إنّ اختزال الإسلام في كونه اعتقادًا دينيًا فقط، يُغفل كونه أحد أكبر الفضاءات الثقافية والحضارية التي صاغت مُجتمعاتٍ بأكملها، من مؤمنين وغير مؤمنين. الإسلام ليس اعتقادًا دينيًا فقط يتجسّد في الإيمان والطقوس، بل هو أيضًا فضاء ثقافي وحضاري، أسهم في تشكيل هوية السوريين على اختلاف أديانهم وطوائفهم وقومياتهم.
كما أنّ البعد العربي-الإسلامي يمثّل أحد أبرز ملامح الهوية الثقافية السورية، دون أن يُلغي بقية الأبعاد والخصوصيات السريانية-المسيحية والمُتوسطية والمَشرقية، بل يتكامل معها ويتفاعل في إطار حضاري واحد.
ينبغي إعادة الاعتبار للبعد العربي – الإسلامي في ثقافة السوريين، على اختلاف تلويناتهم العقائدية والقومية، بوصفه حضنًا جامعًا لا قوقعةً عازلة. فالعروبة هنا تتجاوز كونها عرقًا أو أيديولوجيا قومية مُغلقة، كما أن الإسلام يتجاوز كونه عقيدة دينية خاصة، ليغدو فضاءً ثقافيًا وحضاريًا مُشتركًا.
عموماً، يمكن النظر إلى الدولة من خلال المناظير الثلاثة التالية:
نموذج أول: يرى أن الدولة عبارة عن مؤسسة وجهاز تنظيمي إداري محايد، وبالتالي ليست هناك حاجة لوجود هوية أخرى للدولة، سواء كانت دينية أو قومية أو طبقية. وبناءً على هذا التصور، يمكن توصيف الدولة عبر محددات مثل الديمقراطية، الليبرالية، المساواة، والحقوق المدنية. وتُعد هذه المُحددات عوامل داعمة لحيادية الدولة واستقرارها دون المساس بوحدتها. ومن أمثلة الدول التي تتبنى هذا النموذج: سويسرا، كندا، وألمانيا.
نموذج ثان: يعتبر الدولة انعكاسًا وتعبيرًا سياسيًا عن ثقافة الشعب وهويته. في هذا السياق يتم توصيف الدولة من خلال صفات الشعب أو غالبية الانتماء الثقافي والحضاري له. ويُطلق على هذا الشكل “الهوية الثقافية-الحضارية”، والتي يجب تمييزها عن الهوية السياسية. فالهوية الثقافية-الحضارية تأخذ طابعًا رمزيًا عامًا، ولا تؤدي إلى تمييز سياسي أو حقوقي ضد أي من المواطنين، بخلاف الهوية السياسية التي قد تُستخدم للتمييز بين المواطنين على أساس ديني أو ثقافي.
ومن الأمثلة على هذا النموذج بولندا، حيث ينص دستورها على الانتماء إلى “ثقافتنا المُتجذرة في التراث المسيحي للأمة وفي القيم الإنسانية العامة”، وكذلك المملكة المتحدة، إذ يُعد الملك فيها “حامي الإيمان وحامي الكنيسة الأنغليكانية”، دون أن يترتب على ذلك أي تمييز ديني في الحقوق أو في عمل مؤسسات الدولة.
نموذج ثالث: تُعتبر الدولة في هذا النموذج وسيلة لتحقيق مشروع سياسي أو أيديولوجي يتجاوز حدودها وشعبها. فتغدو الدولة مجرد خطوة ضمن مشروع أوسع لأمة أو عقيدة أو أيديولوجيا عابرة للحدود. ومن الأمثلة على ذلك الاتحاد السوفييتي الذي تبنى الأيديولوجيا الشيوعية الماركسية، إضافة إلى دول تتبنى أيديولوجيات قومية أو دينية مثل إيران وأفغانستان وإسرائيل. وغالبًا ما تخرق الدول القائمة على هذا الأساس شرط المواطنة المتساوية، إذ تمارس تمييزًا بنيويًا ضد المواطنين الذين لا يتطابقون مع الهوية الرسمية للدولة.
يتمتع كل نموذج بميزاته وعيوبه؛ فالنموذج الأول يعزز مبادئ الحرية، والتنوع، وحقوق الإنسان، والمواطنة المتساوية. بينما يلبي النموذج الثاني احتياجات نفسية عميقة لدى غالبية الشعب من خلال الانتماء التاريخي والثقافي للأرض. أما النموذج الثالث، فيؤدي في الغالب إلى صراعات داخلية وخارجية بسبب اعتماده على التمييز الجوهري بين فئات المجتمع، إضافة إلى إهماله لوظيفة الدولة التنظيمية والخدمية، ما ينعكس سلبًا على استقرار مؤسساتها.
في الحالة السورية، قد يكون من المفيد الإشارة إلى هوية ثقافية-حضارية عربية إسلامية، تأخذ طابعًا معنويًا رمزيًا لا ينبني عليه أي تمييز سياسي أو حقوقي بين السوريين. فالإشارة إلى البعد الحضاري الإسلامي هي توصيف لواقع اجتماعي-ثقافي قائم، كما أنّها تُسهم في تلبية احتياجات نفسية عميقة لدى غالبية المجتمع.
وفي المقابل، ينبغي تجنب النص صراحة على دين رسمي للدولة أودين غالبية الشعب في الدساتير أو القوانين، إذ إن تحويل الأغلبية الدينية إلى توصيف دستوري يُعد خرقًا لمبدأ حيادية الدولة والمواطنة المتساوية، ويُشعر المواطنين غير المسلمين أو غير المُتدينين بالتمييز.
من هنا، تبرز أهمية التأكيد على حيادية الدولة تجاه عقائد وطوائف السوريين، لأن أي إخلال بهذا المبدأ يُعد إخلالًا بمبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. ويمكن تأصيل هذا المبدأ بالاستناد إلى اجتهادات فقهية ونصوص دينية إسلامية عديدة تؤكد أن حيادية الدولة لا تنتقص من الدين، بل تعزز قيم العدل والمساواة.
وقد عبّر ابن القيم في كتابه “إعلام الموقعين” عن هذا المعنى بوضوح حين قال “إن الشريعة عدلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلُّها، ومصالحُ كلُّها، فكلُّ مسألة خرجت من العدل إلى الجور.. ليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل”. كما يجسد موقف الإمام الأوزاعي مثالًا عمليًا على هذا الفهم، حين تصدى لقرار الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور بإجلاء مسيحيي جبل لبنان عقب تمرد فئة منهم، مؤكدًا مبدأ العدل وعدم تحميل الجماعة وزر أفرادها. وقد أسهم موقفه في إلغاء القرار وحماية السكان من إجراء تعسفي.
الإسلام ليس اعتقادًا دينيًا إيمانيًا فحسب، بل هو أيضًا فضاء ثقافي وحضاري واسع جمع السوريين، على اختلاف أديانهم وطوائفهم. وبالتحديد، يشكّل البعد العربي-الإسلامي أحد أبرز ملامح الهوية الثقافية للشعب والمجتمعات السورية. لنتذكر مقولة فارس الخوري، رئيس الوزراء السوري السابق: “الإسلام هو وطن المسيحيين العرب، فهم الذين عربوا دواوينه، وهم الذين بنوا مساجده وشاركوا في فتوحاته”.
عندما نتحدث عن الإسماعيلية أو العلوية على سبيل المثال لا الحصر، أليست هذه مكوّنات سورية مشمولة تاريخيًا وحاضرًا ضمن الطيف الإسلامي؟ وعندما نتحدث عن السوريين المسيحيين أو السوريين اليهود، أليست المسيحية واليهودية جزءًا مهما من هذا الإرث الحضاري السوري الثري؟
ومن الناحية المنهجية، تُدرج دراسات تصنيف الأديان وعلم الأديان المُقارن عادةً الإسلام والمسيحية واليهودية ضمن مجموعة الديانات الإبراهيمية التوحيدية. ولا صلة لما يُطرح في هذا المقال بمشاريع “الاتفاقات الإبراهيمية” أو أي شكل من أشكال التطبيع الثقافي مع إسرائيل، إذ نميّز بوضوح بين اليهودية كدين، والصهيونية كمشروع سياسي-استعماري.
إن دولة الحرية، والعدالة، والمواطنة المتساوية، والتي هي بالضرورة حيادية تجاه العقائد الدينية للمواطنين، هي الإطار الأمثل لهذا التفاعل الخلَّاق، وهي الضامن لتحويل التنوع من عامل صراع مُحتمل إلى مصدر غنى وقوة.
وأخيراً، رغم أهمية مبدأ المُواطنة المتساوية، إلا أنه لا يشكِّل إجابة عن سؤال الهوية، فالمواطنة المتساوية ضرورية لتشذب العصبيات النافرة، وتقلم أغصان العنف الزائدة على شجرة الهوية الوطنية للسوريين.
- الثورة السورية



























