يبقى الاستقرار الكلمة السحرية والشرط الرئيس، وربما الأهم، لوضع سوريا على سكة التعافي والانطلاق نحو مرحلة التنمية. غير أن هذه الكلمة، على ما يبدو، لم تجِد طريقها بعد إلى آذان مسؤولي البلاد، وفق ما تشير إليه وقائع عديدة وماثلة. ومع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، بدت سوريا خارج الاستقطاب الدولي المستجد، عبر شكلٍ من الحياد، في وقتٍ لم تُتحْ لدول كثيرة الفرصة لتقرر ما إذا كانت ستنجر إلى الحرب أم ستتجنبها. وإذا كانت هذه نعمة، لم تسعَ البلاد لتلقيها، بل أتتها على طبقٍ من ذهب، فإن قدرة قادتها على استثمارها على النحو الصحيح لتحقيق الاستقرار ليست مضمونةً، بعدما أهدروا جملةً من الفرص التي كان يمكن أن تؤسس لمسار أكثر رسوخاً نحو الاستقرار والتعافي.
ستكون فرصة جيدةً لسوريا أن تبقى بعيدة عن الصراع الكبير الدائر في المنطقة، والذي أحدث اضطراباً دولياً، بفضل فوائد هذا النأي في تعزيز الاستقرار الذي يطمح إليه الشعب السوري، للمساعدة على تعافي البلاد، ولعودة دوران العجلة الاقتصادية المتوقفة وإعادة البناء. لكن المخافة تكمن في توسع الحرب ووصولها إلى حدود سوريا، خصوصاً بعد الأنباء عن مشاركة الأكراد في الحرب، من خلال الهجمات التي قيل إن آلافاً منهم قد شنوها داخل الأراضي الإيرانية، بالتزامن مع بدء الحرب وبالتنسيق مع الغزاة الأميركيين. وفي ظل الكلام عن انسحاب عناصر عسكرية كردية من مناطق الجزيرة السورية، ما فسره البعض مشاركة منهم في تلك الهجمات، ثمة خشية بأن تطال ردة فعل طهران على هذا التدخل، أراضي العراق وسوريا، وربما عبر أشكال من الاستهداف متعدد الأوجه.
في الوقت الذي تستمر فيه الحرب الجارية على إيران، تحل الذكرى السنوية الأولى للمجازر الطائفية في الساحل السوري، والتي اقترفتها فصائل تابعة للحكومة السورية بالتعاون مع مجموعات مدنية وميليشياوية استجابت لدعوات الجهاد، فقتلت الناس الآمنين وأحدثت جرحاً غائراً في الضمير السوري، وأسست لبيئة من عدم الاستقرار. وإذ لم تُنشئ السلطة في دمشق آلية لكشف المسؤولية ومحاسبة المتورطين، لمنع تكرار هذه المجازر التي تساهم في ضرب عامل الاستقرار، تبعتها حوادث تفجير الكنائس، والمجازر بحق أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، وبحق الأكراد في حلب. وكانت لتلك المجازر الأثر الكبير في ضمير أناس كثيرين من أبناء الطوائف المستهدفة، وغيرهم من الأقليات الذين طالتهم اعتداءاتٌ على أساس طائفي. كما أثرت على سلوكهم وعلى موقفهم من السلطة، بعدما قضت على عامل الثقة بالسلطة، والذي كان مهتزاً، نتيجة انتشار عمليات خطف النساء والقتل العشوائي بحق أبناء المناطق التي تسكنها الأقليات. وزاد في فقدان عامل الثقة، مواظبة الحكومة على تصنيف تلك الاعتداءات، وعمليات القتل وخطف النساء والتحريض الطائفي، أعمالاً فردية، لم تستطع، أو تعمل، حتى الآن على وقفها، أو حتى على حصر السلاح المتفلت الذي يزيد من نسبتها.
قبل ذلك، وفيما يخص دول الجوار واحتمال انعكاس عدم استقرارها على استقرار سوريا، خصوصاً لبنان، تراجع نفوذ إيران الإقليمي بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهو ما شكل ضربةً قاصمةً لما كان يُصنف “محور المقاومة”. وقد انعكس ذلك مباشرةً على قوة حزب الله، نتيجة انقطاع خطوط الإمداد، من جهة، والحرب الإسرائيلية على لبنان في أواخر سنة 2024، من جهة أخرى، والتي أدت إلى مقتل عدد من قادته والتأثير على قدراته القتالية والتعبوية. لذلك فإنه مع تراجع تلك القوة، والضربات الإسرائيلية التي يتلقاها الحزب هذه الأيام على خلفية دخوله على خط المؤازرة رداً على الحرب على إيران واغتيال المرشد علي خامنئي، قد تجد القيادة السورية في التأزم والضعف الحالي فرصةً للتدخل في لبنان، من أجل تصفية حسابات تعود إلى حقبة تدخل حزب الله في الحرب في سوريا إلى جانب بشار الأسد. وقد جرى الحديث عن هذا التدخل مراراً، وعن إمكانية حصوله بدفع من القوى الدولية، خصوصاً الولايات المتحدة التي يعد تغيير النظام في إيران واحداً من أهم أهدافها، وبالتالي القضاء على أذرعه في المنطقة عبر استهدافها مباشرة.
وفي هذا السياق، صنَّف محللون تحشيد القوات السورية على طول الحدود مع لبنان، بأنه استعداد للتدخل المباشر فيه للقضاء على الحزب، معتمدين بذلك على إعلان الرئيس السوري، أحمد الشرع، الإثنين الماضي، بأن سوريا تقف إلى جانب الرئيس اللبناني جوزاف عون في قضية نزع سلاح حزب الله. وبينما برر المسؤولون السوريون تلك التحشيدات بأنها عملٌ روتيني يهدف إلى حماية البلاد من أي اختراق أو إحداث فوضى، ليس من المعروف إن كان ثمة ما يُطبخ لتوريط سوريا في لبنان من جديد. وربط البعض بين هذه النيات، وبين الاتصال الهاتفي اللافت بين الشرع وسامي الجميل، رئيس حزب الكتائب المعارض لحزب الله، والذي قال الجميل إن الغرض منه كان طمأنة اللبنانيين بعد الحشود العسكرية السورية على حدود بلادهم.
قد تلجأ الحكومة السورية إلى التدخل في لبنان، أو حتى إلى محاولة استهداف بعض القواعد التابعة لحزب الله على الحدود، من أجل الظهور بمظهر المنخرط في الحرب على إيران، علَّ ذلك يساهم في زيادة تقاربها الأمني مع واشنطن، وتكريس موقع دمشق المنسلخ عن المحور الإيراني وتموضعها في المحور المضاد. لذلك ليس معلوماً ما إذا كانت دمشق ستتخذ من القذائف التي طالت الجيش السوري في سرغايا بريف دمشق، والتي قال الجيش إن حزب الله هو من أطلقها، ذريعةً للتدخل، أو لتنفيذ عمليات داخل الأراضي اللبنانية بالتنسيق مع السلطات اللبنانية. ولكن تدخلاً من هذا النوع، قد لا يكون محسوب النتائج، وربما تكون له تداعيات غير متوقعة على الداخل السوري، في ظل ما يشاع، بين الفينة والأخرى، عن وجود خلايا نائمة لحزب الله داخل الأراضي السورية.
لا تحتاج سوريا إلى الاستقرار من أجل إدخال البلاد في طور التعافي، فحسب، بل تحتاجه من أجل وقف تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، في ظل فقدان بعض السلع الأساسية، مثل غاز الطبخ والمحروقات، وزيادة تعرفة الكهرباء التي تستنزف دخل المواطنين الذين تزداد أسعار سلعهم التموينية كل يوم. وإذا كان ذهاب قادة البلاد إلى مغامرة في لبنان يصب في مصلحتهم فإنه لا يصب في مصلحة أبناء البلدين، وسيكسر صورة سوريا التي بدت مستقرة وخارج النزاع والاضطراب الدولي الذي انخرطت فيه كل دول المنطقة. فبقائها مستقرة يُعد ميزةً، قد تسجل لهؤلاء القادة، وتكون دافعاً، في فترة لاحقة، لقدوم الاستثمارات التي بدت أنها فرصة البلاد الوحيدة للنهوض.


























