يُعدّ مفهوم “النصر” أحد أكثر المفاهيم تعرّضاً للتلاعب والتشويه في الخطاب السياسي للأنظمة السلطوية، حيث يُفرَّغ من مضمونه الأخلاقي والوطني، ويُعاد تعريفه بما يخدم مصالح السلطة لا مصلحة المجتمع. ففي السياق الطبيعي، يُفترض أن يُقاس النصر بمدى تحقيق الأمن الجماعي، وحماية السيادة، وتقليص الخسائر البشرية، والتغلب على مشكلات كبرى في سياق اجتماعي وتاريخي معين. غير أن هذا المعيار يغيب تماماً في عقلية الطغاة، ليحلّ محله معيار وحيد: البقاء في الحكم، أو الحفاظ على المشروع السلطوي قائماً، مهما كانت الكلفة ومهما بلغت الخسائر.
يكتسب هذا النقاش راهنيته من التصريح الأخير لإلهام أحمد، إحدى القيادات السياسية البارزة في “قسد”، التي أعلنت أن قواتها “خرجت منتصرة” رغم الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها في الجزيرة السورية وريف حلب الشرقي خلال الفترة الأخيرة. لا تكمن دلالة هذا التصريح في كونه توصيفاً سياسياً مزيّفاً فحسب، بل في كونه يعكس بنية ذهنية سلطوية تعيد إنتاج منطق الكيانات السياسية التسلطية ذاتها، حيث تُحوَّل الهزيمة الواقعية إلى نصر لغوي، ويُستعاض عن التقييم الموضوعي بإعادة تعريف النتائج بما ينسجم مع مصالح قيادات “قسد” الضيقة.
النصر لا يُقاس بنتائجه الفعلية على حياة الناس، بل بوظيفته الرمزية في تثبيت السلطة.
هذا النمط من التفكير ليس طارئاً ولا خاصاً بحالة واحدة، بل يمثل سمة بنيوية في التاريخ السياسي للطغاة. ففي سياق المنطقة العربية، ومنذ منتصف القرن العشرين، دأبت الأنظمة السلطوية على الهروب من الإخفاقات الكبرى وتحويلها إلى “انتصارات” عبر هندسة خطابية متعمدة. المثال الأبرز يظل خطاب حزب البعث السوري بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، حين أُعلن أنه انتصر على إسرائيل بحجة أن قواتها العسكرية لم تتمكن من دخول دمشق آنذاك. وفق هذا المنطق، لا تعود خسارة الجولان، ولا انهيار الجيش، ولا الكارثة المعنوية التي لحقت بالمجتمع عناصر حاسمة في تعريف الهزيمة، بل يصبح المعيار الوحيد هو بقاء النظام وقدرته على الاستمرار.
الأمر ذاته تكرر في حالات عربية أخرى. فقد أعلن صدام حسين “النصر الإلهي” بعد حرب الخليج الأولى، رغم الدمار الواسع الذي لحق بالعراق وبنيته التحتية، ثم عاد ليقدّم غزو الكويت بوصفه معركة تاريخية انتهت بتآمر دولي، لا بهزيمة داخلية. وفي مصر، جرى تأطير حرب أكتوبر 1973 في الخطاب الرسمي لاحقاً بوصفها نصراً مطلقاً، مع تغييب النقاش الجدي حول حدود الإنجاز العسكري وتحولاته السياسية، وذلك لخدمة شرعية النظام أكثر من خدمة وعي المجتمع. أما في ليبيا القذافي، فقد تحولت سنوات الحصار والعزلة الدولية إلى “صمود ثوري”، بينما كان المجتمع يُستنزف اقتصادياً واجتماعياً.
ما يجمع هذه الحالات هو أن النصر لا يُقاس بنتائجه الفعلية على حياة الناس، بل بوظيفته الرمزية في تثبيت السلطة. النصر هنا ليس حدثاً تاريخياً، بل أداة خطابية. إنه إعادة صياغة للواقع، لا توصيف له. ومن ثم فإن إعلان النصر لا يأتي بعد تحقيق الأهداف، بل بعد تجاوز خطر السقوط، أو تفادي الانهيار الكامل، أو مجرد الاستمرار في الحكم.
في هذا السياق، يمكن قراءة خطاب “قسد” بوصفه امتداداً لهذا التقليد السلطوي، لا خروجاً عليه. فالخسائر العسكرية والجغرافية التي مُنيت بها في الجزيرة السورية، وما رافقها من تراجع نفوذ، واضطراب أمني، وتآكل في الحاضنة الاجتماعية، لا تُناقش بوصفها مؤشرات إخفاق، بل يُعاد تأويلها باعتبارها “مرحلة” أو “اختباراً” أو حتى انتصاراً.
حين يُختزل الوطن في السلطة، وتُختزل الهزيمة في سقوط قيادات الكيان، يصبح كل ما عدا ذلك تفصيلاً قابلاً للتبرير.
الأخطر في هذا الخطاب أنه كثيراً ما يعيد إنتاج انفصال عميق بين السلطة والمجتمع. فالمجتمع لا يظهر في معادلة النصر إلا بوصفه مادة للتضحية، لا شريكاً في القرار ولا معياراً للتقييم. التهجير، والانتهاكات، والانكماش الاقتصادي، وتفكك النسيج الاجتماعي، وحالة الدمار، كلها تُختزل في خطاب “الضرورة” و”المرحلية”. أما السؤال الجوهري: ماذا ربح الناس؟ وكيف سينعكس النصر على حياتهم؟ فيغيب تماماً.
هذا الفهم للنصر يحوّل السياسة إلى ممارسة عديمة المسؤولية، ويشرعن العنف بوصفه وسيلة مقبولة ما دام لا يهدد مركز السلطة. فحين يُختزل الوطن في السلطة، وتُختزل الهزيمة في سقوط قيادات الكيان، يصبح كل ما عدا ذلك تفصيلاً قابلاً للتبرير. وهنا تكمن خطورة العقلية السلطوية، سواء ارتدت لباس الدولة التقليدية أو لباس “المشاريع البديلة” التي تدّعي تمثيل المجتمعات المحلية.
إضافة إلى ذلك، تحتكر هذه الأنظمة – ومن ضمنها الكيانات السلطوية غير الدولتية – اللغة السياسية ذاتها. فهي لا تفرض سيطرتها بالقوة فقط، بل بالمعنى أيضاً. تعيد تعريف مفاهيم مثل النصر، والهزيمة، والتحرير، والصمود، والمقاومة، والهوية بما يخدم سرديتها، ويمنع تشكّل وعي نقدي مستقل يعرّي خطابها ويكشف هشاشته. وبذلك يصبح الصراع صراعاً على الوعي بقدر ما هو صراع على السلطة.
في المحصلة، تقوم عقيدة الطغاة – بمختلف أشكالهم وتسمياتهم – على معادلة واحدة: بقاء السلطة يساوي النصر. أما خسائر الأرض والإنسان والمستقبل، فهي أثمان “مقبولة” في سبيل هذا البقاء. غير أن التاريخ، على المدى الطويل، نادراً ما يتبنى هذه التعريفات المصطنعة. فالنصر الذي لا يعترف به المجتمع، ولا يلمسه الناس في حياتهم، يبقى مجرد وهم لغوي سرعان ما ينكشف مع أول اختبار حقيقي للشرعية.
- تلفزيون سوريا



























