ملخص
تصاعد الخطاب الأميركي حول التهديد الإيراني خلال الأيام الماضية، في ظل تأكيدات سياسية أن طهران تقترب من امتلاك قدرات نووية وصاروخية عابرة للقارات، بينما تشير تقييمات استخباراتية إلى أن هذه المزاعم إما مبالغ فيها أو غير مدعومة بأدلة قاطعة. ويعيد هذا المشهد للأذهان أجواء حرب العراق، حين كثيراً ما ردد المحافظون الجدد المحيطون بجورج بوش تلك المقولة “الجميع يريد الذهاب إلى بغداد، أما الرجال الحقيقيون فيريدون الذهاب إلى طهران”.
“قبل 11 عاماً، وكشرط لإنهاء حرب الخليج، طُلب من النظام العراقي تدمير أسلحته للدمار الشامل، ووقف جميع أنشطة تطوير مثل هذه الأسلحة، والتوقف عن تقديم أي دعم للجماعات الإرهابية. وانتهك النظام العراقي جميع تلك الالتزامات، فهو يمتلك وينتج أسلحة كيماوية وبيولوجية، ويسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، ووفر الملاذ والدعم للإرهاب، ويمارس الإرهاب ضد شعبه. لقد شهد العالم بأسره على تاريخ العراق الممتد 11 عاماً من التحدي والخداع وسوء النية.”… “نتفق على أنه يجب عدم السماح للديكتاتور العراقي بتهديد أميركا والعالم بالسموم والأمراض والغازات والأسلحة الذرية المروّعة”، هذه العبارات هي مقتطفات من خطاب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2002، قبل أشهر قليلة من الغزو الأميركي وإسقاط الرئيس العراقي صدام حسين.
وعاد بوش ليدفع بجدليته مجدداً خلال خطاب “حالة الاتحاد” عام 2003، مؤكداً أن العراق سعى إلى الحصول على اليورانيوم من أفريقيا لتغذية برنامج ناشئ للأسلحة النووية. وعرض وزير الخارجية الأميركي كولن باول أمام الأمم المتحدة ما قال إنها أدلة على امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وبرامج نشطة لإنتاجها.
ما بين العراق 2003 وإيران 2026
وما أشبه الليلة بالبارحة، فعلى خطى سلفه، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام الكونغرس ملقياً خطاب “حالة الاتحاد” الثلاثاء الماضي، يحذر وينبه من صواريخ باليستية إيرانية قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة وأوروبا، واصفاً النظام الإيراني بـ”راعي الإرهاب الأول” الذي قتل الملايين عبر وكلائه منذ 47 عاماً. وأكد الرئيس الأميركي التزام سياسة أميركية تاريخية بمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.
ومهد جورج بوش لقراره غزو العراق مستخدماً أسلحة الدمار الشامل كذريعة للحصول على تأييد داخلي وخارجي لخطوته ضد الديكتاتور العراقي، مما ثبت لاحقاً عدم صحته. وذهب ترمب إلى الاستراتيجية نفسها، وإن كان الأمر يختلف كثيراً في ما يتعلق بواقعية البرنامج النووي الإيراني الذي يجري التفاوض حوله على مدى أكثر من عقدين، غير أنه بالنسبة إلى تلك الصواريخ بعيدة المدى التي تحدث عنها ترمب فإن الادعاء يتناقض مع تقارير الاستخبارات الأميركية. فوفق تقييم لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية عام 2025، فإن إيران يمكنها الحصول على “صاروخ باليستي عابر للقارات” بحلول عام 2035 “إذا قررت طهران السعي وراء هذه القدرة”.
وفي اليوم التالي، كرر وزير الخارجية ماركو روبيو تأكيد الرئيس حول عمل إيران على صواريخ باليستية عابرة للقارات، وإن استخدم لغة مختلفة حول مدى سرعة قدرة إيران على ضرب الولايات المتحدة. فبينما صرّح ترمب بأن ذلك سيكون “قريباً”، ذكر روبيو أنه سيكون “يوماً ما”، وقال للصحافيين “لقد رأيتم أنهم يزيدون مدى الصواريخ التي يمتلكونها الآن، ومن الواضح أنهم يسيرون في مسار يتيح لهم يوماً ما تطوير أسلحة يمكن أن تصل إلى الأراضي الأميركية القارية”.
تهويل ومبالغة
وفقاً لمصادر تحدثت إلى الصحافة الأميركية خلال الأيام الأخيرة، فإن الادعاء بأن إيران ستمتلك قريباً صاروخاً قادراً على ضرب الولايات المتحدة لا يستند إلى معلومات استخباراتية، إذ لا توجد معلومات تشير إلى أن إيران تسعى حالياً إلى برنامج صواريخ باليستية عابرة للقارات لاستهداف الولايات المتحدة. ومع ذلك، تمتلك طهران صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى يمكن أن تهدد القواعد والأفراد الأميركيين في المنطقة، كما حذرت إدارة ترمب.
وأفادت ثلاثة مصادر لشبكة “سي أن أن” بأنه لم يطرأ أي تغيير على التقييمات الأخيرة حول طموحات إيران المتعلقة بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات. وصرّح مسؤولون آخرون مطلعون إلى صحيفة “نيويورك تايمز” بأن ترمب بالغ في تصوير مدى إلحاح التهديد الذي يواجه الولايات المتحدة. وأضاف أحد المسؤولين أن بعض محللي الاستخبارات أعربوا عن قلقهم من أن كبار المساعدين ضخموا التهديدات أو أن المعلومات الاستخباراتية جرى انتقاؤها أو تحريفها أثناء رفعها إلى ترمب.
واتخذت إيران خطوات لإعادة ترميم المنشآت النووية التي استهدفت خلال الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) عام 2026، واستأنفت العمل في بعض المواقع المعروفة لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية، لكن التقييمات الأميركية والأوروبية تفيد بعدم وجود أدلة على أن إيران بذلت جهوداً نشطة لاستئناف تخصيب اليورانيوم أو محاولة بناء آلية لتفجير قنبلة، وتظل مخزونات اليورانيوم التي سبق أن خصبتها إيران مدفونة بعد ضربات العام الماضي، مما يجعل من شبه المستحيل أن تبني إيران قنبلة “خلال أيام”.
ويُعتقد بأن لدى إيران نحو ألفي صاروخ باليستي قصير ومتوسط المدى، وأفاد خبراء بأن البلاد تبدو وقد أعادت لحد كبير ملء هذه الترسانة بعد إطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل، وأكثر من 12 صاروخاً على قاعدة عسكرية أميركية في قطر في يونيو 2025.وزادت إيران تدريجاً مدى صواريخها الباليستية، وأصبحت أقوى صواريخها قادرة على ضرب وسط وشرق أوروبا.
مبرر الحرب
ومنذ أسابيع، بدأت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بنقل سفن وطائرات ووحدات دفاع جوي إلى الشرق الأوسط ضمن أكبر حشد عسكري أميركي في المنطقة منذ حرب العراق، إذ قادت حاملتا طائرات أسطولاً يضم نحو 12 سفينة حربية. وأثار هذا التصعيد، فضلاً عن تهديدات ترمب، انتقادات مفادها بأن البيت الأبيض لم يقدم مسوغاً علنياً يبرر هجوماً عسكرياً أميركياً ثانياً على إيران خلال أقل من عام.
وتقول “نيويورك تايمز” إن كبار مسؤولي إدارة ترمب بدأوا بعرض مبرراتهم، لكن عناصر أساسية في حججهم لا تصمد أمام التدقيق، بل إنهم تناقضوا في ما بينهم خلال تصريحاتهم العلنية.
فلقد كانت تصريحات ترمب حول إلحاح التهديد الذي تمثله قدرات إيران الصاروخية والنووية ضمن خطاب “حالة الاتحاد” الأسبوع الجاري تحمل أصداء عام 2003. وأعرب بعض المشرعين الأميركيين بالفعل عن قلقهم من مبررات ترمب التي كانت توحي بصورة مؤكدة بعزمه توجيه ضربات عسكرية. ونُقل عن النائب جيم هايمز، أبرز الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، بعد اجتماع مغلق مع وزير الخارجية ماركو روبيو الثلاثاء الماضي، قوله “أنا قلق للغاية. إن الحروب في الشرق الأوسط لا تسير على ما يرام بالنسبة إلى الرؤساء أو إلى البلاد، ولم نسمع سبباً وجيهاً واحداً يوضح لماذا الآن هو الوقت المناسب لشن حرب أخرى في الشرق الأوسط”.
الرجال يذهبون إلى طهران
ويستدعي مراقبون أميركيون في هذا المشهد المقولة التي رددها فريق المحافظين الجدد المحيط بجورج بوش خلال الفترة التي سبقت حرب العراق، “الجميع يريد الذهاب إلى بغداد، أما الرجال الحقيقيون فيريدون الذهاب إلى طهران”، للسؤال حول الأسباب الخفية لاندفاع ترمب نحو الحرب.
فعام 2003، عندما كان المحافظون الجدد يرددون تلك العبارة، كانت الولايات المتحدة لا تزال تحت وقع صدمة هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001. واستغل بعضهم ذلك المناخ العاطفي للدفع بأجندته لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. لكنهم حاولوا، ولو بصورة ساذجة، إقناع الشعب الأميركي وحلفائه بوجود مبرر للحرب، أما ترمب وفريقه فلا يبدو أنهم يحاولون إقناع أحد، فهم لا يعتقدون بأنهم بحاجة إلى ذلك.
وتقول الكاتبة الأميركية هيثر غيبي بارتون، إن بوش ضغط بقوة للحصول على دعم الكونغرس لإسقاط نظام صدام حسين وحصل عليه، وعلى رغم فشله في نيل دعم الأمم المتحدة، أقنع بعض الحلفاء الأوروبيين، خصوصاً المملكة المتحدة، بالانضمام إلى ما سماه “تحالف الراغبين”. لكنه ضلل في شأن القدرات النووية العراقية وعلاقات مزعومة بتنظيم “القاعدة”، مما أسهم في نهاية المطاف في فشل الحرب.
وبينما نشهد اليوم ظروفاً مشابهة، تعتقد بارتون بأن الرئيس الأميركي راهن على أن استعراض قوة عسكرية ضخمة سيجبر إيران على الرضوخ. لكن من الواضح أن بعض الدول لا تستجيب بسهولة للتهديدات أو الابتزاز، وهو الأسلوب التفاوضي الوحيد الذي يجيده ترمب.
- إندبندنت



























