إنَّ مقاربة المشهد السُّوريِّ الرَّاهن لا تستقيم بالرُّكون إلى أدوات ” التَّحليل الاقتصاديِّ التَّقليديِّ ” أو توصيفات الرُّكود العابر؛ فنحن لا نواجه اختلالاً في المؤشِّرات الماليَّة فحسب، بل نقف أمام حالة فريدة لكيان أنعتق للتَّوِّ من منظومة ” الإعاقة الهيكليَّة الممنهجة ” الَّتي كبِّلت مفاصل الدَّولة طيلة ستَّة عقود.
أنَّ عبور سورية ل ” نقطة الصِّفر ” التَّاريخيَّة يتجاوز كونه انتقالاً تقنيًّا من حالة الحرب إلى حالة السِّلم؛ أنَّه فعل ” قيامة وطنيَّة ” تتطلَّب اجتراح نموذجٍ إداريّ استثنائيّ، نموذج يمتلك القدرة على السَّير في مسارين متوازيين:
تفكيك الرَّواسب العميقة لإرث الاستبداد الَّذي طوع المؤسَّسات لخدمة الفرد، وفي الوقت ذاته، هندسة نموذج تنمويّ ابتكاريّ قادر على توليد القيمة من قلب ” الحطام المادِّيِّ “، مستندًا في ذلك إلى ” رأس المال البشريِّ ” والسِّيادة المؤسَّساتيَّة كبديل عن الموارد المنهوبة.
في فقه الانبعاث الوطنيِّ. . . ما وراء التَّعافي الاقتصاديِّ
أوَّلاً: تشريح التَّركة. . . الاقتصاد السُّوريُّ كـ ” أرض محروقة ” ومنهوبة
لا يمكن فهم حجم الكارثة الاقتصاديَّة في سورية بمجرَّد رصد الدَّمار المادِّيِّ؛ فنحن أمام حالة ” تدمير تراتبيّ “؛ بدأ بالآلة العسكريَّة وانتهى بالهندسة البيروقراطيَّة الَّتي صمَّمتها المنظومة الأمنيَّة لضمان ” الاستيلاء على الدَّولة.
- ” تصفير ” مقوِّمات النُّهوض: القشرة والجوهر تشير التَّقديرات إلى أنَّ تضرُّر 60 % من المنشآت الحيويَّة (محطَّات توليد الطَّاقة، شبكات المياه، صوامع الحبوب) يمثِّل فقط العجز المادِّيَّ الظَّاهر، بينما يكمن التَّحدِّي الحقيقيُّ في تفكيك ” اقتصاد الظِّلِّ ” الَّذي نما كطفيليَّات على حساب مؤسَّسات الدَّولة.
الفاتورة التَّقديريَّة: تتجاوز كلفة إعادة الإعمار عتبة 400 مليار دولار، في بيئة اقتصاديَّة تعاني من تضخُّم مفرط وتآكل كامل للقوَّة الشِّرائيَّة، ممَّا يضع الحكومة أمام ” فجوة تمويليَّة لا يمكن سدُّها بالوسائل التَّقليديَّة.
“القيود القانونيَّة العابرة للحدود” 2- ارتهان السِّيادة الاقتصاديَّة:
ورثت الحكومة الجديدة لغمًا قانونيًّا يتمثَّل في ” عقود الارتهان السِّياديِّ ” (استطاعت أن تتخلَّص جزئيًّا منه) . إنَّ إبرام النِّظام السَّابق لعقود استثمار طويلة الأمد (تصل ل 50 عامًا) في قطاعات استراتيجيَّة يمثِّل ” تأميمًا عكسيًّا ” لموارد الشَّعب:
قطاع الفوسفات والنِّفط: رهن الحقول لشركات أجنبيَّة (روسيَّةً وإيرانيَّةً) حرم الموازنة العامَّة من 75 % من إيرادات التَّصدير المحتملة.
الموانئ (طرطوس واللَّاذقيَّة): تحويل بوَّابات سورية البحريَّة إلى امتيازات أجنبيَّة تغلُّ يد الدَّولة عن التَّحكُّم في حركة التِّجارة الخارجيَّة ويحرمها من الرُّسوم السِّياديَّة الجمركيَّة، ممَّا يخلق وضعًا قانونيًّا معقَّدًا يتطلَّب ” دبلوماسيَّةً اقتصاديَّةً وقانونيَّةً ” لفكِّ هذا الارتباك.
- النَّزيف المعرفيُّ: تحدّي ” بناء الدَّولة بلا بناة “
التَّحدِّي الأكبر ليس في نقص السُّيولة، بل في ” الانكشاف الإداريِّ ” الَّذي تعيشه الدَّولة الجديدة. إنَّ فقدان 70 % من الكوادر المهنيَّة والأكاديميَّة (بين لجوء وهجرة وتهجير) أدَّى إلى ظاهرة ” الخرف المؤسَّساتيِّ “:
إفراغ الدِّماغ السُّوريِّ: هجرة العقول لم تكن عشوائيَّةً، بل استهدفت الفئات الأكثر إنتاجيَّةً (أطبَّاء، مهندسين، خبراء ماليِّين، ومديري إدارة عامَّة).
الفجوة الجيليَّة: تعاني المؤسَّسات السُّوريَّة اليوم من انقطاع في ” نقل الخبرة “؛ حيث تتركَّز القوَّة العاملة الحاليَّة في فئتي (الشَّباب المبتدئين) أو (كبار السِّنِّ الَّذين تجاوزوا سنُّ التَّقاعد)، مع غياب تامّ لطبقة ” القيادات الوسطى ” الَّتي تعد المحرِّك الفعليَّ لأيِّ إصلاح إداريّ.
- تفتيت النَّسيج الإنتاجيِّ: من الاقتصاد الكلِّيِّ إلى اقتصاد العوز
تحوُّل الاقتصاد السُّوريِّ من ” الإنتاج ” إلى ” الجباية الأمنيَّة ” والاتِّجار بالممنوعات (اقتصاد الكبتاجون ) ، ممَّا خلق تشوُّهًا في أخلاقيَّات العمل وسوق العمل:
توقُّف سلاسل الإمداد: خروج المدن الصِّناعيَّة الكبرى عن الخدمة أدَّى إلى تحوُّل سورية من دولة مصدِّرة للمنسوجات والسِّلع الوسيطة إلى سوق استهلاكيّ يعتمد بنسبة 90 % على الاستيراد، ممَّا يضغط بشكل دائم على سعر صرف العملة المحلِّيَّة. إنَّ الحكومة السُّوريَّة لا تواجه ” أزمة ميزانيَّة “، بل تواجه ” أزمة وجود اقتصاديّ “.
إنَّ تجاوز نقطة الصِّفر يتطلَّب ” جراحةً قانونيَّةً ” لاستعادة الموارد السِّياديَّة، بالتَّوازي مع ” هجرة عكسيَّة ذكيَّة ” للكفاءات السُّوريَّة عبر منصَّات الحكم الرَّقميِّ، لتعويض الفراغ الإداريِّ في الدَّاخل السُّوريِّ.
ثانيًا: محاور الانبعاث. ” الهندسة الإداريَّة ” كبديل للتَّمويل الغائب
أمام واقع ” تصفير الموارد “، تدرك الحكومة الحاليَّة أنَّ المراهنة على القروض الدَّوليَّة التَّقليديَّة هي ارتهان جديد لسيادة منقوصة. لذا، قد يرتكز نموذج ” سورية المستقبل ” على تحويل ” العجز المادِّيِّ ” إلى ” فرصة رقميَّة ومؤسَّساتيَّة ” عبر المسارات التَّالية:
- اقتصاد ” الكرامة الرَّقميَّة “: القفز فوق الرُّكام بما أنَّ البنية التَّحتيَّة الفيزيائيَّة (طرق، جسور، مصانع) تحتاج لسنوات لإعادة الإعمار، فإنَّ الحلَّ يكمن في الاستثمار في البنية التَّحتيَّة غير المرئيَّة
تصدير الخدمات المعرفيَّة: تفعيل منصَّات ” العمل عن بعد ” لربط الشَّباب السُّوريِّ في الدَّاخل بسوق العمل العالميِّ (البرمجة، التَّصميم، الاستشارات، التَّرجمة) . هذا المسار يضمن ضخَّ ” العملة الصَّعبة ” مباشرة في جيوب الأسر دون المرور بقنوات البنك المركزيِّ المتآكلة.
الحكومة السَّحابيَّة: تجاوز البيروقراطيَّة الورقيَّة المتهالكة عبر رقمنة السِّجلَّات المدنيَّة والعقاريَّة، ممَّا يحمي حقوق الملكيَّة ويقلِّص فرص الفساد الإداريِّ إلى أدنى مستوياتها.
- ” سندات الاسترداد السِّياديَّ “: استثمار العاطفة الوطنيَّة بديلاً عن انتظار المنح الدَّوليَّة المسيَّسة، يجب أن تعمل الإستراتيجيَّة السُّوريَّة الجديدة ” تأميم الثِّقة ” عبر سندات إعمار وطنيَّة موجَّهة للمغترب السُّوريِّ (الَّذي يمتلك رأسمالاً يقدَّر بمليارات الدُّولارات ) :
الضَّمانات السِّياديَّة: طرح مشاريع كبرى (مثل إعادة تأهيل الموانئ أو قطاع الاتِّصالات) كشركات مساهمة عامَّة يمتلكها السُّوريُّون وحدهم.
تحويل الحوالات إلى استثمارات: بديلاً عن أن تكون حوالات المغتربين ” استهلاكيَّةً ” فقط، تحفِّز الدَّولة السُّوريِّين في الخارج لتحويل جزء منها إلى ” حصص ملكيَّة ” في مشاريع البنية التَّحتيَّة، ممَّا يخلق ارتباطًا عضويًّا ومصلحيًّا بين المهاجر ووطنه.
- ” الجراحة القانونيَّة ” والمصداقيَّة المؤسَّساتيَّة
الاستقرار الاقتصاديَّ لا يبنى بالوعود، بل بـ” سيادة القانون “. العبور نحو دولة مستقرَّة يتطلَّب:
تفكيك ” اقتصاد الحرب “: تجفيف منابع التَّمويل غير المشروع ومصادرة الأصول المنهوبة لإعادة ضخِّها في صناديق الرِّعاية الاجتماعيَّة.
مبدأ ” الشَّفافيَّة الجذريَّة “: مصارحة الشَّعب بحجم الكارثة بالأرقام الدَّقيقة. إنَّ بناء ” عقد اجتماعيّ ” جديد يقوم على الصِّدق، هو الضَّمانة الوحيدة لمنع الانفجار الشَّعبيِّ نتيجة صعوبة المرحلة الانتقاليَّة.
” 4- التَّعافي المبكِّر ” الموجَّه إنتاجيًّا
التَّركيز على قطاعين يمثِّلان ” العمود الفقريُّ ” لسرعة الدَّوران الاقتصاديِّ:
الزِّراعة الإستراتيجيَّة: دعم الفلَّاح السُّوريِّ بالبذور والأسمدة لاستعادة ” الأمن الغذائيِّ ” وتأمين وسائل النَّقل له، وتقليل فاتورة الاستيراد الَّتي تستنزف العملة الصَّعبة.
الصِّناعات الصَّغيرة والمتوسِّطة:
تحويل الأحياء المدمِّرة إلى ” مناطق ورش صغيرة ” عبر إعفاءات ضريبيَّة شاملة لمدَّة 5 سنوات، لتحريك عجلة التَّشغيل المحلِّيِّ. إنَّ سورية لا تطلب ” إعانةً “، بل تطلب ” استعادةً “.
إنَّ الانتقال من ” نقطة الصِّفر ” يتطلَّب عقليَّة ” رائد الأعمال ” لا عقليَّة ” الموظَّف البيروقراطيِّ “.
إذا نجحت الحكومة في تحويل السُّوريِّين من ” متلقِّين للمعونات ” إلى ” ملَّاك للحصص ” في وطنهم، فإنَّنا لن نشهد تعافيًا اقتصاديًّا فحسب، بل سنشهد ولادة ” أمَّة ” تمتلك سيادتها بقرارها الماليِّ الحرِّ.
ثالثًا: التَّحصين السِّياديُّ. . . إستراتيجيَّة ” الدَّولة الجامعة ” في مواجهة التَّفتيت
تدرك الدَّولة السُّوريَّة في طور انبعاثها الجديد أنَّ ” التَّنمية ” و ” السِّيادة ” وجهان لعملة واحدة؛ فلا استقرار اقتصاديًّا في ظلِّ جغرافيا ممزَّقة، ولا وحدةً وطنيَّةً دون عدالة تنمويَّة.
لذا، يرتكز محور التَّحصين السِّياديِّ على تفكيك مشاريع التَّفتيت عبر المسارات التَّالية:
- وحدة الأرض: المركزيَّة السِّياديَّة واللَّامركزيَّة التَّنمويَّة
تواجه سورية اليوم مشاريع ” تفتيت ناعم ” تحاول استغلال جراح الحرب لخلق كيانات هشَّة.
والرَّدُّ السُّوريُّ الإستراتيجيُّ يكمن في تقديم نموذج ” اللَّامركزيَّة الإداريَّة الرَّشيدة ” كبديل وطنيّ عن ” الانفصال “:
مواجهة التَّسلُّل الإسرائيليِّ في الجنوب: تبرز المحاولات الإسرائيليَّة الخبيثة في الجنوب لترسيخ ” النَّزعات الانفصاليَّة ” تحت ذرائع الحماية الذَّاتيَّة. أنَّ الرَّدَّ السِّياديَّ يكمن في تمكين المجتمعات المحلِّيَّة من إدارة شؤونها الخدميَّة والتَّنمويَّة ضمن إطار الدَّولة المركزيَّة بدمشق، وبما يضمن وصول الحقوق والخدمات لكلِّ مواطن، لقطع الطَّريق على المراهنات الخارجيَّة الَّتي تهدف لتحويل الحدود إلى ” أحزمة قلقة ” تخدم أمن الاحتلال.
إبطال ذريعة التَّهميش: إنَّ منح المحافظات صلاحيَّات أوسع في إدارة مواردها المحلِّيَّة ليس تنازل من الدَّولة، بل هو ” تقوية للجبهة الدَّاخليَّة “، حيث يتحوَّل المواطن من ” مطالب بالحقوق ” إلى ” شريك في المسؤوليَّة ” تحت راية العلم الواحد والسِّيادة الموحَّدة.
- تطهير المؤسَّسات: تفكيك ” إرث الخوف ” والطَّابور الخامس
يمثِّل بقايا النِّظام السَّابق (الخلايا النَّائمة) تحدِّيًا أمنيًّا ونفسيًّا يهدف إلى ” تسميم الأجواء العامَّة “.
وتعتمد إستراتيجيَّة المواجهة على: تفكيك ” عقيدة التَّخريب “:
الضَّرب بيد من حديد على كلِّ من يحاول تخريب المنشآت الحيويَّة أو بثِّ الإشاعات لضرب الثِّقة بين الشَّعب والحكومة.
إنَّ ” الأمن القوميَّ ” في سورية الجديدة هو أمن ” المواطن ومنشآته “، وليس أمن ” السُّلطة ورموزها “.
تحرير القضاء: بناء سلطة قضائيَّة مستقلَّة قادرة على ملاحقة رموز الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، ممَّا يعطي رسالةً واضحةً بأنَّ زمن ” الحصانة من المحاسبة ” قد ولَّى، وأنَّ الدَّولة قويَّة بمؤسَّساتها وقوانينها.
3- سورية ” الجسر لا الجدار “: إعادة التَّموضع الجيوسياسيِّ
السِّيادة لا تعني الانعزال، بل تعني القدرة على إدارة المصالح الوطنيَّة بذكاء. العبور نحو الاستقرار يتطلَّب:
تصفير المشاكل الإقليميَّة: بناء علاقات قائمة على النِّدِّيَّة والمصالح المشتركة مع دول الجوار، بما يضمن تأمين الحدود ومنع التَّدخُّلات الخارجيَّة في الشَّأن الدَّاخليِّ.
استعادة الدَّور المحوريِّ: تحويل سورية من ” ساحة للصِّراعات الدَّوليَّة ” إلى ” مركز للرَّبط التِّجاريِّ والطَّاقيَّ بيَّن الشَّرق والغرب، مستفيدةً من موقعها الفريد كبوَّابة للمتوسِّط، ممَّا يجعل استقرارها مصلحةً إقليميَّةً ودوليَّةً عليا.
سورية. . . قيامة الحقِّ من ركام البؤس
إنَّ عبور سورية لـ ” نقطة الصِّفر ” هو بمثابة ” ميلاد ثان ” لأمَّة لم تنكسر رغم بشاعة المحن. إنَّ الرِّحلة من ” حطام الاستبداد ” إلى ” رحاب السِّيادة ” هي رحلة شاقَّة، تتطلَّب نفسًا طويلاً وإيمانًا راسخًا بأنَّ السِّيادة لا تُمنح، بل تُنتزع بحكمة الإدارة وقوَّة المؤسَّسات.
إنَّ نجاح حكومة الرَّئيس أحمد الشَّرع ليس انتصارًا سياسيًّا عابرًا، بل هو صكُّ براءة للشَّعب السُّوريِّ من حقبة الظَّلام، وإثبات للعالم أنَّ الشَّعب الَّذي كسر أعتى قيد أمنيّ في التَّاريخ المعاصر، قادر على هندسة مستقبله بأدوات العصر ومعايير الكرامة.
سورية اليوم هي نحن.. وبِنا ستقوم، سيِّدة، واحدةً، وعزيزة.
رابعًا: آفاق المستقبل..
سورية الَّتي تنبعث من الرَّماد، إنَّ نجاح المرحلة الانتقاليَّة في سورية، ليس مجرَّد انتصار عابر لتيَّار أو شخص، بل هو ” اختبار وجودي ” لقدرة الأمَّة السُّوريَّة على صياغة ” عقد اجتماعيّ جديد ” يقطع الصِّلة مع عهود التَّبعيَّة والاستبداد.
إنَّ سورية الَّتي نرنو إليها، والَّتي تضع لبناتها الأولى اليوم، هي الدَّولة الَّتي ترتكز على ثلاثة ثوابت إستراتيجيَّة:
الاستثمار في ” الإنسان ” كقيمة سياديَّة: اعتبار الفرد السُّوريِّ هو المورد القوميُّ الأوَّل والأغلى. إنَّ الانتقال من ” دولة الرَّعايا ” إلى ” دولة المواطنين ” يتطلَّب نظامًا تعليميًّا وصحِّيًّا يعيد تأهيل الإنسان السُّوريِّ ليكون شريكًا في القيادة العالميَّة، وليس مجرَّد مستهلك للسِّلع أو المعونات.
تحويل ” الجغرافيا ” من ساحة صراع إلى جسر ربط: إنَّ الموقع الجيوسياسيَّ الفريد لسورية، الَّذي كان لعنةً استخدمت لتصفية الحسابات الدَّوليَّة، يجب أن يتحوَّل إلى ” أصل اقتصاديّ “.
فنحن اليوم بصدد بناء سورية كـ” جسر قارِّي ” للرَّبط التِّجاريِّ والتِّقنيِّ بين الشَّرق والغرب، ممَّا يجعل استقرارها مصلحةً دوليَّةً عليا، وازدهارها ضرورةً لإقليمها.
ترسيخ ” المواطنة المتساوية وسيادة القانون: دولة لا يهضم فيها حقّ لمكوِّن، ولا يعلى فيها صوت فوق صوت القانون. إنَّ كرامة الدَّولة من كرامة أصغر أفرادها، والحماية القانونيَّة هي المظلَّة الَّتي يستظلُّ بها الجميع دون تمييز أو استثناء.
خاتمة:
قيامة الحقِّ. صكُّ البراءة من زمن الظَّلام، إنَّ الوجع الَّذي تغلغل في النُّخاع طوال ستِّين عامًا من البؤس الممنهج لم يكن عبثًا، بل كان ضريبة ” الولادة القيصريَّة ” لسورية الحديثة. إنَّنا اليوم في لحظة تاريخيَّة فارقة؛ لحظة ” ترميم الكرامة ” الَّتي تسبق بالضَّرورة ترميم الحجر؛ فالدُّول لا تنهض بالمباني الشَّاهقة فحسب، بل بالنُّفوس الأبيَّة الَّتي ترفض الضَّيم. ورغم شحِّ الإمكانات المادِّيَّة و ” تصفير الموارد “، يبقى الرِّهان الأكبر على ” الإنسان السُّوريِّ “؛ ذاك الَّذي أذهل العالم بتفوُّقه في بلاد الاغتراب، وهو اليوم مطالب بأن ينقل عبقريَّة النَّجاح الفرديِّ إلى ساحة البناء الجماعيِّ ليصنع معجزة ” القيامة ” في قلب دمشق وحلب وكافَّة الحواضر السُّوريَّة. ستبقى سورية واحدةً، موحَّدةً، وسيِّدة؛ ليس لأنَّ الخرائط الصَّمَّاء تقول ذلك، بل لأنَّ الشَّعب الَّذي حطَّم بأظافره أعتى قيود الاستبداد، لن يقبل بمقايضة حرِّيَّته بالتَّقسيم، ولن تنال من عزيمته ” قلَّة الموارد ” عن إعادة تشييد ” منارة الشَّرق “.
لقد ولَّى زمن ” دولة المزرعة “، وبدأ زمن ” دولة الشَّعب “.
سورية اليوم هي نحن. . . وبِنا ستقوم، وبِنا ستبقى.
- كاتب سوري


























