كيف ينجو السوري من الطائفيَّة، ومن التطرّف الديني؟ كيف ينجو من تغوُّل العصبيَّة؟ كيف ينجو من البندقية؛ فلا يكون قاتلاً، ولا يكون مقتولاً؟ هذه الأسئلة كلُّها، وغيرها من الأسئلة في مفهوم النجاة، تحيل على سؤالٍ واحدٍ: كيف نفكّر في معنى جديدٍ للسياسة في هذا البلد؟ وقبل ذلك، قد نسأل سؤالاً مُهمّاً، لم يناقشه السوريون منذ زمنٍ بعيد: ما الذي يُسمى تفكيراً؟ ثم ما الذي يسمى تفكيراً سياسيّاً؟ ثم كيف يتحرّر الإنسان من سطوة الجمع الكبير الذي لا يفكّر، وما الذي يحدُث في غياب التفكير؟
الذين يطرحون هذا النوع من الأسئلة، هم الأقليَّة الوحيدة في سورية اليوم، سواءً اهتدوا إلى إجاباتٍ عنها أم لم يهتدوا؛ ومن ثم، أي حديثٍ عن أقلياتٍ استناداً إلى أسسٍ طائفية، أو إثنية، أو غيرها، هو حديثٌ لا يهتم له هذا السياق؛ ولذلك فهذا النص موجهٌ إلى الأكثرية، ولكن ليست “الأكثرية السنّية” المعرّفة بدلالة وجود أقلياتٍ طائفية وإثنية، بل الأكثرية التي نعنيها هي المعرَّفة بدلالة الأقلية الناجية فحسب، هي الأكثرية التي لم تنجُ من أنماط التفكير العصبي، ومن أمراض المجتمع السوري المُزمنة التي تتجذر منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، ولذلك ظلت هذه الأكثرية قاتلةً أو مقتولة، ظالمةً أو مظلومة، ضالةً أو مهتدية، صاحبة فضيلةٍ أو صاحبة رذيلة، شريفةً أو وضيعة، وإلى ما هنالك من أحكامٍ قطعيَّةٍ، وتعميمٍ لا يسنده منطق. فكيف تنجو هذه الأكثرية؟ يقترح هذا النص أن للنجاة في سورية أربعة مفهومات، تكوِّن بعضها مع بعض حزمةً مفهوميَّةً مترابطةً ومتداخلةً، وهذه المفهومات هي: التفكير، والوعي، والكرامة، والضمير؛ وما يدفع المرء إلى تناولها معاً كثيرٌ جداً، وأبرزه أنَّها مفهوماتٌ مترابطة، ومتداخلة، إلى درجة أنها لا تحضر إلّا مجتمعةً، أو لا تغيب إلّا مجتمعة. ومع ذلك نادراً ما يُذكَر هذا الترابط، أو يتم العمل بموجبه، وهذا ما يجعل المفاهيم الأربعة كلها تعاني من فوضى الدلالة، من ثم نعاني كلنا معها.
كلَّ سلوكٍ ينم عن جهلٍ، وقلَّة وعي، وتسرع، وغياب التفكير؛ يعني بالضرورة أنَّه سلوكٌ يحط من كرامة الإنسان
الكرامة أن يكون الإنسانُ غايةً بحدّ ذاته، والكرامة والضمير متداخلان كثيراً، لأنَّ كلَّ ما يحطُّ من كرامة الإنسان، وكلَّ السلوكيات التي تحوِّلُه إلى وسيلةٍ لغايات الآخرين، تكون وثيقة الصلة بغياب الضمير. والضمير مرتبطٌ مفهوميّاً بفكرة الوعي، ويصعب أحياناً التمييز بينهما، مثلاً اللغات الفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، تستخدم اللفظة نفسها للدلالة على كلٍ من المفهومَين. وللكلمتين الجذر نفسه في لغاتٍ كثيرة مثل الإنكليزية التي تشتق اللفظتَين معاً من الجذر اللاتيني (conscientia)، يعني (المعرفة مع)، ويحيل على مشاركة المعرفة مع الذات، أي القدرة على بناءِ حوارٍ صامتٍ مع الذات يؤدّي إلى القدرة على سماعِ صوتٍ داخلي يعرف ما هي الحقيقة الأخلاقية ويميزها، وهذا الحوار الصامت مع الذات هو بالضبط تعريف التفكير الذي يبدأ من سؤالٍ موجهةٍ إلى الذات، مثل: لماذا أحارب؟ لماذا أنتمي إلى هذه الجماعة؟ لماذا اندفعت؟ لماذا تراجعت؟ إلى ما هنالك. التفكير أصل الوعي، ومن ثم أصل الضمير، ومن ثم أصل الكرامة. والتفكير مختلفٌ عن العلم، والتعليم، فالعلم لا يفكِّر، العلم مهمٌ ومساعدٌ، ولكنَّ التفكير لا يحتاج إلى علمٍ، لكنَّه يعني حواراً صامتاً مع الذات فحسب.
لذلك؛ يمكن أن نقول إنَّ بناء كرامة الإنسان هي نفسها عمليةُ بنائه الذاتي وعيهِ، وكلَّ سلوكٍ ينم عن جهلٍ، وقلَّة وعي، وتسرع، وغياب التفكير؛ يعني بالضرورة أنَّه سلوكٌ يحط من كرامة الإنسان. وردّات الفعل السيئة التي تكون من جنس فعلٍ سيّئ، أيضاً، تحط من كرامة الإنسان. ولا يبدو مُمكناً أن يكون لنا كرامة ونحن لا نزال ندخل إلى العمومي كُلٌ بعباءة جَدِّه؛ فالكرامة في العمومي تكون من دون عُبيٍ بالضرورة. لذلك؛ “الكرامة” وحيدةً، لا تصلح هدفاً، أو غايةً، أو مطلباً، بل ينبغي أن تكون مع حزمةٍ من المفهومات التي تحضر كلها، أو تغيب كلها وهي: التفكير، والوعي، والكرامة، والضمير.
صار الإذعان في سورية مرادفاً “للحس السليم”؛ فالجميع لديهم من ينبغي أن يُذعنوا له، لكي يعصوا أحداً غيره
إذا أردنا أن نسمّي هذه الحزمة نسميها “مفهومات النجاة”، وثمة أسبابٌ كثيرة ومتشعبة تسوِّغ هذه التسمية. ولكن أهمها أن النجاة صفةٌ يتمتع بها “السوري المحظوظ”، الذي تجمعه علاقةٌ حميميةٌ بمفهوم الحياة، وهو من هؤلاء الذين آمنوا بالثورة وصولاً إلى أنّه يتمتع اليوم بوفرةٍ من “ترف التفكير”؛ فمن لا يزال يفكِّر في زمانٍ صار التفكير فيه ترفاً، محظوظٌ بحق. والسوري المحظوظ ليس الذي نجا من كلِّ طرائق الموت التي أحاطت به فحسب، بل الذي نجا من أثر الرعب؛ فالرعب يشلُّ قدرة البشر على التفكير، فيصبح المرعوب مستعداً للفعل أكثر من استعداده للتفكير، ولفعل الحرب والمخاطرة بحياته أكثر من فعل السلم وصون حياة البشر. ذلك لأنَّ الفعل عنده أسهل من التفكير وأسرع. والحرية هي الوحيدة القادرة على تبديد هيمنة الرعب على البشر، لأنها الوحيدة القادرة على جعل البشر يفكِّرون.
المشكلة أن شلل التفكير يجعل البشر يذعنون لمن يعطيهم وعداً بالخلاص، وبطبيعة الحال، لا يقدِّم التفكير وعوداً، لكنَّ الوعود تقدَّم بسخاءٍ من الزعماء الأيديولوجيين، والشعبويين، ورجال الدين، وزعماء العصبيات، والعصابات. وهكذا يصير الإذعان لهؤلاء مترادفاً مع درء الخطر، ويصير المحظوظ بحقٍ هو من نجا من هذا كله بأنّه لا يزال يفكٍّر ولا ينتظر وعداً من أحد. والإذعان مؤشرٌ من مؤشرات غياب الحرية، وانتصارُ موهبة التمجيد على موهبة النقد، وهذا يعني ضعف قدرة البشر على أن يكونوا محكومين؛ فقابلية أن نكون محكومين، يعني قابلية المزج بين الإذعان والعصيان، وهذا يعني أن قابلية أن نكون محكومين هي نفسها قابلية الإنسان لصناعة تاريخه بنفسه. فكما يقول إيرك فروم: التاريخ قد بدأ بفعل عصيان، وقد ينتهي بفعل إذعان. وبالفعل: بدأ التاريخ السوري المعاصر في 2011 بفعل عصيان، والآن قد ينتهي بفعل إذعان. ولنلاحظ أمراً خطيراً، أن الإذعان في هذا البلد صار مرادفاً “للحسّ السليم”؛ فلدى الجميع من ينبغي أن يُذعنوا له، لكي يعصوا أحداً غيره؛ فنرى الذين يمجدون الحكومة من “أصحاب الثقافة” و”الإعلام” و”السوشال ميديا”، وفي الوقت نفسه نرى قسماً آخر من هؤلاء من الذين يمجدون معارضي الحكومة، زعماءَ العصبيات والطوائف والأيديولوجيات. والغريب أنَّ كلاً من الطرفين يرى الآخر مُذعناً، ولكنّه لا يرى نفسه! هذا هو غياب القدرة على أن نكون محكومين، مضافاً إليه غياب ملكة الحُكم القادرة على إنهاء الحالة. يعني هذا كلُّه فقدان القدرة على البدء من جديد، وغياب الولادة في الاجتماع السياسي، فيأتي كلُّ الجديد في هذا الوسط المُذعن قديماً، ويموت النقد أمام سيادة الطاعة، والامتثال، والتنفيذ بلا تفكير؛ فيتحول قسمٌ كبيرٌ من البشر إلى أشرارٍ تافهين، يكرّرون، ينفذون، يمتثلون، يقتلون، لكن لا يفكِّرون.
- العربي الجديد
























