أثارت تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، خلال مقابلة مع المؤثر الشهير تاكر كارلسون، غضب 17 دولة ومنظمة عربية وإسلامية، فصدر بيان مشترك عن تركيا ومصر والسعودية والأردن والبحرين والإمارات وقطر وإندونيسيا وباكستان وسوريا وفلسطين والكويت ولبنان وسلطنة عُمان، إضافة إلى مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
امتلأت تفاصيل المقابلة بالمفارقات، بدءا من طلب هاكابي نفسه اللقاء بكارلسون في تغريدة على منصة “إكس”، بعد حلقة صوّرها كارلسون في الأردن عن المسيحية والمسيحيين في الأراضي المقدسة، مرورا بتفاجؤ الإعلامي، إثر خروجه من المقابلة، باحتجاز الأمن الإسرائيلي لمنتج البرنامج وإخضاعه للتحقيق والاستجواب، وبفريق العمل معه محاطا برجال وصفهم كارلسون بـ”البلطجية”، في وضع يختزن الكثير من الرموز والمعاني حول التناقضات التاريخية والسياسية والدينية التي تحكم العلاقات بين إسرائيل وأمريكا.
انفجر الوضع بعد نشر المقابلة، على المستويات السياسية والإعلامية وفي وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن اتجاهين: المعنيّون من الدول والشعوب العربية والإسلامية، واتجاهات التيارات المحافظة الأمريكية، وخصوصا ضمن اتجاه في تيار “ماغا” المؤيد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يُحاول أن يُعلي المصالح الأمريكية ويؤطر إسرائيل ضمنها، وتيّار المسيحية الإنجيلية الصهيونية الذي يعبّر هاكابي عنه أبلغ تعبير.
يمكن اعتبار كارلسون (ورموز أخرى كبيرة، مثل ستيف بانون، مستشار ترامب في ولايته الأولى) تعبيرا عن تيار صاعد يسعى لتغليب اتجاه يميني محافظ بقيادة المسيحيين البيض البروتستانت. اتجاه وصيّ على العالم، بما في ذلك إسرائيل، بشكل يمزج بين إرث أوروبا الحديث الاستعماري والوصايات الأجنبية والامتيازات، مع إرثها القديم الصليبي، ويعتبر جي دي فانس، نائب ترامب الحالي. أما هاكابي، كما توضّح المقابلة بجلاء، فهو من ضمن فئة واسعة مما يسمى “الصهيونية المسيحية” ضمن التيار الإنجيلي الذي يقارب عدد أتباعه في أمريكا قرابة 70 مليون شخص، ويمكن اعتبار تعيين هاكابي في إطار التحالف بين ترامب وهذا التيار.
أوضحت المقابلة هذا الفارق عبر تطرقها لقضايا شديدة الحساسية ضمن السياسة الأمريكية، وخصوصا في مسألة الولاءات المتداخلة وطبيعة العلاقة التي تربط بين أمريكا وإسرائيل، حيث يحاول التيار الأول توكيد دور إسرائيل كحليف استراتيجي، فيما يجنح التيار الثاني إلى اعتبارها كيانا ذا قداسة دينية بشكل يجعلها أعلى مقاما من كونها حليفا سياسيا.
جرى القسم الذي أثار الجدل في المقابلة على الشكل التالي حيث قال كارلسون إنه وفقًا للعهد القديم، فإن الحدود ستكون “بشكل أساسي كامل الشرق الأوسط”، ثم تساءل: “هل لإسرائيل الحق في تلك الأرض؟”. أجاب هاكابي: “لستُ متأكدًا من أننا سنذهب إلى هذا الحد. ستكون قطعة أرض شاسعة.” تابع كارلسون هذا الخيط المهم سائلا: “هل لإسرائيل الحق في تلك الأرض؟” فأجاب هاكابي: “لا بأس لو استولوا عليها كلها”، ثم أضاف: “لا أعتقد أن هذا ما نتحدث عنه اليوم.”
ضغط كارلسون أكثر سائلا: “هل تعتقد أنه لا بأس لو استولت دولة إسرائيل على الأردن بأكمله؟” فأجاب السفير: “إنهم لا يسعون للسيطرة على الأردن، ولا على سوريا، ولا على العراق أو أي مكان آخر، لكنهم يريدون حماية شعبهم”. وأضاف هاكابي: “أعتقد أنك تغفل عن جانب مهم، فهم لا يطالبون بالعودة لاستعادة كل تلك الأراضي، بل يطالبون على الأقل بالأرض التي يحتلونها الآن، ويعيشون فيها، ويملكونها بشكل قانوني، وهي ملاذ آمن لهم”.
يفجّر هذا النقاش الألغام اللاهوتية – السياسية التي تحفّ العلاقة بين إسرائيل وهذا التيّار الأمريكي. كان السفير صادقا في التعبير عن اعتقاده الأيديولوجي بأن إسرائيل هي تحقيق لنبوءات الكتاب المقدس، وأنه “لا بأس لو استولت على كل الشرق الأوسط”، وهو ما أعاد هاكابي، عمليا، تأكيده في توضيح لاحق على المقابلة بقوله إن النقاش “كان ملتويا ومربكا حول تفسير معنى الصهيونية”، بل إنه اعتبر “كثيرا من المسيحيين الذين لا يملكون أساسا لاهوتيا لدعم إسرائيل هم في الواقع صهاينة”، مستشهدا بتصريحات للبابا بنديكت السادس عشر والبابا فرنسيس، ومؤكدا أن البابا يوحنا بولس الثاني كان مثله “صهيونيا مسيحيا”.
الإسرائيليون، على عكس السفير، “لا يسعون للسيطرة على الأردن، ولا على سوريا، ولا على العراق، لكنهم يريدون حماية شعبهم”… إنهم “يطالبون على الأقل بالأرض التي يحتلونها الآن”، والحال أن “على الأقل” تكشف هذه المحاولة البائسة للدفاع عن إسرائيل، وتفضح التطابق بين السفير “المتطرّف” وإسرائيل “المعتدلة”!
- القدس العربي





















