كيف تتحوّل كهرباء السوريين من خدمة إلى سلعة؟ – اقتصاد الكهرباء السوري الجديد من شركات الشمال إلى مشاريع الطاقة الكبرى

ديما المحمد

    • أُنتِجَ هذا التحقيق ضمن الدورة الثالثة من «برنامج مِنَح الجمهورية للصحفيّات السوريات»، الذي يَدعمُ إنتاج مشاريع صحفية مُعمَّقة تتعلّقُ بشؤون السوريين والسوريات ومعاشهم داخل البلد وخارجه، وكان المُحرِّر المشرف على إنتاجه هو الزميل سلطان جلبي.

      * * * * *

      مقدمة

      ذات ليلة من أواخر عام 2018 هدأ هدير المولدات في مدينة اعزاز بشمال غرب سوريا. «نجاح الجباية المُسبَقَة كان مفتاح قبول الاستجرار من تركيا» يقول الدكتور خليل الإبراهيم، الصيدلاني الذي صار مُؤسِّسَ أول شبكة كهرباء خاصة في الشمال السوري، بدأها بمحطة «ديزل» صغيرة مُستعمَلة اشتراها من قطر ليُقنِعَ الجانب التركي بأن مشروعه قابل للتنفيذ وأن النموذج قابل للحياة: عدّادات ذكية، بطاقات شحن مُسبقَة الدفع، وفاقدٌ منخفض. وبعد ذلك بأسابيع «جاء وفد من الرئاسة التركية ورأى النموذج ….ثم التقينا بوزير الطاقة التركي». تطلّبَ الأمرُ سلسلة من الموافقات والإجراءات التي استغرقت ستة أشهر، حتى تم بالفعل استجرارُ الكهرباء من تركيا إلى اعزاز.

      هكذا بدأت حكاية الكهرباء في شمال حلب، وامتدَّ الضوء إلى الراعي وجرابلس والباب، وحتى إدلب التي لم يتمكنوا بحسب خليل الإبراهيم رئيس مجلس إدارة شركة (AK energy) من تزويدها بالكهرباء بسبب العقوبات على هيئة تحرير الشام، التي كانت تحكم المدينة منذ العام 2017. ولذلك أُنشِئت في إدلب شركة (غرين إينرجي)، التي قامت باستجرار الكهرباء في نهاية عام 2021 بعد أن استفادت من النموذج المُطبَّق في اعزاز كما قال لنا الدكتور خليل: «كنا نتعاون في كل الأمور التي يطلبونها منا وخاصة التقنية والخبرات، وكنا بالمقابل نطلب من مصنعهم مُحوِّلات». ويقصد به معمل «حياة» للمُحوِّلات الكهربائية التابع لشركة (غرين إينرجي)، والذي سنتحدث عنه لاحقاً في سياق هذا التحقيق.

      يكمن الفرق في أن الشركة في إدلب محلية، وتعمل عبر شركة وسيطة في تركيا تقوم باستجرار الكهرباء (سنكشف في تحقيقنا عن اسمها واسم صاحبها وعلاقتهم بالسلطات في تركيا وعقودهم مع دمشق)، في حين تعمل الشركات الخاصة الأخرى في الشمال (AK energy) و(STE energy) مباشرةً مع السلطات التركية دون وسطاء، وبترخيص تركي.

      وما إن استقرَّت الكهرباء ودخلت إلى بيوت السوريين في تلك المناطق، حتى بدأت تُطرَحُ أسئلة الشفافية والتسعير ودور الكهرباء كسلعة حيوية. من يملك القرار في تحديد السعر؟ وكيف تجري آلية التسعير؟ ومن يضمن ألّا يتحول الضوء في المنازل إلى امتياز مُغلَق؟

      يَتتبَّعُ هذا التحقيق مسارَ اقتصاد الكهرباء، بِدءاً من أول محطة ديزل استُجلبت من قطر وصولاً إلى تعقيدات اليوم: من دعَمٍ ووساطات، وتَضارُب في المصالح، وغياب للشفافية. ومن خلال تقصّي تجربة الكهرباء في الشمال السوري، يحاول هذا التحقيق الإجابة على سؤال حول طبيعة الاقتصاد في ظل الحكومة الجديدة، أهو اقتصادٌ حرٌّ كما يُزعَم؟ أم يقوم على شبكة زبائنية تعتمدُ الولاءات وتسعى للاحتكار؟

      اعتمدنا في تحقيقنا على مقابلات مع موظفين في شركات الكهرباء المختلفة العاملة في الشمال السوري وخبراء في الاقتصاد والحوكمة، وعينة واسعة من مشتركي الكهرباء في مناطق مختلفة تقع ضمن نطاق عمل الشركات الثلاث. واستندَ التحقيق أيضاً على بحث مُكثّف في المصادر المفتوحة، بما في ذلك رصد الجريدة الرسمية السورية وجريدة حكومة الإنقاذ سابقاً في إدلب والسجل التجاري للشركات في تركيا، كما شمل الاستقصاء فحصَ المواقع الرسمية للشركات وصفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، والموقع الرسمي لوزارة الطاقة السورية والمديريات التابعة لها، وصفحات التواصل الخاصة بها. إضافة إلى مقالات كثيرة في وسائل الإعلام السورية والتركية والقطرية، تحدثت عن موضوع الكهرباء في سوريا قبل سقوط النظام وبعده.

      كيف تُدار الكهرباء في ريف حلب؟ (AK Energy) كأول تجربة خاصة

      يروي لنا خليل الإبراهيم أنه، وفي أعقاب المعارك ضد تنظيم داعش في ريف حلب الشمالي، كانت الكهرباء تُنتَج عبر مولدات ديزل عشوائية مرتفعة التكلفة وشديدة التلوث في سياق فراغ خدمي عميق. فبرزت الحاجة إلى حلِّ لمشكلة الكهرباء، «ولكن الشركة لم تأتِ كذراع إغاثي أو امتداد لمؤسسة عامة بل كمشروع استثماري خاص».

      تأسَّست الشركة بحسب السجل التجاري التركي عام 2018، أسَّسها خليل الإبراهيم مع شريكين تركيين هما رجب شوبان وياسين يوجيكايا في مدينة كيليس التركية. بدأت الشركة عملها في مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي، ثم توسَّعت تدريجياً لتشمل الباب والراعي وجرابلس وتل أبيض ورأس العين. بدأت الشركة عملها عبر عقود ثنائية مع المجالس المحلية، تم توقيعها بإشراف مباشر من الولاة الأتراك.

      يشرح لنا محمد عيد المدني، مدير العلاقات العامة في الشركة بفرع اعزاز: «في البداية كانت العقود بين وزارة الطاقة التركية والمجالس المحلية، وبإشراف الوالي التركي في كل منطقة… هو المُشرِف على القطاع الخاص في منطقته وعلى توقيع العقود». وأضاف أن هذه العقود منحت الشركة حق استجرار الكهرباء من تركيا وتوزيعها محلياً مقابل التزامها بتمديد الشبكات داخل المخططات التنظيمية. وتكشف لنا البيانات المنشورة في الموقع الرسمي لمؤسسة توزيع الكهرباء التركية TEİAŞ، أن شركة (AK Energy/ AKIT Ener) تستجر كهرباء عبر معبر (ELBEYLİ ÇOBANBEY) وبلغت كمية الكهرباء التي استجرتها خلال عام 2025 وحده 45 ميغا واط شهرياً.

      تكمن أهمية تجربة (AK Energy) في أنها ليست مجرد شركة توزيع بل نموذجاً لشراكة هجينة، فهي شركة خاصة تأسَّست في تركيا بعقود محلية وتغذية خارجية وإشراف تركي مباشر في بدايتها، فَشكّلَت بذلك نموذجاً سيُصبح لاحقاً مرجعية لما جرى تعميمه في مناطق مجاورة، وبعدها في إدلب.

      التسعير بين الدعم التركي وقدرة الناس على الدفع

      اعتمدت الشركة نموذج تسعير مرتبط مباشرة بمصدر الكهرباء التركي، إذ قال لنا محمد عيد المدني إن سعر الكهرباء مُضافَاً إليه تكلفة الاستجرار وأجور نقل الكهرباء أصبحَ أعلى حتى من الأسعار في تركيا، لكن إدارة الشركة استطاعت بعد جهود أن تحصل على دعم حكومي تركي مباشر للسعر بما يتناسب مع وضع ودخل الناس في الشمال السوري، وهذا ما أكده لنا أيضاً رئيس مجلس إدارة الشركة أثناء حديثنا معه. ويضيف المدني: «لو تمت إزالة الدعم لكان سعر الكيلو واط المنزلي حوالي الـ 7 ليرات تركية»، لكنه اليوم يتراوح بين 3 – 4.95 ليرة تركية مُتأثِّراً بالحالة الاقتصادية في تركيا بشكل مباشر. هذا الدعم، الذي بدأ قبل سقوط النظام، واستمرَّ حتى هذه اللحظة، مكّنَ الشركة من تثبيت تسعيرة أدنى من تلك المعتمدة في إدلب، حيث تُستَجَرُّ الكهرباء عبر وسيط تركي، ما يُضيف كلفة إضافية على السعر النهائي.

      ومع ذلك فإن هذا «الدعم» لا يقرأه المشتركون كنجاح تقني، بل هو أشبه بمعادلةٍ بين امتنانهم لوجود كهرباء وسخطهم على غلاء الخدمة. تختصرُ لنا المُشترِكة هديل هذا التناقض بشكل واضح: «يعني بالنهاية في كهربا بعد انقطاع طويل، قبل الـ 2019 كنا نعتمد على الليدات والمولدات، فلقيناها منيحة.. وحسينا إنه نعمة في كهربا 24 ساعة وبمبالغ أقل من الأمبيرات. بس بشكل عام في نقاشات إنه الشركة غالية وعم ترفع السعر باستمرار». أمّا كوثر فقالت إن المسألة لا تتعلق بالخدمة وحدها: «الخدمة صارت أفضل من الأمبيرات والمولدات، بس السعر كتير مرتفع وما بيتناسب مع دخل الناس.. بالنهاية نحنا مجبورين، الشركة محتكرة وما في منافس إلها». 

      أمّا الجباية فكانت أحد عناصر القوة الأساسية في تجربة (AK Energy) منذ بداياتها، حيث اعتمدت نظام الدفع المُسبَق للكهرباء المنزلية، بينما تعتمد المؤسسات العامة وما في حكمها نظامَ الدفع اللّاحق. قُدِّمَ هذا النموذج بوصفه حلاً تقنياً لمشكلة الجباية، وأعاد في الواقع صياغة العلاقة بين المشتركين والكهرباء، فحصول المواطن على الكهرباء مشروطٌ بقدرته على الدفع لا بوصفها خدمة مستقرة.

      وزارة الطاقة السورية تدخل مشهد الكهرباء في الشمال

      قبل سقوط النظام كانت علاقة الشركة بالسلطة المحلية قائمة على نموذج مُتشابِك: عقد الاستجرار مع الجانب التركي وعقود التشغيل ومدّ الخطوط الداخلية موقعة مع المجالس المحلية، وبإشراف مباشر من الولاة الأتراك في كل منطقة. وهذا النموذج، كما وصفه لنا مدير العلاقات في الشركة محمد عيد المدني، يمنح المجالس المحلية دورَ الشريك التنظيمي أكثرَ من كونها جهة رقابية. أمّا بالنسبة للقرارات الكبرى والاستراتيجية، ولا سيما المتعلقة بالاستجرار، فبقيت في يد الجانب التركي.

      ومع انتقال الإشراف بعد سقوط النظام إلى مظلة وزارة الطاقة، ثمة مرحلة انتقالية يجري فيها تثبيت نموذج حوكمي جديد تُصبح الشركة بموجبه خاضعة تنظيمياً لوزارة الطاقة السورية ومديرية كهرباء حلب. وظهر على الأرض فاعلٌ إداريٌ جديد ما يُعرف بـ «مدراء المناطق»، الذين تم تعيينهم للإشراف على قطاعات خدمية مُحدَّدة من بينها الكهرباء من دون أن تكون لهم خبرات تقنية أو معرفة سابقة بطبيعة العمل، وذلك بحسب مقابلاتنا مع مسؤولين في الشركة. هذا المستوى الإداري الوسيط خلقَ حالة من الارتباك وسوء الفهم بحسب مُوظَّف في القسم البرمجي في الشركة فضل عدم نشر اسمه، إذ وصفَ هذا التدخل أنه «فوقي وغير تقني»؛ يقول: «اليوم لما يجي لعنا شخص من وزارة الطاقة أو من مديرية الكهرباء منكون فاهمين بعض مية بالمية… بس بيجي مدير منطقة لا هو فاهم طبيعة شغلنا ولا فاهم شو عم نطلب، وبيصير التعامُل بفوقية». ورغم صدور تعليمات رسمية بفرز مهندسين من مديرية كهرباء حلب لمتابعة عمل الشركات الخاصة في الشمال، يؤكد موظفو (AK Energy) أن هذا الإشراف لم يتبلور بشكل مُنتظَم أو مُؤسَّسي بعد.

      ولا يبدو أن هناك تغيّراً كبيراً على مستوى الاقتطاعات الضريبية والرسوم التي تتقاضاها وزارة الطاقة من الشركة، حيث يتضمن النموذج الجديد اقتطاع نسبة 5-10 بالمئة من صافي أرباح الشركة لصالح الحكومة السورية، وهي النسبة نفسها التي كانت تُدفَع للمجالس المحلية بحسب مسؤولي الشركة. على ذلك، ينظر البعض إلى التحول في الإشراف باتجاه وزارة الطاقة كإعادة توزيع للقوة الإدارية أكثر منه انتقالاً سلساً نحو حوكمة أوضح، إذ تراجعت سلطة المجالس المحلية ودورها أمام سلطة مدراء المناطق الذين عينتهم السلطة الجديدة، مع بقاء وزارة الطاقة المرجعية الأكثر قبولاً لدى الشركة.

      الشركة السورية التركية القابضة: ضياء قدور رجل الأعمال الذي عبر الحدود

      ظهرت الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية كثاني شركة تعمل في نقل وتوزيع الكهرباء في شمال غرب سوريا بعد عام 2020، ولا سيما في مدينة عفرين وريفها. تأسست الشركة وجرى ترخيصها في تركيا تحت اسم (STE Enerji)، مقرها مدينة كلّس على الحدود السورية جنوب تركيا عام 2019 في السجلات التجارية الرسمية التركية، وقد أسسها مجموعة من رجال الأعمال السوريين المقيمين في تركيا وهم: ضياء قدور ومحمود قدور ومؤيد حميدي وفراس فارس، وذلك بحسب السجلّ التجاري التركي. وتكشف لنا البيانات المنشورة في الموقع الرسمي لمؤسسة توزيع الكهرباء التركية TEİAŞ أن شركة (STE) تستجرّ 100 ميغاواط من الكهرباء شهرياً عبر خط (REYHANLI – AFRİN) (ريحانية – عفرين).

      تُعَدّ شركة (STE Enerji) إحدى شركات المجموعة السورية التركية القابضة STH-Holding التي يقودها رجل الأعمال السوري التركي ضياء قدور، الذي برزَ حضوره مؤخراً في مشروعات اقتصادية متعددة عبر شركات مجموعته القابضة. وتعمل الشركة على تزويد الكهرباء وتشغيل الشبكات وبناء البنى التحتية الكهربائية وتطويرها في مناطق عفرين وريفها، عبر استجرار الطاقة من تركيا. وتعتمدُ، كما الشركتين العاملتين في شمال غرب سوريا، على نظام الدفع المسبق.

      بعد سقوط نظام الأسد تَمدَّدَ نشاط المجموعة القابضة وصاحبها الطموح ضياء قدور، فنرى عبر حسابات شركة الكهرباء على السوشل ميديا اتساع نشاطاتها لتشمل مشاريع بنى تحتية أكثر تعقيداً، مثل دورها في تأهيل محطة تحويل كرمين الرئيسية في تل رفعت بالتعاون مع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، إضافة إلى تنفيذ مشروع تزويد أبراج الاتصالات لشركة (MTN) بمنظومة طاقة شمسية. وهذا يدل على سعي الشركة للعمل في باقي المناطق السورية، وعدم الاكتفاء بعفرين وريفها.

      ويُمكن للمُتابِع عن كثب رصدُ أنشطة رئيس مجلس إدارة الشركة ضياء قدور وشراكاته، فنرى توقيعه اتفاقيات مع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، تشمل تطوير مشاريع طاقة شمسية بقدرة تصل 500 ميغاواط. وقد عملَ على العديد من المشاريع والشراكات من خلال مجموعته القابضة، مثل شراكته مع عبد الرحمن قديد ابن محمد عمر قديد المعروف بـ (أبو عبد الرحمن زربة) (شخصية اقتصادية رئيسية في هيئة تحرير الشام HTS سابقاً)، حيث شمل الاتفاق توقيع شراكة بينهما عبر مجموعته مُمثَّلةٍ بضياء قدور وشركة طيف ممثلة بعبد الرحمن قديد، لتوزيع منتجات وكالة (ARDO) الإيطالية داخل الأراضي السورية، إضافة إلى كثير من المشاريع في حلب ودمشق.

      صورة تجمع ضياء قدور (يمين الصورة) وعبد الرحمن قديد ابن محمد عمر قديد في إعلان لتعاون تجاري وشراكة فيما بينهما.

      نموذج إدلب: Green Energy الشركة التي تعمل في الضوء وتُدار في الظل

      حين وصلت الكهرباء إلى إدلب عام 2021، بدا الأمر بمثابة انتصار صغير لمدينة أُنهِكَت بعد سنوات من الظلمة؛ ببطاقة صغيرة لشحن الرصيد مسبقاً، عدّاد إلكتروني مُستورَد، وفرق صيانة تزور الأحياء بالسترات الصفراء التي تحمل شعار شركة (Green Energy). لكن خلف هذه الصورة العصرية تقف شبكة معقدة من المصالح المتشابكة والمُلكيات الغامضة، التي يشوبها كثيرٌ من عدم الشفافية.

      نشأت شركة (غرين إينرجي) في فراغ إداري واقتصادي صنعته سنوات من عزل إدلب عن باقي الخارطة السورية، وكذلك عن الشركات التركية المرخصة لنقل وتوزيع الكهرباء في مناطق ريف حلب الغربي. تأسست الشركة كَحلٍّ داخلي خاص بمحافظة إدلب، واعتمدت على وسيط تركي لشراء الكهرباء من الحدود ونقلها إلى الشبكات داخل إدلب، بعكس الشركات الخاصة الأخرى العاملة في ريف حلب الغربي التي تستجرُّ الكهرباء بشكل مباشر من تركيا بوصفها شركات تركية الترخيص. هذا الفارق وحده كان كافياً لخلق نموذج تسعير أعلى وتكلفة تشغيلية أكبر. اعتمدت (غرين إينرجي) بحسب الدكتور خليل الإبراهيم على النموذج الذي أنشأه في اعزاز وأثبت نجاحه: «نفس النموذج أخذوه منا تقريباً». بالنسبة لمئات الآلاف من سكان إدلب، كان هذا النظام الكهربائي الجديد انقلاباً على زمن الأمبيرات الذي ولّى من غير رجعة. لكنه أيضاً كان بداية الأسئلة التي لن يجيب عليها أحد: من يمتلك هذه الشركة ومن يديرها؟ لمن تذهب أرباح الشركة؟ ولماذا السعر أغلى من جيرانهم؟

      لعلَّ أوضح مُؤشِّر على غياب المعلومات كان خلال محاولاتنا التواصل مع موظفي الشركة، فمن أصل سبعة موظفين تواصلنا معهم، وافق ثلاثةٌ فقط على الحديث إلينا شرط إغفال أسمائهم. وعلى سبيل المثال،  تجنَّبَ مهندس التشغيل المُقرَّب من الإدارة الإدلاء بأي معلومة حول المُلكية أو مجلس الإدارة، أو حتى عن اسم الشركة التركية الوسيطة، التي قال لنا إنه يتواصل معها باعتباره يتحدث اللغة التركية. وقد أكد مراراً خلال المقابلة أنه «يهتم بالأمور الفنية والتشغيلية فقط ولا يتدخل بالإدارية». أما الموظفان الآخران فكانا يكرران العبارة نفسها بطرق مختلفة: «نحنا ما منعرف شي عن الإدارة والعقود، منلتزم بشغلنا فقط والباقي عند الإدارة».

      سنحاول معاً الإجابة على تساؤلات المهتمين والمهتمات بملف الكهرباء في إدلب، والذي قد يُشكل نموذجاً مُصغَّراً عن الكهرباء في عموم سوريا.

      تقول الشركة على موقعها الرسمي إنها تأسست في حلب عام 2014 تحت اسم (GE Power) ثم اندمجت عام 2019 مع شركة (Green Future) للاستثمار ليُصبحا ما يُعرف حالياً باسم (Green Energy). وبحسب رواية الشركة فإنها بدأت استجرار الكهرباء إلى إدلب عام 2020، والتغذية الفعلية بدأت عام 2021.

      في الوثائق الرسمية، تمتلك شركة (Green Energy) عقد استثمار مع وزارة الإدارة المحلية في حكومة الإنقاذ سابقاً، وهو ما تؤكده إشارة وردت في عقد استثمارٍ بين الشركة ومُستثمِر في حقول الطاقة الشمسية بإدلب، حصلت الجمهورية على نسخة منه. لكن عقد (غرين إينرجي) مع الوزارة نفسه لم يُنشَر.

      لقطة شاشة من داخل العقد بين شركة (غرين إينرجي) ومُستثمِر في حقول الطاقة الشمسية، توضح أن الشركة وقعت عقداً مع وزارة الإدارة المحلية في حكومة الإنقاذ.

      تبدو هذه الشركة من الخارج كأي شركة خاصة تُقدِّمُ خدمات الطاقة الكهربائية؛ موقعٌ إلكتروني أنيق، شعارٌ باللونين الأزرق والأخضر، وصورُ مكاتبَ أنيقة ومرتبة. لكن خلف هذه الواجهة اللامعة تتشابك خيوط الشركة، بين «المجلس الاقتصادي» المُموِِّل لكل المشاريع التنموية والخدمية من جهة، وبين خطوط الوصل التركية على معبر الريحانية-حارم ومِن ورائها الشركة التركية الوسيطة (ZEYTINDALI) التي تزوِّدُ (غرين إينرجي) بالكهرباء التركية من جهة أخرى. وبحسب مقابلاتنا مع موظفي الشركة، ومع خبير الحوكمة أسامة الحسين، يتبع المجلس الاقتصادي لهيئة تحرير الشام التي كانت تدير المنطقة.

      ويظهرُ اسم الشركة التركية الوسيطة في الموقع الرسمي لمؤسسة توزيع الكهرباء التركية TEİAŞ، حيث تنشر المؤسسة سنوياً كمية الكهرباء التي تدخل إلى سوريا عبر الشركات الثلاث والمعابر الثلاثة. ولدى مراجعة الموقع رأينا أن شركة (Zeytindalı Elektrik Enerjisi Tedarik Toptan Satış Sanayi ve Ticaret A.Ş) المعروفة باسم (Zeytindalı) تستجرُّ الكهرباء لحساب شركة (غرين إينرجي) عبر معبر (حارم – ريحانية) (REYHANLI – HAREM). وقد بلغت كمية الكهرباء التي تدخل شهرياً إلى إدلب عبر هذه الشركة 100 ميغاواط، وذلك بشكل مُستمر منذ أيار (مايو) 2021 حتى لحظة كتابة هذا التحقيق.

      تتشابك الخيوط أيضاً عند معمل مُحوِّلات حياة الذي يقدم نفسه كأول شركة تصنيع مُحوِّلات كهربائية في الشمال السوري، ويعرض على موقعه الإلكتروني نشاطه كمصنع يعمل من داخل إدلب، مختص بتصنيع وصيانة مُحوِّلات التوتر الكهربائي المختلفة. وقد منحه هذا التوصيف أهمية في منظومة كهرباء المدينة والمنطقة ككُلّ، لأن أي توسع في الشبكة لا يتحقق من دون المُحوِّلات ومن دون جهة قادرة على تأمينها بسرعة ومن داخل المدينة.

      يرتبط المعمل ارتباطاً وثيقاً بشركة (غرين إينرجي)، فهو يعلن صراحة عن تصنيع وتسليم مُحوِّلات لصالح الشركة، ويتحدث عن دفعات متتالية وعن صيانة دورية للمُحوِّلات. هذا يجعله جزءاً من البنية التشغيلية للشركة، لا مجرد مُتعاقِد خارجي.

      لكن الصورة لا تكتمل عند حدود إدلب، فمعملُ حياة للمُحوِّلات بدا لنا وكأنه بذراعين، فهو من جهة يُعَدُّ أول شركة تصنيع محولات كهربائية في الشمال السوري، ولكن ذراعه الثانية تمتد إلى شبكة أوسع في تركيا، إذ يظهر ارتباطه بشركة تركية قابضة تحمل اسم (DMY Hayat Group)، مقرها في ولاية هاتاي، وتعرض نشاط تصنيع المُحوِّلات كجزء من أعمالها، وهو ما يظهر جلياً في موقعها الإلكتروني. ولدى البحث في سجلّ الشركات التركية عن هذه الشركة القابضة، تبيّنَ أنها تأسست في مدينة اسكندرون، وأن صاحبها تركي الجنسية يدعى مراد يلماز.

      لدى مراجعة الجريدة الرسمية لحكومة الإنقاذ، نرى أن عمر شقروق يمتلك العلامة التجارية لمعمل حياة للمُحوِّلات، إضافة إلى شركة (غرين إينرجي). تفتح هذه المعلومات الباب أمامنا للتعرُّف على «رجال الطاقة الجدد في سوريا».

      صورة مأخوذة من الموقع الرسمي لمصنع حياة للمحولات وفيها إشارة واضحة إلى التعاون بين سوريا وتركيا.

      من كهرباء إدلب إلى وزارة الطاقة، رجال الطاقة الجدد

      في كل مفصل من شركة (غرين إينرجي) يظهر لنا اسم المهندس عمر شقروق، في الموقع الرسمي للشركة وفي سجلات الجريدة الرسمية لحكومة الإنقاذ وفي المقابلات مع الموظفين. منذ بداية العمل الإداري في المناطق التي كانت تُسمى «مناطق المعارضة في الشمال السوري» قبل سقوط النظام، أي منذ العام 2013، برز اسم المهندس عمر شقروق في قطاعي الماء والكهرباء، إذ شارك في تأسيس مديرية الكهرباء والماء في حلب التي ستَتبع لاحقاً لإدارة الخدمات العامة لجبهة النصرة تحت اسم مؤسسة الكهرباء العامة، والتي أصبحت لاحقاً تتبع لحكومة الإنقاذ بعد تأسيسها عام 2017، ليُصبح شقروق مُعاوِناً للمدير ثم مديراً للمؤسسة العامة للكهرباء. سيوقّعُ بحسب كثير من المصادر الإعلامية، بصفته مديراً لمؤسسة الكهرباء، اتفاقاً مع شركة (غرين إينرجي) الخاصة لاستجرار الكهرباء وتوزيعها في إدلب وريفها، ثم سيظهر كمدير عام لتلك الشركة التي وقّعَ بنفسه عقداً معها، والتي ستتولى تزويد المدينة بالكهرباء في واحد من أكثر الملفات حساسية في شمال غرب سوريا آنذاك.

      صورة لعمر شقروق مأخوذة من الموقع الرسمي لشركة غرين اينرجي

      ورغم امتناع الشركة عن الإفصاح القانوني بشأن مالكيها، فإن الجريدة الرسمية لحكومة الإنقاذ تكشف تفصيلاً مهماً: شهادة تسجيل علامة تجارية فارقة لشركة (غرين إينرجي) باسم عمر شقروق بن محمد وشركاه لمدة خمس سنوات بدءاً من تاريخ 14 أيلول (سبتمبر) عام 2023. لا يوضحُ هذا التسجيل نِسبَ المُلكية ولا أسماء الشركاء ولا رأسمال الشركة، لكنه يضعُ شقروق في قلب البنية القانونية للشركة، فهو قانونياً مالكٌ لاسم الشركة ما منحه دوراً محورياً في إدارة أحد أهم القطاعات الحيوية في إدلب.

      صورة مأخوذة من الجريدة الرسمية لحكومة الإنقاذ في إدلب الصفحة 4

      في مقابلاتي الميدانية مع موظفين بالشركة يتكرَّرُ اسمه بوصفه صاحب القرار، حيث قال أحد المهندسين الذي رفض أن ينشر اسمه: «الأستاذ عمر غامض، وما بيحب حدا يطّلع على الأمور الإدارية… نحنا منشتغل شغلنا وما منسأل عالباقي». ولا يقتصر هذا التكتم على العاملين فقط، فحتى اليوم لم يُكشَف علناً عن علاقة (غرين إينرجي) بالجهة التركية المزوِّدة للكهرباء، ما يعكس حالة من الحوكمة في إدلب تختلط فيها المؤسسات الرسمية بالشركات الخاصة تحت مظلة سياسية واحدة.

      ويُعزز هذا الانطباع ما قاله الخبير الاقتصادي سمير عيطة في حديثه معنا حول الشركة: «لمن هذه الشركة، من أصحابها؟ شو وضعيتها القانونية بعد توحيد سوريا بـ 8 كانون الأول 2025، شو طبيعة علاقتها مع مؤسسة الكهرباء في سوريا؟ …كل ذلك غير واضح، ولا أحد يكلّفُ نفسه بالتوضيح، ولم يقل لنا أحدٌ مِنهم كيف يعملون». ثم يُضيف عن محاولات الحصول على بيانات رسمية بصفته ممثلاً اقتصادياً للبنك الدولي: «طلبنا منهم صراحة أن يعطونا ميزانيتهم لآخر خمس سنوات..رفضوا». بالنسبة لعيطة، المشكلة ليست في وجود شركة خاصة بل في تحويل الخصخصة إلى حُجّة لحجب المعلومات في قطاع خدمي، فيختصر لنا الوضع بجملة حاسمة: «هل يوجد شركة لا تضعُ تقريرها السنوي وحساباتها ومصروفاتها؟…لا ما في هيك شركة».ونختم بما يعتبره عيطة الوصف الأدقَّ لحالة إدلب اليوم بجملة وصفها بالقاسية: «إدلب أخدت كل سوريا لكنها إلى حدّ الآن مدينة مستقلة».

      وبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، صعد شقروق إلى منصب وزاري عندما عُيّن وزيراً للكهرباء في حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد البشير، ثم مُعاوِناً لوزير الطاقة لشؤون الكهرباء في الحكومة الانتقالية بعد دمج الكهرباء والموارد المائية والنفط في وزارة واحدة. بهذا الانتقال من الإدارة المحلية لمؤسسة كهرباء في إدلب إلى القطاع الخاص ثم إلى منصب حكومي مركزي، يُجسِّدُ شقروق صورة حية وواضحة لشبكة المصالح المتشابكة التي تُعيد رسم ملامح الاقتصاد السوري.

      ولعلَّ شقروق لم يكن الوجه الوحيد الذي صعد من إدارة شركة الكهرباء الإدلبية إلى مراكز صنع القرار، لأن اسم المهندس أسامة أبو زيد سيظهر إلى جانبه في وزارة الطاقة كمعاون للوزير أيضاً، ولكن في شؤون الموارد المائية بعد أن عُيّن في هذا المنصب بالمرسوم التشريعي رقم 36 لعام 2025.

      قبل ذلك كان قد برز اسم أسامة كمدير تنفيذي لشركة (غرين إينرجي)، قبل أن ينتقل إلى وزارة الموارد المائية في حكومة تصريف الأعمال نهاية عام 2024. وذكرت مصادر إعلامية أنه عمل في وقت سابق كمندوب لجبهة النصرة/هيئة تحرير الشام في مديرية المياه، التي أشرفَ عليها جيش الفتح بعد طرد النظام من مدينة إدلب، ثم عملَ كمدير لمؤسسة مياه حكومة الإنقاذ.

      صورة لأسامة أبو زيد مأخوذة من موقع الذاكرة السورية

      ومن الأسماء التي برزت في الملف التعريفي بإداريي الشركة وجدنا المهندس محمود الأحمد، الذي سنراه بعد سقوط نظام الأسد مديراً للشركة العامة لكهرباء حلب، وبدون أيّ آلية مُعلنة توضح كيف ينتقل إداري في شركة خاصة إلى إدارة مؤسسة عامة لإحدى أكبر المدن السورية. هكذا نرى عملية إعادة توزيع واضحة للنفوذ في قطاع الكهرباء السوري، يخرج فيها أغلبُ رجال وزارة الطاقة من داخل الشركة الإدلبية (غرين إينرجي)، ويتكشّفُ لنا نمطٌ مركزيٌ في الاقتصاد الجديد هو أن الولاء أقوى من المسار المهني.

      يظهر أيضاً اسمُ المهندس أحمد الحايك كمدير لفرع (غرين إينرجي) في سلقين، ثم مُؤخَّراً يظهر لأول مرة المهندس نفسه في فيديو على الصفحة الرئيسية للشركة على فيسبوك بوصفه مديرها التنفيذي. ولعلَّ أكثر الحلقات وضوحاً في شبكة المصالح المتعلقة بالكهرباء في إدلب هو إبراهيم حميجو أبو عبد الله، الرجل الذي يشغل حتى لحظة كتابة هذا التحقيق منصبين في آن واحد، فهو مدير فرع إدلب لشركة (غرين إينرجي) إلى جانب إدارة الشركة العامة لكهرباء إدلب. هذا الجمع بين منصبين مُتضادّين؛ شركة عامة وشركةٌ خاصة يعملان في المجال نفسه وفي المدينة نفسها، يخلقُ حالة تضارب مصالح واضحة لم نتلقَّ رداً رسمياً بشأنها من الوزارة ولا من السيد إبراهيم شخصياً عندما أرسلنا لهم للاستفسار والرد.

      شركتان في مبنى واحد 

      عندما سألنا موظفي الكهرباء في إدلب اليوم: «من يدير قطاع الكهرباء فعلياً؟»، جاءت الإجابات مرتبكة ومُتردِّدة وأحياناً متناقضة، لكن خلف هذا الارتباك تكمنُ حقيقة في غاية البساطة والغرابة، وهي أن شركتي الكهرباء العامة والخاصة متواجدتان في المبنى نفسه في طابقين مختلفين وتحت إدارة الرجل نفسه.

      أكد لي جميع من قابلتهم أن شركة (غرين إينرجي) عند تأسيسها استقرَّت في مبنى الشركة العامة لكهرباء إدلب، واستحوذت أو سخَّرَت موارد الشركة من بنية تحتية وموظفين وآليات. يقول لنا مهندس التشغيل في شركة (غرين إينرجي) المُقرَّب من الإدارة: «شركة كهرباء إدلب العامة لساتها نفسها ما صار اندماج رسمي، بس الشركتين ببناء واحد، لكن كل وحدة تبعيتها لحال، وكل وحدة مستودعاتها لحال». وهذا الكلام نفسه خير إثباتٍ على أن التداخل بين الشركتين ليس إدارياً فقط، بل ممتدٌ إلى القوى العاملة، حيث أوضحَ لي أنه قدم طلب إجازة خمس سنوات بلا أجر من عمله من الشركة العامة، حتى يتمكَّنَ من متابعة عمله في شركة (غرين إينرجي) إلى حين انتهاء العقد مع الشركة التركية.

      أمّا موظف تركيب العدّادات فقد أخبرنا رواية مختلفة قليلاً: «ضموا شركة الكهرباء العامة لشركة غرين..دمجوا الورشات وصارو يشتغلوا سوا ودمجوا العاملين ايضاً».

      من المنظور القانوني، هذه ليست شراكة تقليدية بين القطاع العام والخاص، ولا خصخصة مُعلَنة، بل هي أقرب إلى نموذج هجين متداخل: جهاز حكومي يعمل داخل شركة خاصة، وشركة خاصة تعمل بوظائف جهاز حكومي. هذا النموذج الإداري غير المسبوق في إدلب يجعلها حالة خاصة في خارطة الكهرباء بسوريا. أما أسامة الحسين خبير الحوكمة، فقد وصف لنا الوضع بعبارات اختصرت لنا هذا الارتباك الحوكمي: «الشكل شركة… والمضمون دولة، الموظفين موظفي دولة والآليات آليات دولة انتقلت للشركة»، ثم أضاف: «الكهرباء في إدلب نموذجٌ غريب، ولا نعرف إذا كان هذا أمراً مؤقتاً أو تَوجُّهاً دائماً».

      حتى اليوم لا يوجد إعلان رسمي يوضح العلاقة بين الشركتين، رغم أنهما تنشران بشكل منفصل على صفحتيهما الرسميتين على فيسبوك عن نشاطات مختلفة وخطط تشغيلية ومناطق جديدة لمدِّ الكهرباء. ويظهر التداخل بين المؤسستين جلياً في تصريح إبراهيم حميجو الرسمي بتاريخ 17 تشرين الثاني (نوفمبر)، الذي لم يكن مجرد توضيح لساعات التقنين في المحافظة بل أشبه بنافذة صغيرة تكشفُ البنية المزدوجة التي تُشغِّلُ الكهرباء بإدلب: شركة عامة تابعة رسمياً لوزارة الطاقة وشركة خاصة (غرين إينرجي) يُفترَضُ أنها تعمل بعقد استثماري، لكن الرجل نفسه يتكلم عن الجهتين بجملة واحدة، بل ويظهر أنه يشرح خطط القطاع بأكمله لا خطط مؤسسة الكهرباء العامة التي يُمثلها فقط؛ يتحدث عن الاستجرار، عن الدعم، عن تحسن التغذية الكهربائية، وكل ذلك من موقع إداري يُفترَضُ أنه معني بالإشراف والرقابة لا بالترويج والدفاع عن الشركة الخاصة. في منطق الحوكمة، هذا يسمى تضارب مصالح فعلي.

      ثلاث نُظُم لتسعير الكهرباء: بين الربح والعدالة الاجتماعية

      تسعيرُ الكهرباء في إدلب أكثرُ تعقيداً من مجرد فاتورة، وهو مؤشر على تكلفة الضوء في واقع معيشي هش. تبلغ تعرفة الكهرباء التي تقدمها (غرين إينرجي) حوالي 14 سنتاً أميركياً لكل كيلو واط ساعي للشريحة المنزلية، ما يجعل فاتورة أسرة متوسطة الحال تتجاوز 20 دولار شهرياً.

      وعلى الجهة الأخرى من الحدود تُظهر بيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة في تركيا، بحسب ما نشره موقع العربي الجديد في نيسان (أبريل) عام 2025، أن سعر 100 كيلوواط ساعي في تركيا أصبح 259 ليرة تركية، أي أن سعر الكيلوواط المنزلي التركي يقارب 2.59 ليرة تركية وهو ما يعادل 0.068 دولار/كيلوواط ساعي (سعر الصرف وقت كتابة التقرير 38.1 ليرة للدولار). إذا استخدمنا السعر المنزلي التركي كمَرجِع تقريبي (مع التنبيه أن سعر توريد الكهرباء إلى إدلب يتم حسابه بالجملة، وقد يختلف عن سعر التجزئة إضافة إلى تكاليف التشغيل والنقل)، يُصبح الفرق بين سعر الكهرباء في تركيا وإدلب واضحاً:

      في إدلب سعر الكيلوواط الساعي حوالي 14 سنتاً تقريباً، أي أن الفرق هو 7.2 سنت لكل كيلوواط، أي زيادة تقارب 106 بالمئة أعلى من السعر المنزلي التركي. وبلغة أبسط، فإن 100 كيلوواط/ساعة تكلّف المواطن في تركيا حوالي 259 ليرة تركية، بينما تُكلِّفُ في إدلب حوالي 535 ليرة تركية، أي ما يقارب الضعف.

      أمّا إذا قارنا بشكل بسيط مع الأسعار التي حَدَّدتها الحكومة السورية الانتقالية في الربع الأخير من عام 2025، فقد أصبحت شرائح الكهرباء تحتسب بسعر أولي مدعوم 600 ليرة سورية (تقريبا 0.05 دولار) للكيلوواط للشريحة الأولى، ويُطبَّق هذا السعر لأول 300 كيلو واط استهلاك. ما بعد الشريحة المدعومة تصبح التسعيرة 1400 ليرة (تقريبا 0.12 دولار). وهذه تعتبر زيادة كبيرة جداً لأسعار الكهرباء للمشتركين السوريين الذين اعتادوا على تسعيرة شبه صفرية، والذين يعانون من ظروف معيشية سيئة جداً. ورغم ذلك، تبقى أسعار الكهرباء في دمشق أقل بكثير من نظيرتها في إدلب، حيث التسعيرة الأعلى في كل سوريا.

      على أرض الواقع في إدلب، لا يُقرَأ الفرق في الأسعار كجدولِ أرقام بل كضغط معيشي مُرهِق. في حديثنا مع الناس حول الأسعار، يقول أحد المُشتركين: «بتذكر دفعت حق عداد الكهرباء 50 دولار، وبالشهر بعبّي رصيد تقريبا حوالي 250 ليرة تركي، وبتكفّيني إنارة كاملة مع مروحة بالصيف، والبراد تقريباً ساعتين باليوم». وفي المخيمات يتكرر المنطق نفسه لكن بحدة أكبر، حيث قال لنا أحد القاطنين في مخيم بريف إدلب: «بدفع بالشهر تقريباً شي 15 دولار، والأسعار غالية مقارنة بدخل المواطن السوري، لا نستطيع تشغيل براد لفترات طويلة ولا حتى تدفئة». وتحدثنا مُشترِكة عن تجربتها مع الكهرباء: «الفاتورة في منزلي تصل إلى 30 دولار بالشهر، الكهرباء متوفرة 24 ساعة، بس ياريت يرخّصوها أكتر، يعني نحنا ما عنا لا تكييف ولا تدفئة لأنها غالية وما في فرص عمل بالمنطقة». أما المُشترِكة الرابعة فتختصر علاقة الناس مع الشركة لدى سؤالنا عن أسماء الإداريين والمُلّاك: «الناس هون ما دام عم تاخد حاجتها ما بيسألو عَهيك تفاصيل، طالما بتدفعي تمام، ما بتدفعي لأ».

      من شبكات الظل في الشمال إلى مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات

      نغادر الشمال إلى الخريطة الأكبر، فبعد سقوط النظام امتلأت دمشق باتفاقيات طاقية، منها ألواح شمسية تُزرَع في الحقول والبوادي، وخطُّ غاز يعود إلى الحياة برعاية تركية قطرية، وتحالف اقتصادي يقوده آل الخيّاط عبر شركتهم القابضة أورباكون (UCC)، فيعودون إلى المشهد السوري من خلاله. لكن هذه الاتفاقيات كانت تحتاج إلى مركز قرار واحد، يُوقِّعُ ويُفاوض ويمسك بمفاتيح أهم ملف اقتصادي في البلاد. وهكذا ظهرت وزارة الطاقة المستحدثة بالمرسوم رقم 150 لعام 2025، الذي أنهى وجود ثلاث وزارات مستقلة هي النفط والكهرباء والموارد المائية، ليتم جمعها في كيان واحد مركزي واسع الصلاحيات. بموجب هذا المرسوم، تَحوَّلت الوزارة إلى هيئة ذات شخصية اعتبارية مستقلة، تملك سلطة التفاوض وتوقيع الامتيازات وتشرف على اتفاقيات وعقود بمليارات الدولارات.

      تولَّى محمد البشير قيادة الوزارة بعد سنوات من عمله كرئيس لحكومة الإنقاذ في إدلب، ليعود اليوم إلى موقع يُمكِّنهُ من التحكُّم بالملف الأكثر حساسية في البلاد، وإلى جانبه نائبان هما عمر شقروق معاون الوزير لشؤون الكهرباء الذي رأيناه حاضراً في كل مفصل من مفاصل قطاع الكهرباء في شركة (غرين إينرجي) بإدلب، وإلى جانبه أسامة أبو زيد معاون الوزير لشؤون الموارد المائية الذي كان يعمل مديراً تنفيذياً لشركة الكهرباء الإدلبية نفسها.

      بهذه التركيبة بات واضحاً أن هذه الوزارة لم تُبنَ من الصفر، بل جرى استدعاء كوادر قطاع الكهرباء غير الرسمي الذي كان يعمل في وقت سابق شمال البلاد، أولئك الذين اشتغلوا خارج مؤسسات الدولة القديمة لتُصبح خبراتهم بل وربما مصالحهم جزءاً من هيكل السلطة المركزي. تتحول هذه الوزارة عملياً إلى نقطة التقاء عالم الشركات الخاصة في الشمال بعالم الاستثمارات الدولية الضخمة التي ستُعيد تشكيل قطاع الطاقة في سوريا، وستُوقَّعُ بإشرافِها كل العقود اللاحقة، من محطات شمسية بقدرات تبلغ مئات الميغاواط إلى خطوط غاز عابرة للحدود وحتى محطات التوليد الكبرى.

      تحالف المليارات: أورباكون وشركاؤها إلى قلب قطاع الطاقة السوري

      في 29 أيار (مايو) 2025 وقعت وزارة الطاقة السورية مذكرة تفاهم، اعتُبِرَت الأكبر من نوعها في سوريا، مع تحالف دولي تقوده UCC Holding القطرية (أورباكون) ومعها شركتان تركيتان نفّذتا أكبر مشاريع الطرق السريعة والإنشاءات، والتي يُعتبر أهمها مطار إسطنبول الدولي، وهما شركتا كاليون القابضة وجنكيز للإنشاءات، إلى جانب باور إنترناشيونال الأميركية للطاقة. ومن خلال تلك المذكرة، أعلن التحالف الذي تقوده أورباكون استعداده لاستثمار 7 مليار دولار في قطاع الكهرباء السوري. لم تكن تلك المذكرة وعداً استثمارياً عاماً بل مشروعاً محدداً، وهو إنشاء أربع محطات غازية بقدرة 4 غيغاواط ومحطة طاقة شمسية بقدرة 1 غيغا واط، مُوزَّعة على مناطق متفرقة من البلاد من شمال حلب مروراً بدير الزور والمنطقة الوسطى إلى ريف دمشق. في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 عقدَ التحالفُ اجتماعاً رفيع المستوى في الدوحة بمشاركة الشركاء الأتراك والأميركيين، قبل أن تُعلِنَ دمشق بعد أيام قليلة في 6 تشرين الثاني توقيع الاتفاقيات النهائية للمشروع، الذي سيبدأ تنفيذ جزء منهُ «فوراً». ليست هذه الاتفاقية مشروعاً عابراًو بل هي أول خارطة طريق لتوزيع النفوذ الاقتصادي في سوريا ما بعد الحرب، حيث نرى الشركات التركية صاحبة المشاريع الكبرى في بلدها تحاول أن تأخذ موطئ قدم استراتيجي في سوريا ومعها أورباكون القطرية.

      خط الغاز الأذري

      في صيف عام 2025 أُعلنَ بدءُ ضخِّ الغاز الأذري إلى سوريا عبر تركيا لتصدير 1.2 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من حقل شاه دنيز في بحر قزوين، على أن تبلغ الكمية المبدئية نحو 3.5 مليون متر مكعب يومياً، وذلك بنتيجة اتفاق ثلاثي رعته أنقرة ودعمته قطر بهدف تأمين وقود مُستقِرٍّ لمحطات التوليد الكهربائية بعد سنوات من التوقف شبه الكامل. جاء الاتفاق بوصفه خطوة لإنقاذ الشبكة الوطنية ورفع ساعات التغذية الكهربائية في المدن السورية. وضمن المسار نفسه، في آب (أغسطس) من عام 2025 وقعت المديرية العامة للنفط في وزارة الطاقة السورية وشركة النقاش القابضة التركية اتفاقية لتوريد 1.6 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً من أذربيجان إلى سوريا، وتحدثت المصادر عن أن هذه الاتفاقية تأتي لاستكمال الكميات المتفق عليها سابقاً مع شركتي سوكار الأذرية وبوتاش التركية لتحسين واقع الطاقة في سوريا.

      لدى البحث عن هذه الشركة التركية في المواقع التركية وفي السجلّ التجاري التركي، تبيَّنَ أن رئيس مجلس إدارتها رمضان أوزتورك هو المؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة (Zeytindalı)، الشركة التي رأيناها سابقاً تستجرُّ الكهرباء لصالح شركة (غرين إينرجي) في إدلب. هذا التداخُل بين توريد الغاز على المستوى الوطني واستجرار الكهرباء في الشمال من خلال شركات وسيطة يكشف عن نمط مُتكرِّر، وهو حضور تركي كثيف في مفاصل الطاقة السورية، وليس عبر جهة واحدة أو من خلال عقد واحد بل عبر شركات عدة رأينا منها النقاش القابضة وكاليون وجنغيز، وقد نرى كثيراً غيرها في وقت لاحق.

      تَشارُكية أم زبائنية؟

      سوريا بحاجة ماسّة للكهرباء، وتعمل شركات محلية وإقليمية على ملء الفراغ وتتحول تدريجياً إلى شركاء لا غنى عنهم في تشغيل الشبكة. لكن بينما تُعرَض هذه الترتيبات بوصفها حلولاً مؤقتة لظروف طارئة، يبقى في أذهاننا سؤال مفتوح حول مستقبل هذا النموذج: هل هو مرحلة انتقالية نحو قطاع تشاركي مستقر؟ أم تثبيتٌ عمليٌ لاقتصادِ طاقةٍ قائمٍ على الوساطة والمصالح والشراكات غير الشفّافة؟

      لقد رصدنا في هذا التحقيق تطورات قطاع الكهرباء، من محطة ديزل قطرية مُستعمَلة اشتراها صيدلاني ليُقنعَ مسؤولين أتراك بنجاح فكرة الجباية المُسبَقة، ثم تأسيس شركته كأول شركة كهرباء خاصة تعمل في الشمال السوري، إلى شركة محلية غير شفّافة في إدلب تستجرُّ الكهرباء من على الحدود التركية عبر وسيط تركي له نفوذ قوي في بلاده، لننتقل بعد ذلك إلى وزارة طاقة جديدة تُوقِّعُ مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات واتفاقيات مع شركات إقليمية وعالمية. يُظهِرُ هذا التحقيق أن الضوء الذي يعود ليُضيء بيوت السوريين وشوارعهم لم يَعُد خدمة عامة، بل أصبح سلعة باهظة التكلفة وبوابة واسعة من شبكات المصالح والنفوذ، تمتد من إدلب إلى حماة ودير الزور، ومن دمشق إلى الدوحة وإسطنبول.

      في كل مشهد من مشاهد هذا التحقيق كان هناك ضوء يشتعلُ في مكان ما؛ شارعٌ رئيسيٌ في إدلب أو مصابيحُ بيوت في اعزاز، وكان هناك حجر أساس يوضع لبداية مشروع في مكان ما؛ محطات توليد ومزارع طاقة شمسية في دير الزور وحماة ودمشق. لكن كلما اقتربنا من مصدر هذا الضوء اكتشفنا أن ما يجب أن يكون خدمة عامة يجري في الواقع عبر شبكة كثيفة ومُتزايدة كلَّ يوم من الشركات الخاصة والتحالفات الإقليمية أكثر مما يجري عبر مؤسسات دولة يُفترَض أن تكون أكثر شفافية ومسؤولية أمام مواطنيها.

      استندنا أثناء محاولتنا الإجابة على سؤال كيف تعمل الكهرباء في سوريا إلى عشرات المقابلات والمراسلات والوثائق الرسمية والسجلات التجارية والمصادر المفتوحة، وقادنا هذا السؤال إلى قلب اقتصاد جديد يُعاد تشكيله، وإلى شبكة مصالح معقدة تتشابك فيها السلطات المحلية مع التحالفات الدولية ومع الشركات الخاصة التي قد تتحرك في بعض الأحيان بسلطات تفوق المؤسسات العامة. كان الطريق إلى جمع هذه الخلاصات طويلاً، يتخلله موظفون خائفون من الكلام، ومستثمرون يَروُونَ تجربتهم بحماس أو تحفُّظ، إضافة إلى البحث في سجلات رسمية ومحاضر اجتماعات شركات قابضة تركية وقطرية، ورصد أخبارها عبر صفحات السوشل ميديا.

      بدأ التحقيق بمحاول فهم التجربة الإدلبية، لكننا خرجنا منه بفهم أن إدلب لم تكن استثناءً بل كانت المكان الذي خرجت منه العدّادات الذكية وغياب الإفصاح والرجال أصحاب الولاء والخبرات غير الرسمية إلى قلب وزارة الطاقة، التي تتحول كل يوم إلى نقطة التقاء عالم الشركات المحلية والحدودية بعالم التحالفات الإقليمية الضخمة. الشكل يُظهِرُ الإصلاح والشراكة. لكن المضمون يخبرنا عن النفوذ الذي يُعَاد توزيعه على مقاس شبكات مصالح ونفوذ تعمل في الظل أكثر مما تعمل في الضوء.

      ما يمكننا قوله عن هذا الاقتصاد الذي يُؤسَّس، أنه ليس اقتصاداً حراً كما رُوِّجَ له في البداية، بل هو اقتصادٌ زبائني مصلحي قائم على الاصطفافات السياسية والولاءات، ويُدار عبر الشركات الخاصة والوسطاء أكثر مما يُدار عبر المؤسسات العامة. في هذا الاقتصاد تُصبح بطاقة شحن الكهرباء وحتى فاتورتها عبارة عن عقد ولاء غير مكتوب: فأنت تدفع لتبقى في الشبكة حتى لو كان الدفع أكبر بكثير من قدرتك على تَحمُّله. أنت أيضاً عزيزي المشترك تقبل بشروط لم تُشارِك في صياغتها، ولا تعرف كلّ من يقفون خلفها. فهل يُمكن أن تتحول هذه البنية إلى قطاع طاقة مُنظَّم تُنشر فيه العقود وبنودها وتُحاسب الشركات وتُراقب، وتعاد فيه الكهرباء إلى موقعها كحق أساسي لا كسلعة مُحتكَرة؟ أم أننا أمام تأسيس طويل الأمد لطبقة جديدة من «أمراء الطاقة» على امتداد الخارطة السورية؟

Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

فبراير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist