الثَّقافة في سوريا وعي المجتمع لا قرارات الوزراء
حوار مع الدَّولة – 10 –
المقدَّمة: لمن تُصنع الثَّقافة؟
الثَّقافة لا تصنع في الوزارات. القرارات السِّياسيَّة قد تفتح أبوابًا أو تغلقها، لكنَّ الثَّقافة الحقيقيَّة تنبع من وعي المجتمع، من تفاعلاته اليوميَّة، من صراعاته وإبداعاته، من وعي النُّخبة، من حكايات النَّاس البسطاء قبل بيانات المسؤولين. الثَّقافة كما نفهمها هي عصب الأمَّة، ولبنة تكوينها الأساسيَّة، وخطوتها الأولى نحو التَّقدُّم والنَّهضة.
تعني لغةً: التَّعلُّم، وتُعرِّفها الدِّراسات الاجتماعيَّة بأنَّها ذلك الكلُّ المركب الَّذي يشتمل على المعارف والمعتقدات والفنِّ والقانون والأخلاق والعادات والتَّقاليد وكلِّ القابليَّات والمفاهيم الأخرى الَّتي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع.
اليوم في سوريا ما بعد التَّحرير، نواجه سؤالاً مصيريًّا: هل ننتظر قرارًا حكوميًّا ينتج لنا ثقافة جديدة، أم ندرك أنَّ الثَّقافة الجديدة هي الَّتي ستنتج الدَّولة الَّتي نريد؟ هذا ليس نداءً لوزارة الثَّقافة لتكثِّف نشاطها، بل هو دعوة للمجتمع السُّوريِّ بأن يستعيد دوره الطَّبيعيّ كمنتج للثَّقافة، وللدَّولة بأن تدرك حدودها: أنْ تمكِّن لا أنْ تملي، أن تحمي لا أن تحتكر، أن تفتح مساحات لا أن ترسم حدودًا.
أوَّلاً: الثَّقافة – نتاج المجتمع أم قرار الدَّولة؟
1- الثَّقافة ظاهرةٌ اجتماعيَّةٌ قبل أيِّ شيء
العلاقة بين الثَّقافة والمجتمع علاقة جدليَّة معقَّدة. الثَّقافة وليدة المجتمع، وهي ملك لكلِّ أفراده، وتؤدِّي دورًا توحيديًّا وتأليفيًّا، وتمثِّل قوَّة تبلغ بالمجتمع مرتبة الكمال. علم الاجتماع الثَّقافيِّ، رغم حداثته نسبيًّا، يكشف عن هذه الحقيقة: الثَّقافة تشمل كلَّ ما هو موجود في المجتمع الإنسانيِّ، ويتمّ توارثه اجتماعيًّا وليس بيولوجيا. هي أنماط السُّلوك المكتسب والمتنقِّل بواسطة الرُّموز، والَّتي تشكِّل الإنجاز المميَّز للجماعات الإنسانيَّة. المعنى البسيط: أنت تتعلَّم ثقافتك من أسرتك، جيرانك، مدرستك، الشَّارع الَّذي تلعب فيه، المسلسل الَّذي تشاهده، الأغنية الَّتي تردِّدها، قبل أن تتعلَّمها من أيِّ كتاب أو قرار رسميّ.
2- الثَّقافة توحّد المجتمع
يرى عالم الاجتماع الفرنسيِّ إميل دوركايم أنَّ الجوانب المادِّيَّة وغير المادِّيَّة للثَّقافة ذات قيمة من حيث إنَّها توحّد المجتمع معًا، وتوفِّر لنا القيم والمعتقدات والأخلاق والتَّواصل والممارسات الَّتي نتشاركها، فتنشِئ شعوراً مشتركاً بالهدف والهويَّة الثَّقافيَّة.
يكشف دوركايم أنَّه عندما يجتمع النَّاس للمشاركة في الطُّقوس والممارسات الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة، فإنَّهم يعيدون التَّأكيد على الثَّقافة المشتركة بينهم، وبذلك يقوّون الرَّوابط الاجتماعيَّة الَّتي تربطهم ببعضهم البعض، هذا يفسِّر لماذا تبقى الأعراس السُّوريَّة التَّقليديَّة، والموالد الدِّينيَّة، وحتَّى جلسات ” الفنِّ ” الشَّعبيَّة، أقوى في تشكيل الهويَّة الثَّقافيَّة من أيِّ خطاب رسميّ.
3- الثَّقافة يمكن أن تكون أداة هيمنة:
الهيمنة الثَّقافيَّة هي مفهوم مركزيّ عند المفكِّر الإيطاليِّ غرامشي، يشير إلى السَّيطرة الَّتي تمارسها الطَّبقة الحاكمة على المجتمع، ليس فقط بالقوَّة الاقتصاديَّة أو العسكريَّة، بل من خلال الثَّقافة، الأفكار، والقيم. وفق غرامشي، تتمّ السَّيطرة عبر جعل أيديولوجيَّة الطَّبقة المسيطرة تظهر طبيعيَّةً أو بديهيَّة، بحيث يوافق عليها المجتمع طوعًا ويرى فيها ” الحسُّ المشترك ” للعالم، ما يمنح السُّلطة شرعيَّتها واستمرارها.
آليَّات الهيمنة: المجتمع المدنيُّ: يشمل المؤسَّسات غير القسريَّة مثل المدارس، الكنائس، النّقابات، والإعلام، ويُستخدم لنشر الهيمنة الثَّقافيَّة.
المجتمع السِّياسيّ: يشمل الدَّولة وأجهزتها القمعيَّة (الجيش، الشُّرطة، القانون) ، ويعمل بالقوَّة والإكراه المباشر.
دور المثقَّفين التَّقليديِّين: مستقلُّون نسبيًّا ويخلصون إلى التُّراث التَّقليديِّ.
دور المثقَّفين العضويَّين: مرتبطون مباشرة بالطَّبقة الاجتماعيَّة، ويعملون على صياغة وعيها وتنظيم مصالحها، ويسهمون في بناء الهيمنة أو الهيمنة المضادَّة.
الخصائص: القبول الطَّوعيّ: تجعل الطَّبقة المهيمنة قيمها ومعاييرها مقبولة طبيعيًّا.
الشُّموليَّة: الهيمنة تغطِّي جميع نواحي الحياة اليوميَّة بما في ذلك التَّعليم، الفنُّ، الإعلام، والدِّين.
الدِّيناميكيَّة: الهيمنة تتطلَّب تجديدًا مستمرًّا لمواجهة التَّغيُّرات الاجتماعيَّة والأيديولوجيَّة.
أهمِّيَّة الهيمنة الثَّقافيَّة سياسيَّةً: تفسِّر استقرار المجتمعات الغربيَّة رغم الأزمات الاقتصاديَّة، لكون الهيمنة تعمل عبر إقناع وحسّ مشترك أكثر من الإكراه المباشر.
ثقافيَّة: أثَّرت على الدِّراسات الثَّقافيَّة، الإعلام، وثقافة الشَّباب، وأصبحت أداة أساسيَّة لتحليل: كيف تتمُّ إعادة إنتاج الأيديولوجيَّات السَّائدة؟
ثوريَّة: توضِّح أنَّ التَّغيير الاجتماعيَّ يحتاج إلى بناء هيمنة بديلة ثقافيًّا قبل السَّيطرة على الدَّولة الانتقادات الَّتي توجَّه لهذا المفهوم عند غرامشي غموض مفاهيمي وصعوبة قياس مدى اندماج الأيديولوجيا المهيمنة.
المثاليَّة المفرطة للطَّبقة العاملة في مقاومة الهيمنة، صعوبة تطبيق المفهوم في سياق العولمة وتعدُّد المراكز الثَّقافيَّة.
الخلاصة: مفهوم الهيمنة الثَّقافيَّة عند غرامشي يقدِّم منظورًا يتجاوز السَّيطرة بالقوَّة فقط، ويركِّز على تشكيل الوعي والفكر كوسيلة للحفاظ على النِّظام الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ القائم، ويفتح الطَّريق لفهم الهيمنة المضادَّة والثَّورات الثَّقافيَّة والسِّياسيَّة بطريقة تحليليَّة أعمق.
في سوريا النِّظام السَّابق أنتج خطاباً ثقافيّاً رسميّاً (مسلسلات، أغان، مناهج)، كان يهدف لتكريس شرعيَّته وتهميش أيِّ ثقافة بديلة. لكنَّ الثَّقافة الشَّعبيَّة الحقيقيَّة، كانت تنمو في الخفاء: في الزَّوايا، في المساجد، في صالونات النُّخبة، في أحاديث النَّاس.
4- الخلاصة النَّظريَّة:
كلا المنظّرين محقَّان: الثَّقافة يمكن أن تكون قوَّة للقمع والهيمنة، لكنَّها يمكن أن تكون أيضًا قوَّةً للإبداع والمقاومة والتَّحرُّر. المهمَّ من ينتجها ولمصلحة من توظَّف. وعندما تحتكر الدَّولة إنتاج الثَّقافة، تموت الثَّقافة، وعندما ينتجها المجتمع، تزدهر.
ثانيًا: الثَّقافة السُّوريَّة – تشريح واقع ما بعد التَّحرير
1– ميراث ثقافيّ مترهِّل: ورثت سوريا الجديدة مشهدًا ثقافيًّا مشوَّهًا لعقود من السَّيطرة الرَّسميَّة، ثقافةً رسميَّةً منبتةً عن الشَّعب: مسلسلات هزليَّة، وأغاني المديح الَّتي لم يكن يتابعها أحد. رقابة خانقة: كلُّ كلمة تنشر، كلُّ لوحة تعرُّض، كلُّ مسرحيَّة تُقدَّم، كانت تمرُّ عبر فلتر أمنيّ تفتيت مجتمعيّ: ثقافات محلِّيَّة ومناطقيَّة وطائفيَّة نمت في عزلة عن بعضها، بل في عداء أحيانًا.
2- المجتمع المدنيُّ يعود للحياة منذ سقوط النِّظام في كانون الأوَّل 2024، بدأ المشهد الثَّقافيُّ يتغيَّر، ملامح منظَّمات المجتمع المدنيِّ في سوريا تعود إلى الحياة، فيما تستعيد المجموعات الشَّعبيَّة مساحاتها الَّتي هجرت طويلاً. تدفَّقت مئات المنظَّمات غير الحكوميَّة إلى دمشق، في مزيج يجمع العائدين من المنفى والمنظِّمين المحلِّيِّين ودولة تعيد تعريف دورها في الأشهر السِّتَّة الأولى من عام 2025. وحدها، سجلُّ أكثر من 650 منظَّمة غير حكوميَّة أسماؤها في وزارة الشُّؤون الاجتماعيَّة والعمل في دمشق، فيما يزيد اليوم عدد المنظَّمات العاملة في مختلف المحافظات على 2400 منظَّمة.
الأهمِّ ليس العدد، بل طبيعة العمل: من دوائر الدَّعم النَّفسيِّ في داريّا إلى فرق إصلاح الآبار في ريف دمشق، يقود الفاعلون المدنيُّون جهود التَّعافي بوتيرة أسرع من المؤسَّسات الرَّسميَّة تحت حكم الأسد، كان الحديث- بصراحة- عن الصِّحَّة النَّفسيَّة من المحرَّمات، ليس اجتماعيًّا فحسب، بل سياسيًّا أيضًا. ” كان النَّاس يخفون مشكلاتهم. لم يكن مسموحًا لك أن تتحدَّث عن خطف تعرّض له أحدهم، أو قريب مفقود، أو حتَّى عن انقطاع الكهرباء وشُحّ المياه “. فمثل هذه الاعترافات كانت تنطوي على مخاطرة بالتَّعرُّض لعقاب من النِّظام.
ما يحدث في المدن السُّوريَّة، هو نموذج مصغَّر للثَّقافة الجديدة: ثقافة تعترف بالألم، تبحث عن الشِّفاء، تبني جسوراً بين النَّاس، تخلق مساحات آمنةً للحوار. هذه الثَّقافة لم تأت بقرار وزاريّ، بل بمبادرة مجتمعيَّة.
3- تحدِّيات المجتمع المدنيِّ الجديد الطَّريق ليس مفروشًا بالورود. العاملون في هذا المجال يواجهون تحدِّيات كبرى. الاستقلاليَّة: كيف نحافظ على استقلالنا عن الحكومة الجديدة، مع التَّعاون معها في نفس الوقت؟ التَّمويل: المساعدات الخارجيَّة هشَّةٌ، وتهديدات ترامب بقطع المساعدات، وجَّهت ضربات للعمليَّات الإغاثيَّة. الانتقال من المعارضة إلى البناء: كثير أمضوا 14 عامًا في معارضة النِّظام، واليوم عليهم تعلُّم لغة التَّعاون مع الدَّولة. الاستقلاليَّة والشَّفافيَّة هما المفتاح لتحويل قطاع المنظَّمات غير الحكوميَّة إلى شريك فعَّال في عمليَّة إعادة الإعمار.
ثالثًا: استعادة الثَّقافة كحركة مجتمعيَّة
1– من الثَّقافة الرَّسميَّة إلى الثَّقافة الشَّعبيَّة التَّحوُّل المطلوب اليوم، هو التحوّل من ثقافة تُفرَض إلى ثقافة تُنتِج. هذا يعني: إفساح المجال للمبادرات الأهليَّة: نواد ثقافيَّة، مسارح صغيرة، معارض فنِّيَّة، مكتبات عامَّة يديرها المجتمع دعم اللَّامركزيَّة الثَّقافيَّة: لكلِّ محافظة خصوصيَّتها، ولكلِّ منطقة تراثها. الثَّقافة السُّوريَّة ليست ثقافة دمشق وحدها. تشجيع التَّنوُّع: ثقافات المكوِّنات السُّوريَّة (كردّ، سريان، شركس، تركمان) جزء من النَّسيج، لا أعداء للوحدة.
2- الثَّقافة السِّياسيَّة الجديدة الثَّقافة ليست فقط فنونًا وآدابًا، بل هي أيضًا ثقافةً سياسيَّةً. تعرَّف الثَّقافة السِّياسيَّة بأنَّها مجموعة من الآراء المشتركة والأحكام المعياريَّة الَّتي يتبنَّاها السُّكَّان فيما يتعلَّق بنظامهم السِّياسيِّ. تشمل المواقف والقيم والمعتقدات بشأن النِّظام السِّياسيِّ، بما في ذلك الافتراضات المعياريَّة حول الطَّريقة الَّتي تعمل بها الحكومة.
حدَّد غابرييل الموند وسيدني فيربا ثلاثة أنواع رئيسةً للثَّقافة السِّياسيَّة: الثَّقافة الباروكيَّة (القاصرة ) ، الثَّقافة التَّابعة (الخاضعة ) ، والثَّقافة المشاركة، بالإضافة إلى النَّوع الرَّابع المختلط أو الثَّقافة المدنيَّة الَّتي تجمَع بينها.
- الثَّقافة الباروكيَّة أو القاصرة
الخصائص: يفتقر المواطن في هذا النَّمط إلى الوعي السِّياسيِّ، ولا يعرف مؤسَّسات الدَّولة ولا دوره كمشارك سياسيّ؛ اهتمامه ينحصر في الشُّؤون المحلِّيَّة أو الدِّينيَّة فقط تنتشر في المجتمعات التَّقليديَّة المعزولة أو الرِّيفيَّة، أو المجتمعات الَّتي لم تتطوَّر فيها نظم الحكم والتَّعليم.
الأثر السِّياسيِّ: غياب شبه تامّ للمشاركة السِّياسيَّة، وهو نمط غير ملائم للدِّيمقراطيَّة.
2-الثَّقافة التَّابعة أو الخاضعة
الخصائص: يعي المواطن وجود الدَّولة ومؤسَّساتها، لكنَّه يرى نفسه مجرَّد خاضع للسُّلطة، يتلقَّى القرارات ولا يشارك في صنعها توجد في الأنظمة السُّلطويَّة أو المجتمعات الَّتي لها تاريخٌ طويلٌ من الاستبداد والقمع السِّياسيِّ.
الأثر السِّياسيِّ: تعزِّز الطَّابع المركزيَّ للسُّلطة وتقلِّل فرص التَّغيير الدِّيمقراطيِّ، وتظهر استقرارًا شكليًّا قائمًا على الطَّاعة والخضوع.
3-الثَّقافة المشاركة
الخصائص: يتمتَّع المواطن بوعي سياسيّ متقدِّم، يدرك حقوقه وواجباته، ويشارك في الحياة العامَّة من خلال التَّصويت، والنِّقاش، والانخراط في الجمعيَّات والنَّشاطات السِّياسيَّة سائدةً في المجتمعات الدِّيمقراطيَّة أو الانتقاليَّة نحو الدِّيمقراطيَّة، وتشجِّع على الانفتاح والمساءلة.
الأثر السِّياسيَّ: تعتبر بيئةً مثاليَّةً لترسيخ الدِّيمقراطيَّة وبناء مؤسَّسات شرعيَّة ومستقرَّة.
4- الثَّقافة المدنيَّة
الخصائص: تمثِّل خليطًا من الأنماط الثَّلاثة السَّابقة، وتتميَّز بقبول سلطة الدَّولة، والإيمان بالمشاركة في الواجبات المدنيَّة، تهيمن غالبًا في النُّظم الدِّيمقراطيَّة، وتجمع بين الوعي والمشاركة والتَّمكين الفرديِّ والجماعيِّ من العمليَّة السِّياسيَّة.
باختصار، تساعد هذه التَّصنيفات على فهم مستوى المشاركة، الوعي، والانتماء السِّياسيُّ للمواطنين، كما أنَّها توضِّح كيف يمكن أن تؤثِّر الثَّقافة السِّياسيَّة على استقرار النِّظام السِّياسيِّ وفعَّاليَّة الدِّيمقراطيَّة في أيِّ مجتمع. سوريا تحتاج للانتقال من النَّوعين الأوليين إلى ثقافة المشاركة. وهذا لا يحدث بقرار، بل بتراكم خبرات المشاركة نفسها: انتخابات محلِّيَّة نزيهة، مجالس بلديَّة فاعلة، حملات توعية مجتمعيَّة، تجارب ناجحة في العمل العامِّ.
3- الحركات الاجتماعيَّة كمنتَج ثقافيّ
الحركات الاجتماعيَّة هي مواقع رئيسة لإنتاج الثَّقافة الجديدة. تعرَّف بأنَّها ” سلسلة من الأداء المتواصل والمعارضات والحملات الَّتي يقوم بها أشخاص عاديُّون لرفع مجموعة من المطالب “. وهي وسيلة مهمَّة تسمح للأشخاص العاديِّين بالمشاركة في السِّياسة.
تتميَّز الحركات الاجتماعيَّة بثلاثة عناصر:
الحملات: جهد عام منظَّم لتقديم مطالبات جماعيَّة.
مجموعة الادِّعاء: جمع أشكال العمل السِّياسيِّ (اجتماعات، مسيرات، عرائض).
تضافر المشاركون لتمثيل صورتهم: ظهور الأحقِّيَّة، والوحدة والأعداد والإخلاص.
في سوريا، الحركات الاجتماعيَّة النَّاشئة (نسويَّةً، بيئيَّةً، حقوقيَّةً)، هي مختبرات حقيقيَّة لثقافة جديدة: ثقافة تنظيم الذَّات، ثقافة المطالبة بالحقوق، ثقافة العمل الجماعيِّ التَّطوُّعيِّ.
رابعًا: ما دور الدَّولة إذن؟
إذا كانت الثَّقافة حركةً مجتمعيَّةً، فمًا دور الدَّولة؟ هذا سؤال مشروع.
1- التَّمكين لا التَّوجيه : دور الدَّولة الأساسيُّ هو تهيئة البيئة لنموِّ الثَّقافة، لا إنتاجها. كما أنَّ دور الدَّولة يتَّجه نحو ” تهيئة بيئة قانونيَّة وبنية تحتيَّة ملائمة لنموِّ المجتمع المدنيِّ، بوصفه واقيًا وحاميًا للفرد من تدخُّلات الدَّولة وتجاوزاتها، وهذا يعني: ” تشريعات تحمي حرِّيَّة التَّعبير والإبداع، تمويلاً غير مشروط للمؤسَّسات الثَّقافيَّة المستقلَّة بنيةً تحتيَّةً جاهزةً (مسارح، مكتبات، مراكز ثقافيَّة) متاحة للجميع.
2- الحماية لا الاحتكار: على الدَّولة أن تحمي التَّنوُّع الثَّقافيَّ، لا أن تفرض ثقافة موحَّدة. في مجتمع متعدِّد مثل سوريا، التَّنوُّع الثَّقافيُّ هو ثروة وطنيَّة. الدَّولة الحاضنة تحمي حقَّ كلّ مكوَّن في التَّعبير عن ثقافته، وتضمَّن عدم تحوُّل الاختلافات الثَّقافيَّة إلى صراعات.
3- السِّياسة الثَّقافيَّة كإطار: السياسات الثَّقافيَّة تشغل حيِّزًا مهمًّا في أجندات الحكومات نظرًا للحضور الرَّمزيِّ والقيميِّ للثَّقافة ولعلاقتها الوطيدة بالنَّسق السِّياسيِّ والاقتصاديِّ. مع تجاوز الأدوار التَّرفيهيَّة التَّثقيفيَّة للعمل الثَّقافيِّ إلى أدوار رائدة في الحياة الاقتصاديَّة، تتضاعف الإيرادات من الصِّناعة الثَّقافيَّة، وتتوسَّع فرص العمل، لكنَّ فعَّاليَّة السِّياسة الثَّقافيَّة تبقى مرتبطةً بمدى معالجة المعوِّقات السُّوسيواقتصاديَّة والسِّياسيَّة، وبمدى انفتاحها على القطاع الخاصِّ والمجتمع المدنيِّ للمشاركة في الحياة الثَّقافيَّة.
4- ما يجب أن تتجنَّبه الدَّولة العودة للرِّقابة: أيُّ عودة لـ ” مصادرة الكتب ” و ” منع المسرحيَّات ” ستقتل الثَّقافة النَّاشئة احتكار التَّمويل: عندما تكون الدَّولة هي المموِّل الوحيد، يصبح المبدع تابعًا ثقافة ” الوجهة الواحدة “: محاولة فرض خطاب ثقافيّ رسميّ موحَّد.
خامسًا: نماذج عالميَّة – كيف تدعم الدَّولة الثَّقافة دون أن تحتكرها؟
1- النَّموذج الفرنسيُّ: دعم دون وصاية: فرنسا تقدِّم نموذجًا مثيرًا للاهتمام. وزارة الثَّقافة الفرنسيَّة تمتلك ميزانيَّةً ضخمةً، وتدعم آلاف المشاريع الثَّقافيَّة سنويًّا. لكنَّ الدَّعم يذهب للجمعيَّات المستقلَّة والفرق الفنِّيَّة ودور النَّشر الخاصَّة، عبر لجان تحكيم مستقلَّة. في سوريا الدَّعم ممكن دون وصاية، إذا كانت آليَّات التَّوزيع شفَّافةً ومستقلَّةً.
2- النَّموذج الألمانيُّ: اللَّامركزيَّة الثَّقافيَّة
في ألمانيا، الشُّؤون الثَّقافيَّة هي مسؤوليَّة الولايات (الأقاليم ) ، لا الحكومة الفيدراليَّة. هذا يعني تنوُّعًا كبيرًا: لكلِّ ولاية سياساتها الثَّقافيَّة، ولكلِّ مدينة مسارحها ومتاحفها ومهرجاناتها. في سوريا: اللَّامركزيَّة تنتج تنوُّعًا، وتحمي الثَّقافة من الهيمنة المركزيَّة.
3- النَّموذج البريطانيُّ: ” المسافة بين الذِّراعين:
(Arts Council) المجلس الثَّقافيِّ البريطانيِّ:
هو هيئة مستقلَّة تتلقَّى تمويلاً حكوميًّا، لكنَّها تدير نفسها بنفسها. تعرَّف هذه الآليَّة بـ ” المسافة بين الذِّراعين: الحكومة تموِّل لكن لا تدير. في سوريا: إنشاء هيئات مستقلَّة للثَّقافة يفصل بين التَّمويل والتَّوجيه السِّياسيِّ.
4- تجارب عربيَّة: تونس والمغرب، تونس بعد 2011 شهدت انفجارًا ثقافيًّا: مهرجانات جديدة، مسارح مستقلَّة، كتب- غير مسبوقة-. السِّرُّ كان في تراجع الرِّقابة، وتوسيع هامش الحرِّيَّات، أكثر منه في قرارات وزاريَّة.
المغرب يقدِّم نموذجاً لسياسة ثقافيَّة منفتحة نسبيًّا، مع دعم للسِّينما والموسيقى والتُّراث، دون وصاية أيديولوجيَّة صارمة.
سادسًا: خريطة طريق لثقافة سورية جديدةً
1- على المستوى المجتمعيِّ
أوَّلاً: إحياء الفضاءات الثَّقافيَّة المستقلَّة: مقاه ثقافيَّة في المدن الرَّئيسيَّة، منتديات حوار أسبوعيَّة في الأحياء، مهرجانات شعبيَّة (موسيقى، مسرح، شعر)، تنظِّمها جمعيَّات أهليَّة.
ثانيًا: توثيق الذَّاكرة الشَّفويَّة: حكايات النَّاس من كلِّ المناطق والمكوِّنات، تجارب النُّزوح واللُّجوء والعودة، تراث القرى والمدن المهدَّد بالاندثار.
ثالثًا: إعلام مجتمعيّ جديد: إذاعات مجتمعيَّةً (في كلِّ محافظة ) ، صحافة المواطن الَّتي تنقل صوت النَّاس منصَّات إلكترونيَّةً محلِّيَّةً.
رابعًا: ربط الدَّاخل بالخارج: السُّوريِّون في المهجر يحملون ثقافات ممزوجة، يمكن أن تثري المشهد الدَّاخليَّ برامج تبادل ثقافيّ، زيارة فنَّانين ومثقَّفين، مشاريع مشتركة.
2- على المستوى الرَّسميِّ (دور الدَّولة)
أوَّلاً: إصلاح تشريعيّ عاجل: إلغاء قوانين الرِّقابة المسبقة، قانون للمطبوعات والنَّشر يضمن الحرِّيَّة مع المسؤوليَّة، قانون للفنون يسهِّل التَّرخيص للفرق والجمعيَّات.
ثانيًا: إعادة هيكلة المؤسَّسات الثَّقافيَّة الرَّسميَّة: تحويل وزارة الثَّقافة من ” منتجة ” إلى ” ممكنة إنشاء هيئات مستقلَّة (للكتاب، للفنون، للتُّراث)، تديرها النِّقابات والاتِّحادات، فصل المتاحف والآثار عن التَّجاذبات السِّياسيَّة.
ثالثًا: دعم لامركزيّ: تخصيص موازنات للمجالس المحلِّيَّة للأنشطة الثَّقافيَّة دعم المكتبات العامَّة في المدن والبلدات، ترميم المراكز الثَّقافيَّة في المناطق المتضرِّرة.
رابعًا: تمويل ذكيّ: إنشاء صندوق مستقلّ لدعم الثَّقافة، بتمويل حكوميّ وخاصّ ودوليّ حوافز ضريبيَّة للقطاع الخاصِّ الدَّاعم للثَّقافة منح للإبداع توزَّع عبر لجان تحكيم مستقلَّة.
3- على المستوى التَّربويِّ (إستراتيجيّ)
أوَّلاً: تطوير المناهج التَّعليميَّة: مناهج تعزِّز الهويَّة الوطنيَّة المنفتحة تعليم تاريخ متوازن يعترف بالتَّنوُّع، أنشطة مدرسيَّة (مسرح، موسيقى، فنون) لا تعتمد على الدَّرجات.
ثانيًا: تدريب المعلِّمين: المعلِّمون هم ” حرَّاس الثَّقافة الحقيقيُّون تأهيلهم على قيم المواطنة والتَّسامح ضرورةً.
ثالثًا: شراكة مع المؤسَّسات الثَّقافيَّة: زيارات مدرسيَّة للمتاحف والمسارح، استضافة فنَّانين ومبدعين في المدارس.
الخاتمة: الثَّقافة نصنعها نحن
نعود إلى سؤال البداية: الثَّقافة ليست ما تقرِّره الوزارات، بل ما ينتجه وعي المجتمع. في داريّا، نساء يضحكن بعد 14 عامًا من النِّسيان. في ريف دمشق، شباب يصلحون آبار الماء. في حلب، فرقة مسرحيَّة تؤجِّل عرضها بسبب القصف، ثمَّ تعود لتعرضَه. في القامشلي، مهرجان ثقافيّ كرديّ- عربي- سرياني.
هذه هي الثَّقافة السُّوريَّة الجديدة. ثقافة لا تنتظر القرار، بل تصنعه. ثقافة تعترف بالألم وتعانق الحياة. ثقافة تختلف وتتنوَّع ولا تخاف. ثقافة تصنعها أيادي سوريّة، بأحلام سوريّة، على أرض سوريَّة.
الدَّولة النَّاجحة: هي الَّتي تدرك حدودها: تفتح الطَّريق، تزيل العقبات، توفِّر الحماية، ثمَّ تترك المجتمع يصنع ثقافته بنفسه؛ لأنَّ الثَّقافة الَّتي تصنعها الدَّولة تموت مع الدَّولة. والثَّقافة الَّتي يصنعها المجتمع تعيش لأجيال.
أيُّها السُّوريِّ: ثقافتك ليست في وزارة الثَّقافة، ولا في التِّلفاز الرَّسميِّ، ولا في كتب المناهج. ثقافتك في حكايات جدَّتك، وفي أغاني الحارة الَّتي نشأت فيها، وفي الكتب الَّتي تختار قراءتها، وفي اللَّوحة الَّتي ترسمها في غرفتك، وفي النُّكتة الَّتي تضحك عليها مع أصدقائك. أنت صانع الثَّقافة. والدَّولة النَّاجحة هي الَّتي تدرك ذلك..
- كاتب وباحث سوري


























