مع بدء تنفيذ أولى خطوات الاتفاق الموقع في 30 من كانون الثاني/يناير الماضي بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية، دخلت مجموعات ومسؤولون من جهاز الأمن الداخلي التابع للحكومة إلى مدينتي الحسكة والقامشلي مطلع شباط/فبراير الجاري، في خطوة وصفت بأنها تمهيد لإعادة ترتيب الواقع الإداري والأمني في المحافظة الواقعة في شمال شرقي سوريا، غير أن هذه التطورات ترافقت سريعاً مع حالة من الاستياء الشعبي، والتي يبدو أنها آخذة في التصاعد، وبالأخص بين العرب والعشائر العربية، التي باتت تشعر بأنها الطرف الأضعف في معادلة الاتفاق، وسط مخاوف من أن تعاد صياغة السلطة المحلية بطريقة لا تعكس توازنات المجتمع وآمال طيف واسع من الأهالي، ولا تطمئن مكوناته وربما تطلق يد “قسد” لتسيطر على كل شيء، وذلك على حساب باقي المكونات والقوى.
وبدا أن حالة القلق قد تصاعدت بعد تداول معلومات تفيد بتعيين أحد قادة “قسد” محافظاً للحسكة، وهو اسم يرتبط، وفق مصادر محلية، بسجل واسع من الانتهاكات خلال فترة إدارته لأحد السجون في القامشلي، ما أعاد إلى الواجهة ذاكرة ثقيلة لدى شريحة من الأهالي المناهضين لـ”قسد” وتأتي هذه التطورات في ظل ما يشبه حظر التجوال غير المعلن الذي تفرضه “قسد” ذاتها منذ نحو أسبوع، ما عمق الشعور بالاحتقان والريبة، ودفع أصواتاً عشائرية إلى التشكيك بإمكانية تطبيق الاتفاق بصورة عادلة، بل والحديث عن أن الحسكة قد تكون وقعت في “ظلم كبير” على يد الحكومة، وفي المقابل، يرى فريق آخر من أبناء الحسكة أن الحكومة تتابع ما يجري بدقة، ويدعو هؤلاء إلى منح الحكومة الثقة ودعم سياساتها في هذه المرحلة الحساسة، انطلاقاً من قناعة بأن ما يحدث جزء من ترتيبات أوسع ستتضح ملامحها قريباً.
“قسد” تحتفل
شهدت مدينة الحسكة احتفالاً نظمه مؤيدو “قسد” عقب عودة نور الدين عيسى أحمد من دمشق، وهو الاسم المتداول بوصفه المحافظ المفترض للمحافظة، حيث أُطلقت الألعاب النارية وردد المشاركون شعارات خاصة بـ”قسد”، كما رفعت رايات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني ورايات حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي وأذرعه المسلحة خلال الاستقبال، ويعرف أحمد بكنيته “أبي عمر خانيكا”، غير أن قرار تعيينه محافظاً للحسكة لم يصدر رسمياً حتى الآن.
وتزامنت هذه المشاهد الاحتفالية مؤخراً مع حالة من الجدل الواسع في أوساط محلية في الحسكة وفي ريفها الواسع، خصوصاً في ظل استمرار ما يصفه بعض الأهالي بأنه أشبه بحظر تجوال غير معلن منذ أكثر من أسبوعين يستهدف العرب والعشائر العربية على وجه الخصوص، والذي تزامن مع دخول القوات الحكومية إلى المدينة في سياق تنفيذ الاتفاق الأخير بين الحكومة و“قسد”.
قال الناشط الصحفي في الحسكة أسامة الضيغمي، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إن تعيين أحد قادة “قسد” محافظاً للحسكة، إن تم بالفعل، يعد، من وجهة نظره، “مكافأة للوحدات الكردية على ممارسات امتدت على مدى 15 عاماً من قتل وتنكيل وتعذيب وتهجير وتغييب وتفقير وتجريف للبلدات والقرى”، على حد تعبيره، وأضاف أن الأهالي الذين يعيشون تحت ظروف يصفها بالسجن الجماعي داخل منازلهم كانوا ينتظرون دخول القوات الحكومية وأن يكون واقع تطبيق الاتفاق مختلفاً عما هو جارٍ حالياً، ليتفاجؤوا، بحسب روايته، بمعلومات عن تعيين هذا الاسم محافظاً عليهم، وهم من يعرفه حق المعرفة، بأنه أحد قادة “قسد” صاحب السجل الحافل بالانتهاكات.
وأكد الضيغمي أن موقفه كما كثيرين من أهالي الحسكة، لا يرتبط برفض تعيين شخصية كردية في هذا المنصب، موضحاً أن هناك قبولاً بأي كردي من الحسكة أو غيرها ممن شارك في الثورة لتولي المنصب، بل وهناك قبول بأي كردي حيادي لم يشارك في القتال ولم يتورط في قتل أو تهجير، وانتقد في الوقت ذاته ما وصفه بتبريرات بعض المؤيدين للحكومة من خارج المحافظة، قائلاً إن “قبولهم بهذه الخطوة ينبغي أن يقترن بقبولهم تعيين شخصيات أمنية بارزة من عهد النظام السابق محافظين لمحافظات أخرى، في إشارة تهكمية إلى أسماء ذكرها في حديثه”، أما بخصوص واقع الأهالي المناهضين لـ”قسد” في الحسكة، فأشار الضيغمي إلى أنهم في موقف صعب لا يحسدون عليه، لكنه اعتبر أن قبولهم بالأمر الواقع تحت ذريعة الحرص على المصلحة العامة أو خشية خسارة مكاسب شخصية يبقى موضع انتقاد.
حراك عشائري محدود
لا تبدو الساحة في الحسكة أمام حراك عشائري أو عربي منظم قادر على التعبير بصورة مؤثرة عن رفض قرارات ينظر إليها محلياً على أنها لا تخدم مصلحة المجتمع، مثل طرح اسم شخصية جدلية لمنصب المحافظ، أو ممارسة ضغط فعلي على قرار الحكومة، وبرغم بروز بعض الأصوات العشائرية وتشكل مجموعات مسلحة حديثاً في ريف الحسكة الخاضع لسيطرة الحكومة السورية، تطالب “قسد” بوقف الانتهاكات بحق الأهالي، وتعلن استعدادها للتدخل وتتوقع مسبقاً انهيار الاتفاق، إلا أن هذه التحركات ما تزال محدودة التأثير أمام رغبة الحكومة في المضي بتطبيق الاتفاق واستكمال بنوده من جانبها على الأقل قبل اتخاذ أي خطوات أخرى.
في هذا السياق، يقول الناشط الصحفي أسامة الضيغمي إن شريحة من شيوخ القبائل والعشائر في الحسكة تتعامل، برأيه، مع قرارات السلطة بمنطق القبول المطلق، ما أضعف قدرة المجتمع المحلي على التأثير في مسار العملية السياسية، رغم وجود إمكانية لممارسة ضغط مباشر على صانع القرار في دمشق، ويضيف أن هذا الموقف يتطلب شجاعة في الاعتراض، خاصة أن الاسم المتداول لتولي المنصب متهم، وفق روايات محلية، بتهريب الدخان وإدارة سجن القامشلي، وبتجريف وتهجير بلدات وقرى عربية.
ويصف الضيغمي المشهد في الحسكة بأنه صادم ومحبِط، مشيراً إلى حالة من الشعور بالضعف والصدمة لدى الأهالي، في وقت كانوا فيه ينتظرون دخول مؤسسات الدولة، ليتفاجؤوا، بدخول سيارات دون إعلان مسبق، وتداول معلومات عن صدور قرار بتعيين الشخصية المثيرة للجدل محافظاً، بالتزامن مع مظاهر احتفال في الشارع من قبل مؤيدي “قسد”، وهو ما اعتبره استفزازاً لمشاعر شريحة واسعة من السكان.
ويرى الضيغمي أن التحركات العشائرية الحالية بدائية وغير منظمة، وتفتقر للخبرة والنخب القادرة على إدارتها، معتبراً أن أي تصعيد غير محسوب قد يضع هذه المجموعات أمام معادلة صعبة بين البقاء تحت مظلة الدولة أو التحول إلى هدف لكل من الدولة و”قسد”، وهو ما يفسر محدودية الفعل العشائري في هذه المرحلة الحساسة.
شهادات الأهالي
عاش طيف واسع من أهالي الحسكة خلال الأيام الماضية حالة من الصدمة الممزوجة بالخيبة، بعدما علق كثيرون آمالهم على أن تسلك محافظتهم المسار ذاته الذي شهدته محافظتا الرقة ودير الزور، لا أن تدار وفق تعبيرهم بطريقة تمنح “قسد” اليد الطولى في محافظتهم، وقد تعزز هذا الشعور عندما وصلت مجموعات من الجيش السوري إلى مشارف مدينة الحسكة، عقب سيطرتها على مساحات واسعة من ريف المحافظة أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، إذ اعتبر كثير من الأهالي الرافضين لسيطرة “قسد” أن لحظة التغيير باتت قريبة.
جهاد أحمد، وهو من أهالي الحسكة، قال في حديث لموقع تلفزيون سوريا إن حالة الاستياء تسود بين السكان، ولا سيما أن العرب يشكلون غالبية في مدينة الحسكة وعدداً كبيراً من مناطق المحافظة، وأضاف بأن الأهالي شعروا بخيبة أمل كبيرة بعدما توقف الجيش عن تقدمه ودخوله المدينة، وأوضح أن واقع الحال يشبه حظر تجوال مفروضاً على السكان، خصوصاً خلال ساعات الليل، حيث يصعب التحرك في الشوارع، واعتبر أن دخول قوات الأمن الداخلي لم يكن في المستوى المتوقع، مشيراً إلى أن الأهالي لم يلحظوا حضوراً واضحاً لرموز الدولة، ولم يسمح لعناصر الأمن الداخلي بالتجول بحرية داخل المدينة، ما جعل هذا الدخول يبدو “شكلياً” في نظر كثيرين، في حين روج له أنصار “قسد” بأنه بمثابة الانتصار وبشكل مستفز، وأضاف أن الخوف وعدم الاطمئنان يسيطران على الناس، في ظل ما وصفه باستمرار الانتهاكات والاعتقالات من جانب “قسد” بشكل شبه يومي، مؤكداً أن الحال لا يطاق.
وفي شهادة أخرى، قال أحد سكان المدينة (فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية) إن الأهالي يعيشون حالة ترقب وقلق دائمين، مضيفاً: “كنا نعتقد أن دخول الدولة سيعني نهاية هذه المرحلة، لكننا لم نلمس تغييراً حقيقياً على الأرض، الناس تشعر بأنها عالقة بين واقعين، ولا تعرف إلى أين تتجه الأمور، وليس هناك تفاؤل بأن الحال سيكون أفضل مع تطبيق باقي بنود الاتفاق” وأشار إلى أن حالة الغموض حول مستقبل الإدارة في الحسكة تزيد من توتر الشارع، في ظل غياب توضيحات رسمية تطمئن السكان بشأن ما يجري.
تبدو محافظة الحسكة أمام اختبار حقيقي لقدرة الاتفاق بين الحكومة و”قسد” على ترجمة بنوده إلى واقع يبدد مخاوف السكان ويعيد بناء الثقة المفقودة، لا أن يفاقم الهواجس القائمة، فبين احتفالات مؤيدين، وقلق شريحة واسعة من الأهالي، وحراك عشائري محدود التأثير، وشهادات تتحدث عن غموض وقلق وانعدام الاطمئنان، يتشكل مشهد معقد وغير مبشر، وربما ينذر بتصاعد التوتر، وحتى صدور قرارات رسمية واضحة تحسم الجدل حول الإدارة المحلية وتحدد شكل الحضور الحكومي الفعلي في المدينة، سيبقى الشارع الحسكاوي أسير حالة ترقب ثقيلة، يتساءل فيها الناس عما إذا كانت هذه الترتيبات مقدمة لتهدئة حقيقية تعيد التوازن إلى المحافظة وتحقق تبعيتها الكاملة للدولة السورية، أم أنها مجرد مرحلة انتقالية قد تفتح الباب على توترات جديدة؟
- تلفزيون سوريا



























