قبل خمسة عشر عاماً، ارتفعت أصوات السوريين احتجاجاً على نظامٍ جثم طويلاً على صدورهم، فكانت بداية مسيرة شاقة ومكلفة، سالت فيها دماء غزيرة، وتهدمت مدن وقرى، وتبدلت مصائر ملايين البشر. ورغم قسوة الطريق، تُوِّجت تلك المسيرة، قبل أكثر من عام، بسقوط ذلك العهد، في لحظةٍ حملت أملاً عارماً بالخلاص وبداية جديدة.
ليس دقيقاً القول إن شيئاً لم يتغير؛ فقد تغير كثير بالفعل. يكفي أن الخوف الذي حكم الحياة العامة لعقود قد تراجع، وأن الناس استعادوا حقهم في الكلام بعد أن صودرت أصواتهم طويلاً. وهذا التحول بحد ذاته إنجاز كبير، نقل المجتمع من حالة الصمت القسري إلى فضاء التعبير. غير أن استعادة الصوت لا تكتمل إلا باستعادة الفعل، وبتمكين العقول من الإسهام الحر في إعادة بناء وطنٍ أنهكته سنوات الاستبداد والحرب.
من أبرز الإشكاليات التي برزت الاعتقادُ الضمني لدى دوائر الحكم الجديدة بامتلاكها القدرة على إدارة مختلف الملفات، من السياسة والأمن إلى الاقتصاد والإعلام، دون الحاجة إلى إشراك واسع للخبرات المتنوعة.
إن فرحة الانتصار لم تدم بالقدر الذي كان مأمولاً؛ فثمة شعور متزايد لدى كثيرين بأنهم باتوا غرباء عن نتائج هذا الانتصار، أو في أفضل الأحوال شركاء هامشيين فيه. إذ تصرفت قوى بعينها وكأنها المالكة الحصرية للإنجاز، تمنح صكوك الوطنية والكفاءة، وتحدد من يُسمح له بالمشاركة ومن يُقصى.
لقد كان من المفترض أن تكون مرحلة ما بعد سقوط النظام لحظة جامعة، تستوعب كل الطاقات الراغبة والقادرة على المساهمة في بناء الدولة. إلا أن ما حدث، في كثير من الأحيان، اتجه نحو احتكار القرار وتضييق دائرة المشاركة، بحيث غلبت الاعتبارات الولائية على معايير الكفاءة والاستحقاق.
ومن أبرز الإشكاليات التي برزت الاعتقادُ الضمني لدى دوائر الحكم الجديدة بامتلاكها القدرة على إدارة مختلف الملفات، من السياسة والأمن إلى الاقتصاد والإعلام، دون الحاجة إلى إشراك واسع للخبرات المتنوعة. وقد انعكس هذا التصور في غياب آليات واضحة وشفافة لاختيار الكفاءات، وفي استمرار نمط التعيين القائم على القرب والولاء، وهو ما أضعف الثقة وأعاق بناء مؤسسات راسخة.
في المقابل، لم تُستقبل الأصوات الناقدة بوصفها جزءاً طبيعياً من الحياة العامة، بل وُوجهت أحياناً بالتخوين أو التشكيك، حتى حين صدرت عن شخصيات كانت في صلب الحراك الثوري. وبدلاً من تحويل النقد إلى أداة تصويب، جرى التعامل معه كتهديد، في مشهد يعيد إنتاج أنماط كان يُفترض أن الثورة جاءت لتجاوزها.
ولا تقتصر خيبة الأمل على النخب أو الطامحين إلى دور سياسي، بل تمتد إلى شرائح واسعة من المجتمع. فكثير من ضحايا المرحلة السابقة كانوا يتطلعون إلى مسار واضح للمحاسبة والعدالة، يضع حداً للإفلات من العقاب، غير أن هذا الملف ما يزال دون التوقعات. كما أن المتضررين من الدمار والتهجير كانوا يأملون أن تتصدر إعادة الإعمار أولويات المرحلة، بما يتيح لهم العودة إلى مناطقهم، وهو ما لم يتحقق بالشكل الكافي حتى الآن.
تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة جادة لتجربة الأشهر الماضية؛ مراجعة لا تقتصر على أهل السلطة، بل تنفتح على طيف واسع من الفاعلين والخبراء، بهدف استخلاص الدروس وتصحيح المسار، قبل أن تتكرس اختلالات يصعب تداركها لاحقاً.
أما الفئات الأكثر هشاشة، التي كانت في طليعة الاحتجاجات ضد النظام السابق وقدّمت أثماناً باهظة، فما تزال تعاني من التهميش ذاته تقريباً، مع محدودية ملموسة في السياسات الموجّهة لتحسين أوضاعها أو إعادة دمجها في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
تدريجياً، يبدو أن الفجوة تتسع بين السلطة الجديدة وجمهورها، في ظل ميلٍ إلى الاكتفاء بدائرة ضيقة من المؤيدين، وعدم الإصغاء الكافي للملاحظات والانتقادات التي تُطرح بدافع الحرص لا العداء. إذ إن كثيراً من المنتقدين لا يسعون إلى الهدم، بل إلى الإصلاح، وإلى إنجاح تجربة الدولة الوليدة، وهو ما كان يُفترض أن يُنظر إليه كرصيد لا كعبء.
ولعل أحد أبرز التحديات التي تواجه هذه المرحلة هو القدرة على استيعاب هذا التنوع من الآراء والخبرات، وتحويله إلى قوة داعمة، بدلاً من تركه يتحول إلى مصدر احتقان وانقسام. فالدول لا تُبنى بدوائر مغلقة، بل بانفتاح واعٍ على المجتمع بكل مكوناته.
في هذه الذكرى، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة جادة لتجربة الأشهر الماضية؛ مراجعة لا تقتصر على أهل السلطة، بل تنفتح على طيف واسع من الفاعلين والخبراء، بهدف استخلاص الدروس وتصحيح المسار، قبل أن تتكرس اختلالات يصعب تداركها لاحقاً.
ولا ينبغي أن تُختزل هذه المراجعة في تغيير أشخاص، بل في إعادة النظر في بنية الحكم وآلياته، على أسس مهنية وشفافة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص، وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. فبقدر ما كان إسقاط الاستبداد إنجازاً تاريخياً، فإن بناء دولة عادلة وفاعلة هو التحدي الأكبر، وهو ما سيحدد، في النهاية، معنى هذا الانتصار وقيمته.
- تلفزيون سوريا



























