لم تكد السلطات السورية تستعيد السيطرة على أجزاء واسعة من مناطق شمال شرق سوريا، حتى انطلقت المحركات الإقليمية والدولية باتجاه منطقة جديدة من البلاد: الساحل.
وقبل ساعات من توقيع الحكومة السورية و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) الاتفاق النهائي لوقف إطلاق النار الشامل في محافظة الحسكة، حطّت طائرة الرئيس السوري أحمد الشرع في موسكو، ما شكّل إشارة الانطلاق لمباحثات ماراثونية حول الترتيبات الخاصة بمنطقة الساحل.
تكشفت الصورة شيئاً فشيئاً؛ حلّ مسؤولون كبار من شركة “شيفرون” الأميركية، برفقة المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، ضيوفاً على العاصمة السورية من أجل التوقيع على مذكرة تفاهم بشأن استخراج الغاز من المياه الإقليمية السورية على البحر الأبيض المتوسط. وفي مفاوضات الشرع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كانت القضية الجوهرية هي التوصل إلى اتفاق نهائي يحفظ لروسيا إطلالتها الوحيدة على المياه الدافئة.
أدرك صناع القرار الروس أنهم خسروا نفوذهم التاريخي في سوريا وبلاد الشام، عقب انهيار نظام الأسد الذي ساهم الاتحاد السوفياتي في بنائه وتشكيل مؤسساته الرئيسة، تحديداً الجيش والأجهزة الأمنية. لذلك، وعوضاً عن نفض أيديهم من سوريا، طبقوا استراتيجية الحد الخسائر. جمع الكرملين أوراقه من أجل مفاوضة الشرع. في لحظة حساسة انسحب الجنود الروس من قاعدتهم في مطار القامشلي. حينها أدرك القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي أن الروس ليسوا مهتمين بالقتال الدائر في المنطقة. تخلى الروس عن وجودهم في مدينة القامشلي وعموم شمال سوريا (وهو وجود يهدف إلى جمع معلومات عن تحركات حلف شمال الأطلسي “الناتو” في تركيا)، لكنهم على الأرجح ثبتوا وجودهم العسكري في حميميم وطرطوس، وإن قبلوا بشروط أكثر مراعاة للسيادة السورية من السابق.
في هذه المفاوضات التي تحدد الترتيبات النهائية للساحل، حصل الروس على ما يرضيهم: استمرار وجودهم العسكري. الأرجح أن الأميركيين، المتحكمين بمسارات الأمور المتعلقة بسوريا، غضوا الطرف عن استمرار الوجود الروسي العسكري في الساحل السوري. مع ذلك، لم يعد الروس قادرين على التحكم بقرارات دمشق فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز المدفون في أعماق المياه الإقليمية السورية. كان الروس ليفضلوا أن يظل هذا الغاز مدفوناً لقربه من أوروبا العطشى لمصادر غاز بديلة عن الغاز الروسي، الذي مثّل أداة ابتزاز فعالة بيد الكرملين. تلقف الأميركيون على ما يبدو ورقة الغاز السوري، وإن كان الأوروبيون ما زالوا في خلفية المشهد يستعدون للدخول إلى الساحة.
لم يكن نصيب الأوروبيين قليلاً، لكن الأرجح أن الترتيبات السارية للساحل السوري لم تعجب الكثيرين في القارة العجوز. وافقت السلطات السورية بعد أشهر من سقوط نظام الأسد، على استمرار شركة فرنسية في تشغيل ميناء اللاذقية. كما لم تعترض روسيا على انتقال عقد تشغيل ميناء طرطوس من شركة روسية إلى شركة إماراتية، نظراً للعاقات التجارية المميزة بين الإمارات والدول الأوروبية، وانخراطهما في مشروع “الممر الاقتصادي”، فيمكن النظر إلى تشغيل مجموعة “موانئ دبي العالمية” لميناء طرطوس على أنه يصب في مصلحة تلك الدول.
وعلى الرغم من أن صيانة المصالح الأوروبية الاقتصادية في غربي سوريا تحققت بهذا الترتيب، إلا أن الأوروبيين أظهروا مرارة كبيرة ليس فقط حياله، بل إزاء مجمل الأوضاع في سوريا. فشلت مساعي الأوروبيين الرامية إلى إقناع السلطات السورية بإنهاء الوجود العسكري الروسي غربي البلاد، والذي شكّل رافعة استراتيجية لتوسع نفوذ الكرملين نحو ليبيا، ودول أفريقيا الوسطى والغربية، مستهدفاً المصالح الأوروبية هناك. عامل آخر ساهم في تعميق شعور الأوروبيين بالمرارة، هو استئثار واشنطن بـ”الجائزة السورية” لنفسها، بعدما تحملت الدول الأوروبية تداعيات الحرب السورية المديدة، سواء جراء صعود تنظيم “داعش” أو تكدس مئات آلاف المهاجرين السوريين بين ظهراني مواطنيها.
إضافة إلى ذلك، فقد خرج الأوروبيون، تحديداً الفرنسيون، مما حصل مطلع العام الجاري في شمال شرق سوريا، خاسرين، بعد استعادة السلطات السورية السيطرة على الغالبية العظمى من الأراضي هناك، وإضعاف “قوات سورية الديمقراطية”، التي مثّل دعمها محور الاستراتيجية الأوروبية في المنطقة، وهي استراتيجية جرى وضعها خلال قمة جمعت الرئيس الأميركي براك أوباما بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، ورئيسي الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والإيطالي ماتيو رينزي في مدنية هانوفر الألمانية عام 2016. لم ترضِ الأوروبيين المعادلة الجديدة لمناطق شرق الفرات ما بعد قسد، والتي صاغتها واشنطن بالتعاون مع دمشق وأنقرة. في المحصلة، ثبتت الدول الأوروبية وجودها الاقتصادي على الساحل السوري، إلا أنها لم تتمكن من اكتساب موطئ قدم جيوساسي في سوريا بعد هزيمة قسد. هذا ما يتناغم مع رؤية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدول الاتحاد الأوروبي من أنها قوة اقتصادية فقط، لا قوة عسكرية أو جيوسياسية.
وبالرغم من امتعاض الأوروبيين، إلا أن أبرز المتضررين من الترتيبات الجارية لمسألة الساحل السوري هي: إيران ومن دون منازع. تقلص هذه الترتيبات فرص طهران للعودة إلى الساحل، كما قد تؤدي إلى ضخ كميات من الغاز في سوق الطاقة العالمي ما يساهم في خسارة مواردها الغازية المزيد من المزايا تنافسية. أخيراً، ستكفل هذه التركيبة انتقال مركز الثقل في ساحل بلاد الشام إلى ميناءي طرطوس واللاذقية.
إن العمل الدولي والإقليمي بشأن منطقة الساحل ينتقل أكثر فأكثر باتجاه تصميم ترتيبات داخلية سياسية وأمنية متناغمة مع الترتيبات الدولية التي جرى التوصل إليها مع الأميركيين والروس، خصوصاً توفير حالة أمنية مستدامة من أجل إطلاق عملية البحث عن الغاز في البلوكات البحرية السورية. هناك ترابط بين الساحل ومنطقة الحدود اللبنانية السورية؛ إذ توجد صلات بين قادة المجموعات المسلحة المناهضة للحكومة السورية والتي تعمل بالخفاء داخل منطقة الساحل وبعض الجهات في لبنان، إضافة إلى انتشار تجمعات لضباط وعناصر من جيش الأسد المحلول في مناطق محمية داخل لبنان وعلى مقربة من حدوده مع سوريا.
نظراً لهذا الترابط، فإن الجهود القائمة بشأن منطقة الساحل، تلحظ في الوقت عينه سبل تأمين الحدود السورية-اللبنانية وقطع الصلات القائمة بين المجموعات المسلحة في الساحل وتلك الموجودة في لبنان، وإبعاد أي مصادر تهديد أو خطر عن المناطق السورية المطلة على المتوسط (تحديداً في محافظة طرطوس)، سواء كانت نابعة من منطقة الساحل أو من لبنان.
ما حققته الحكومة السورية في شمال شرق البلاد، هيأ الفرصة أمامها كي تطلق مفاوضات حول ترتيبات داخلية وخارجية أكثر استدامة للساحل، في مسعى قد يتبلور شقّه المحلي خلال الأسابيع القليلة المقبلة.


























