الكهرباء نموذجاً
يضيف عزوز أن ملف تسعير الكهرباء يعد مثالاً عملياً ومباشراً على الجدل الدائر حول تحرير الأسعار، ففي الدول المستقرة، لا تتجاوز فاتورة الكهرباء المنزلية عادة 2 إلى 3 في المئة من دخل الفرد، ما يجعل أثرها المالي ضمن حدود يمكن استيعابها من دون أن تتحول إلى عبء معيشي، أما في بيئة ذات دخول متدنية للغاية، حيث لا يتناسب مستوى الأجور مع تكاليف الخدمات، فإن تسعير الكهرباء وفق منطق السوق لا يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك بقدر ما يتحول إلى ضغط يومي إضافي على الأسر.
لكن الأثر لا يتوقف عند حدود المنازل السورية، فالكهرباء في مدينة مثل حلب ليست خدمة منزلية فحسب، بل هي عصب رئيسي للورش الصناعية الصغيرة، والمعامل الضخمة، ومحال الحدادة والنجارة والخياطة، ومضخات المياه في الأراضي الزراعية، وسلاسل التبريد في المتاجر، وأي زيادة في كلفتها تنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، التي تنعكس بدورها على السعر النهائي للسلعة، في سوق يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية.
في أحد الأمثلة التي رصدها موقع تلفزيون سوريا خلال استطلاع ميداني، أشار صاحب ورشة خياطة في حي سيف الدولة إلى أن فاتورة الكهرباء الشهرية أصبحت تقارب قيمة أجور العاملين لديه، ما اضطره إلى تقليص ساعات التشغيل وخفض عدد العمال، وفي ريف حلب، أوضح مزارعون أن تشغيل مضخات المياه لري الأراضي بات أكثر كلفة من العائد المتوقع من المحصول، ما دفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو التوجه نحو الزراعة البعلية، فالمخاطرة في زراعة البعل أقل.
وبهذا المعنى، لا تتحول زيادة تسعير الكهرباء إلى بند مالي إضافي فقط، بل إلى عامل يؤثر في قرار الإنتاج ذاته، هل يستمر صاحب الورشة؟ هل يزرع الفلاح أرضه؟ هل يوسع التاجر نشاطه أم يجمده؟ كل ورشة تغلق، وكل أرض تتوقف عن الإنتاج، تعني عملياً زيادة في البطالة، وتراجعاً في المعروض من السلع، وما يتبع ذلك من ارتفاع إضافي في الأسعار، في حلقة تضغط أكثر على المجتمع.
ويرى منتقدون أن أي خطوة نحو تحرير أسعار خدمات أساسية كالكهرباء ينبغي أن تسبقها إجراءات موازية وواضحة، مثل تنظيم الأسواق والحد من الاحتكار، وفرض حد أدنى حقيقي للأجور يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتوفير شبكات حماية اجتماعية فعّالة، وقياس الأثر المتوقع على القطاع الإنتاجي قبل التنفيذ، حتى لا يتحول الإصلاح المالي إلى عبء اقتصادي واجتماعي مضاعف.
بين ضرورات الإصلاح ومخاطر الكلفة الاجتماعية
يشير الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن تحرير الأسعار يعد من أكثر الخيارات الاقتصادية حساسية في الدول الخارجة من اضطرابات طويلة، لأن هذا القرار يقع في نقطة تقاطع دقيقة بين الحاجة الملحّة لإصلاح الاختلالات المالية، وبين هشاشة الواقع الاجتماعي والمعيشي، ففلسفة تحرير الأسعار، من الناحية النظرية، تقوم على تقليص التشوّهات في السوق، وإعادة توجيه الموارد بكفاءة، والحد من الهدر، وتخفيف العبء المالي عن الدولة، خاصة عندما تكون الإيرادات العامة محدودة والالتزامات كبيرة.
ويوضح السيد عمر أن الحكومة، وفق هذا المنظور، لا تتبنى نموذج السوق الحر بصيغته الكاملة، بل تتجه نحو مسار مرحلي يهدف إلى إدارة الندرة وضبط الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات، أي أن المسألة، كما يصفها، ليست انتقالاً أيديولوجياً نحو اقتصاد حر، بل محاولة للتكيّف مع واقع مالي ضاغط، غير أن هذا التوجه، كما يؤكد، لا يمكن فصله عن ضرورة مرافقة أي تحرير للأسعار بإجراءات واضحة تحمي القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة، لأن السوق في بيئة ضعيفة الإنتاج والمنافسة قد يتحول من أداة تنظيم إلى عامل ضغط إضافي على المجتمع.
ويبرز عامل التوقيت هنا بوصفه عنصراً حاسماً في تقييم هذه السياسة، فتحرير الأسعار في اقتصاد مستقر، يمتلك قطاعاً إنتاجياً نشطاً، ومنافسة حقيقية، وبنية تحتية سليمة، يختلف جذرياً عن تطبيقه في اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ومحدودية المنافسة، واختلال سلاسل التوريد، وفي مثل هذا السياق، قد لا تؤدي آليات السوق إلى تصحيح الاختلالات ذاتياً، بل قد تكرسها، ما لم تترافق مع رقابة فعّالة وسياسات مكملة تضبط إيقاع السوق وتمنع تحوّل التحرير إلى فوضى سعرية.
من هنا، يرى السيد عمر أن الحكم على هذه السياسة لا يمكن أن يكون تبسيطياً، بوصفها طريقاً مؤكداً للتعافي أو وصفة جاهزة للانهيار، بل هي مسار ضيق بين ضرورات مالية ملحة وكلفة اجتماعية مرتفعة، يتطلب دقة في التوقيت، ومرونة في التنفيذ، واستعداداً للتعديل المستمر وفق النتائج على الأرض، فنجاح أي تحرير للأسعار يبقى مرتبطاً بمدى قدرته على الاندماج ضمن رؤية أوسع تربط الإصلاح الاقتصادي بالاستقرار الاجتماعي، لأن غياب هذا الربط يفقد السوق وظيفته كأداة إصلاح، ويحوّله إلى عبء إضافي على مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية.
لا يبدو الجدل حول تحرير الأسعار في سوريا مجرد خلاف اقتصادي بين فريقين في إدارة السوق، بقدر ما هو نقاش حول قدرة المجتمع نفسه على تحمل تبعات هذا التحول في لحظة لا يزال فيها التعافي هشاً وغير مكتمل، فالفجوة الواسعة بين مستويات الدخل وكلفة المعيشة، وضعف الإنتاج، وغياب شبكات الحماية الكافية، تجعل أي قرار من هذا النوع يتجاوز أثره الحسابات المالية ليصل مباشرة إلى الاستقرار الاجتماعي، والتجارب الدولية، والواقع الميداني في مدن كحلب، يقدمان مؤشرات واضحة على أن نجاح مثل هذه السياسات لا يرتبط بجرأة القرار بقدر ما يرتبط بتوقيته، وتسلسله، والإجراءات المرافقة له، فالسوق، في بيئة مستقرة، قد يكون أداة فعالة لإعادة التوازن، لكنه في بيئة منهكة قد يتحول إلى عامل يضاعف الاختلالات القائمة.
لذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام صانعي القرار ليس في تبني تحرير الأسعار أو رفضه، بل في كيفية إدارته ضمن رؤية أشمل توازن بين متطلبات الإصلاح المالي وحماية الفئات الأوسع، بحيث لا يتحول الإصلاح المنشود إلى عبء إضافي على مجتمع لا يزال يدفع كلفة سنوات طويلة بسبب حرب النظام المخلوع وما نتج عنها من خراب ودمار طال مختلف القطاعات، بما فيهم الإنسان السوري.
- العربي الجديد


























