك أمريكا في المجر، ومنتقداً الاتحاد الأوروبي.
ولعل عناصر مثل الصعود المضطرد لحزب تيسا الذي انشق أصلاً عن حزب فيديس، لم يتجاوز عمره السنتين، والشعبية السريعة التي اكتسبها زعيمه الشاب ماجيار، والخطوط الاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية التي تصارعت خلال الحملة الانتخابية، تشكل بدورها درساً لأحزاب أوروبا الحاكمة على اختلاف تلاوينها وائتلافاتها، ولكن مجموعات وسط اليمين الليبرالي على نحو خاص. فمن الواضح أن أوربان لم يحكم خلال هذا الزمن الطويل بمعزل عن جملة مسببات أكسبته رضا شرائح واسعة في الشارع الشعبي، وأنه اليوم خسرها لصالح اعتبارات مستجدة أكثر جاذبية.
وإذا كانت واضحة تماماً بواعث الرئيس الفرنسي أو المستشار الألماني أو رئيسة المفوضية الأوروبية في المسارعة إلى تهنئة ماجيار، وأن يتنفس ساسة آخرون الصعداء لانطواء صفحة المتاعب التي واظب أوربان على خلقها هنا وهناك في أوروبا، فإن هزيمة تيار يميني متطرف مقابل صعود تيار يميني محافظ ليست عندهم بشرى مطمئنة تماماً.
أمثال نتنياهو ومارين لوبين وماتيو سالفيني وخيرت فيلدرز يمكن أن يحزنوا حيال هزيمة أوربان اليوم، ولكن ابتهاج قادة أحزاب اليمين الليبرالي الأوروبية يتوجب أن يشوبه القلق إزاء مصائر العقاب التي يمكن أن تخبئها صناديق الاقتراع المقبلة في بلدانهم، خاصة في ضوء سلسلة الأوضاع العالقة داخل البرلمانات وأعلى مؤسسات الحكم، حيث تتعطل القوانين أو تنحسر الممارسة الديمقراطية.
- القدس العربي


























